يحمل نهر النيل خيرًا بلا حدود لعشر دول تتقاسمه. لكن توشك أن تنقلب النعمة كفرًا، وأن يتحول أهم مورد من موارد الخير، وأكبر دافع من دوافع التعاون، لمورد لشرور لا تنقضي، ودافع لصراعات تتوارثها الأجيال. ومع التأكيد على الحق الإنساني والقانوني لجميع المتشاركين في النيل، بحقهم في المساواة العادلة في مياهه، في ظل القانونين الدولي والإنساني، فإن التاريخ يسجل أن مصر بتاريخها هي أكبر دول الحوض وأكثرها استفادة من النهر وأعظمها تنمية له، ما يلقي عليها بعبء أكبر من غيرها في تحقيق الوئام وتثمير التعاون. وتخسر مصر كثيرًا بالتعالي في ملف النيل، وبالأخص في العلاقات المصرية-السودانية-الإثيوبية المصيرية، وإنه رغم الروابط التاريخية الفريدة بين مصر والسودان، فإن مصلحة شقيقها الجنوبي قد تدفعه لمراعاة مصالحه المتمثلة في التعاون مع إثيوبيا، في ظل تعال غير مبرر، بعد تزلف غير مبرر كذلك، وكأن الدول قد تتنازل عن مصالحها الحيوية، وأمنها القومي بمعسول الكلام والمصانعة. ويشير العنوان لمثال صغير، يدفع السودان وإثيوبيا للتكتل من أجل مصالحهما التنموية، التي يجب أن نتفهمها، ونعمل على إيجاد أرضية مشتركة لمصالح شعوب النيل جميعًا، قبل إنشاء صراعات لا تبقي ولا تذر.

سد تكزة هو سد أنشأته الحكومة الإثيوبية على نهر عطبرة بمنطقة تيجرآي شمال بحيرة تانا، بتنفيذ شركات صينية في الفترة ما بين 2002 و2009، حيث افتتح السد في نوفمبر 2009. ولا نعلم ما كان من موقف حكومة مبارك ومخابراته[2] من هذا السد وعلى أي اتفاق أنشئ؛ وهو السد الذي يخزن نحو عشرة مليارات متر مكعب من الماء، وينتج حوالي 300 ميجاوات من الكهرباء (ينتج السد العالي حوالي 2100 ميجاوات، وينتج سد النهضة حال اكتماله حوالي 6500 ميجاوات ويخزن 80 مليار متر مكعب من الماء). وإن كان سد تكزة يخزن عشرة مليارات متر مكعب من الماء، فهو يحتجز ما يقترب من 40% من طمي النيل الذي كون وادي النيل بمصر وشرق وشمال السودان. وهذا السد هو ثاني أعلى السدود الإفريقية بعد سد كلكل كيبه الإثيوبي أيضًا على نهر أومو، جنوب غرب إثيوبيا ( 1200 ميجا وات).

ونهر عطبرة ينشأ شمال بحيرة تانا بالهضبة الإثيوبية من عدة أنهر منها نهر تكزه، ثم يفيض إلى شرق السودان في رافدي عطبرة وستيت الصغير الذي يمر بإريتريا، ويلتئم الرافدان عند أعالي عطبرة، في نهر عطبرة الذي يلتئم بالنيل عند مدينة عطبرة السودانية، حوالي 450 كم شمال الخرطوم. ونهر عطبرة هو آخر روافد النيل التئامًا به قبل أن يدخل الأراضي المصرية.

وقد كان للحكومة السودانية خطط لبناء سدين عند ملتقى نهري عطبرة وستيت (أعالي عطبرة) بولاية كسلا لتنمية المنطقة الفقيرة، وزراعة مليون فدان بمشروع وادي حلفا الجديد الزراعي، وقد اكتمل بناء السدين بسعة تخزينية تشمل حوالي 4 مليار متر مكعب من الماء وإنتاج من الكهرباء يقترب من إنتاج سد تكزة، وبدأ أول توربيناته توليد الكهرباء في مارس 2017 بطاقة 80 ميجاوات. وهكذا صار على فرع عطبرة النيلي سدان أحدهما إثيوبي والآخر سوداني، إضافة لخزان خشم القربة على نفس الرافد. ومن المنتظر أن يسهم السدان السودانيان بتنمية هائلة بشرق السودان الفقير؛ زراعةً، وريا، وثروةً سمكية. فكيف أفاد السودان من سد تكزة؟

بغض النظر عن الأضرار المصاحبة لبناء السدود،خصوصًا في أعمق الأخاديد اإفريقية، فإن بناء سد تكزة وبعد أن استكمل تخزين المياه خلفه، صار ضامنا لتدفق المياه في نهر عطبرة في كسلا وشرق السودان طوال العام، خصوصًا في مواسم الجفاف في ظل علاقات متميزة يسودها التعاون بين السودان وإثيوبيا. كما أن التدفق المستمر للمياه، رفع إنتاجية الطاقة بسدي أعالي عطيرة إلى حوالي 320 ميجاوات، بعدما كان المتوقع 200 ميجاوات فقط، ما يضمن إمداد وادي حلفا الجديد بالكهرباء اللازمة للتنمية. ويضاف لذلك زيادة كبيرة بالثروة السمكية بالمنطقة، وفاعلية أكبر لخزان خشم القرية، ومصدرًا دائمًا لري مدينة القضاريف. وبناءً على ذلك، فإن التعاون الإثيوبي-السوداني في هذا المشروع وحده ضمانة لتنمية لا يستهان بها للبلدين، ما يجعل تعاونهما أمرًا طبيعيًا، بل وحتميًا. وهذه التنمية يجب أن تكون محل ترحيب من مصر، في ظل الاستفادة والإدارة المتسقة مع مصالح الجميع. ومن الطبيعي أن يتوقع السودان فوائد أكبر وأعظم من سد النهضة الذي يفوق سد تكزة بمراحل هائلة، ما قد يعود بفوائد مباشرة وهائلة على سد الروصيرص وخزاني سنار وجبل الأولياء على النيل الأزرق.

أما الاستناد على تقوية العلاقات المصرية مع بعض دول حوض النهر كجنوب السودان وأوغندا وإريتريا، لا من أجل تنمية العلاقات والتعاون، ولا من أجل التحالف والتكامل، وإنما من أجل المكايدة السياسية، وإثارة الغيرة، فهو غير ذي جدوى. فمن جانب تنظر دول الحوض لمصر، فيما عدا السودان حتى وقت قريب، نظرة غير ودودة نظرا للتدافع الطبيعي بين دول المنبع والمرور والمصب للنهر، ثم للتجاهل المصري في الحقبتين الساداتية والمباركية. ومن جهة أخرى فإن جل مصالحنا في النيل هي مع السودان وإثيوبيا، مع أهمية العلاقات مع جميع دول النهر. كما أن لهذه الدول أجنداتها الخاصة ومصالح شعوبها التي قد لا تتقاطع مع المصالح المصرية، ما يستوجب التعاون والتنسيق.

كما أن التلويح بالأعمال العسكرية ينطوي على كثير من الحماقة من أي طرف، أولا لبعد المسافات ولقصور الإمكانات، ووعورة الجغرافيا؛ وقد فشلت من قبل محاولات الخديوي إسماعيل في أواسط القرن التاسع عشر، واكتفى الخديوي بإنشاء قواعد عسكرية في إريتريا. والتلويح بعمل عسكري ضد أي من دول الحوض، هو تهديد مباشر لكل السدود على النهر، بما فيها السدود السودانية كذلك، وليست الدول بالسذاجة التي تمرر فيها تهديد كهذا. وهو تهديد كذلك للسد العالي بأسوان الذي يمكن استهدافه كذلك بصواريخ بالستية، إن عجزت الطائرات عن الوصول إليه.

إن بالنهر مصالح إحدى عشر دولة، بعد إضافة إريتريا، سيتعدى تعداد شعوبها المليار نسمة في 2050، ما يستوجب من جميع الدول التفكير والعمل الجاد على الاستفادة من هذا النهر الحيوي. ولو فكرت هذه الدول مجتمعة في الاستفادة مما يضيع من مياه النهر التي تزيد حصيلتها سنويًا كثيرًا على 1000 مليار متر مكعب من الماء، بينما تتناحر حول أقل من  10% من هذه الكمية، لأوجدوا من الحلول ما يضمن الأمان المائي والغذائي لها جميعًا. إن ما يجمع دول الحوض من روابط سياسية وثقافية ودينية وتنموية أكثر بكثير مما يفرقها، لكنها تحتاج الشجاعة الكاملة لتوظيف العلم والتعاون البناء، في إطار من التفاهم على أساس من العدالة والمشاركة في المغنم والمغرم.


[1] أستاذ الرياضيات بكلية العلوم، جامعة القاهرة.

[2] هناك أيضًا سد بيليس الذي أنشأته إثيوبيا على بحيرة تانا بموافقة حكومة مبارك، لتوليد الكهرباء، ثم اتضح بعد افتتاح السد في 2010 أنه يخزن المياه أيضًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد