ملحوظة

كل ما ورد في هذا المقال مشاهدات يومية يراها كل طبيب عيون في وطننا، بعضهم يتجاهلها، وبعضهم مثلي تؤلمه وتحزنه، كثير من عامة الناس لا يعرفون تلك الحقائق فقررت أن أنقلها بصراحة ليعلم جميعنا الحقيقة المرّة.

سكن الأطباء الملعون!

انتهت فترتي في التكليف – وهي الفترة التي يكون فيها الطبيب ممارسًا عامًا – وذهبت لأستلم العمل في محل نيابتي، والنيابة للطبيب – لمن لا يعلم – هي الفترة التي يتدرب ويمارس فيها تخصصه، كان قلبي مُترعًا بالآمال والأحلام عن تلك المرحلة الجديدة؛ فأخيرًا سأصير طبيب عيون كما كنت أحلم قديمًا وها قد حقق الله حلمي، ولكن تُرى أتكون أحلامي الوردية وظنوني الطفولية في محلها؟ هذا ما خبأته لي الأيام حينها.

ذهبت للحصول على توقيع مدير المستشفى لاستلامي العمل ولكني فوجئت بالموظفة تطلب مني التوقيع على ورقة، قرأتها بتأمل وتعجب، إنه إقرار مني بأنه لا يوجد سَكَن للأطباء بالمستشفى! ما هذا؟ كيف لا يتوفر سكن للطبيب الذي سيقيم في كل نباطشية 24 ساعة كاملة؟! وماذا سيفعل أمثالي ممن هم قادمون مِن مدن أخرى؟ وكيف يسلبونني حقي ويجبرونني على التنازل عن هذا الحقّ مقابل استلام عملي وإلا أفعل فلن أستلم عملي! وقّعتُ مجبرًا وقلت في نفسي: لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا. استلمت العمل وتم إدراج اسمي في النباطشيات، وكان عليّ أن أحصل على سكني الذي سأبيتُ فيه خصوصًا أنني من مدينة أخرى، بعد أسبوعين من الشدّ والجذب والمذلَّة مع الموظفة المسئولة عن السكن بشرتني أنها وجدت لي سكنًا! ويا للبشرى! لقد كانت حجرة صغيرة مهجورة تتدلى خيوط العنكبوت من سقفها ويُغشّي التراب أرجاءها، وتتخلل الرطوبة أجواءها، تناثرت الشقوق في جدرانها، أما بابها فبلا (طبلة)، فاضطررت لشراء واحدة واستئجار نجّار لتركيبها من حسابي الخاص، أعطتني الموظفة سريرًا وقد آمَنَتْ أنها قد أدّت واجبها وأكثر!

لم يكن بالغرفة حمّام! إي والله! يوجد حمّام خارجي مشترك بين أكثر من غرفة لهؤلاء الأطباء المنبوذين وكأننا في معسكر حرب أو مخيّم لاجئين! لا يوجد سخّان، لا توجد مروحة أو تكييف، لا ثلاجة ولا موقد ولا تلفاز ولا مذياع، فما أنا سوى طبيب محتقر لا قيمة لي ولا لأمثالي! حمدتُ الله على نعمته ورضيت بحالي. لم يكن بالغرفة منضدة لأضع عليها متعلقاتي، وكان علي أن أفكّر بطريقة تلاميذ الكشافة أو مجندي الجيش بأن أحاول الاستفادة من كل ما حولي! فقد وجدت قطعًا متناثرة من الأخشاب جمّعتها وسمّرتها وصنعت منضدتي الخاصة من عرق جبيني! حامدًا ربي راضيًا بحالي.

ولكن هل يرضى حالي بي؟! مرت سنة كاملة على هذه الحال وقد هيأتُ نفسي عليها، وفي يوم من الأيام بدأت أكوام القمامة تتراكم في الطابق الذي أسكن فيه، فلم أعترض لعلّ عمال النظافة في إجازة! ولكن بعض الشائعات تناهتْ إلى مسامعنا بأن المبنى الذي نسكن فيه سيتم إخلاؤه! لم أهتمّ بالأمر فلم يُعلمني أحد بهذا الأمر بصفة رسمية. ثم في يوم دخلت الحمام ففوجئت بأن الحمام بلا حوض! فقد تم خلعه وأخذه لمكان ما! لا بأس فلنتنازل عن الحوض ونحمد الله أنهم لم ينزعوا الصنبور! ومرّت الأيام، وفي غداة يوم عجيب دخلت حجرتي فلم أجد فيها كهرباء! فذهبت لأستعلم عن الأمر وطلبت كهربائي المستشفى بكل براءة وطفولية! ولكن لم يُفدني أحد ولم يُجبني أحد، حتى علمت الحقيقة المرّة في نهاية اليوم؛ لقد تم فصل الكهرباء عن الطابق كاملًا! هكذا بكل بساطة! وكأنه لا يوجد بشر مقيمون في هذا المكان! لقد كان طردًا من السكن بطريقة غير مباشرة. لم يُعلمني أحد ولم يهتمّ بأمري أحد! ولكن أين أذهب الآن ولا مأوى لي ولا ملجأ؟! أين إدارة المستشفى؟ وأين موظفة السكن؟ أين المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين؟! لا مجيب ولا مُغيث!

هرعت أبحث عن الموظفة في كل حدب وصوب حتى وجدتها بصعوبة وأعلمتني أن عليّ أن أغادر السكن لإتمام عملية الإجلاء في سلام وأمان! فالمبنى يحتاج الترميم. طيب يا صاحبة السموّ أين يذهب الأطباء المشردون الآن وهم بلا مسكن ولا مأمن؟! قالت: انتظر وسأحاول إيجاد سكن لك.

بعد أن أجليت متعلقاتي إلى عيادة العيون مؤقتًا إلى أن أجد مكانًا جديدًا انتظرت أسبوعين تارة أخرى لتتكرر مأساة الذل التي ألمّتْ بي السنة الماضية، إلى أن حصَلَتْ لي الموظفة المكافحة على سكن، يا لفرحتي وسعادتي! أين هذا السكن؟ إنه في حجرة يسكنها طبيبان، تهللت أسارير وجهي مضطرًا فأنا لا أحب أن يشاركني أحد المسكن ولكن لا بأس لأتنازل عن هذه الرفاهية لئلا أصير من المهجّرين المتشردين! قالت: ولكن هناك مسألة؛ الغرفة بها سريران فقط! قلت واجمًا: وكيف نصبح ثلاثة في غرفة بها سريران؟! قالت في أناة يتخللها الحكمة والدهاء: لا توجل، فبإذن الله لا يجتمع ثلاثتكم في نفس الأيام! تركتني مشدوهًا لا أدري ما أفعل إلى أن وجدتني أقبل هذا العرض المؤسف بلا حيلة ولا سبيل آخر! لممتُ متعلقاتي وشددت رحالي وذهبت إلى تلك الحجرة مع العلم أنها خارج المستشفى وتبعد عنها مسافة كيلومتر تقريبًا! ولكن لا ضير، المشي رياضة، ولأستغل تلك المسافة في الذِكر والتأملات! كان ما يسيطر على عقلي حينها كيف سأوفّق أيامي مع زميليّ في الغرفة لئلا نجتمع نحن الثلاثة في يوم واحد! ولكن ربك كريم! مرت سنة كاملة دون أن تقع تلك المعضلة الصعبة، ولكن كان هنالك ما هو أصعب وهو أنه في نهاية تلك السنة تم طردنا من هذا السكن كسابقه! فهناك أوامر بإخلاء هذا السكن لأسباب غامضة!

اتصلتْ بي موظفة السكن وأخبرتني أنها قد اقتحمتْ حجرتي بعد أن أخلاها زميلاي وعليّ أن آتي مسرعًا لاستلام متعلقاتي، قفزت من هول المفاجأة وجريت إلى حجرتي لأنقذ متعلقاتي المسكينة التي كُتب عليها الظعن والترحال ولكن هذه المرة إلى العراء! فقد تركتني الموظفة دون أن تخبرني بسكني الجديد! وهل أنا سوى طبيب حقير من آلاف الأطباء لا قيمة لي ولا ثمن! شعرتُ حينها بضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس وقفلتُ راجعًا حزينًا وقد قررت شيئًا وهو أنني لن أبيت في المستشفى بعد اليوم وأكرم لي أن أسافر يوميًا من أن أهين نفسي لحثالة البشر!

وسيسأل سائل: وماذا ستفعل في النباطشية؟ من سيبيت في المستشفى ليستقبل المرضى المصابين؟ ومن سيداوي هؤلاء الجرحى إذا تركت مكانك؟ أما الجواب بكل بساطة فليذهب المستشفى والمرضى والطب جميعًا إلى الجحيم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك