ظهرت على ساحة التواصل الاجتماعي صور تلك الفتاة التي كانت تمارس ألعاب الأكروبات في المترو، فكانت الجماهير بين مستهجن وراضٍ.

ليست المرة الأولى؛ سبقت هذه الصور، صور لراقصة باليه ترتدي غطاء للرأس (حجاب عرفي) ترقص على كوبري قصر النيل، وسبقتها «إنجي الشاذلي»، التي كانت تتحدث في تقرير للـBBC عن عدم تعارض رقص الباليه مع الحجاب، وسبقتها «ندى علي» و«آية مجدي»، وسبقتها منتقبة سعودية رقصت الباليه بملابس أوسع في جلسه تصوير داخلية، وسبق الجميع المسلمة المحجبة «ستيفاني كورلو» عام 2016.

وكان القاسم المشترك؛ أن جميعهم يرى أن الحجاب لا يتعارض مع الباليه، أما غير المحجبات اللاتي رقصن الباليه في الشارع، والمترو في مصر فأكبر وأكثر. بخلاف فتاة كمال الأجسام المحجبة، وبطلات رفع الأثقال والسباحة المحجبات، اللاتي لا يراهن غالب المجتمع بذات الطريقة، التي يرون بها فتاة باليه المترو المحجبة.

كانت صور «ملك النغي» هي آخر تلك الصور، وصورها مثل غالب حياتنا مرت على فلاتر عدة.

فلتر الحداثيين: الذين يرون بأن الفتاة حرة تفعل ما تريد حتى لو خلعت ملابسها وتعرت، فهي حرية شخصية.

كما لو أن الحرية محصورة في المريد، وليست شيئًا مشتركًا بين المريد والمجتمع الذي يعيش فيه؛ لأن الحرية إن حُصرت في الفرد وحده، لكانت فوضى كبيرة. فهناك من يحب سباق السيارات في الشوارع والمغامرة بالسرعة، وهناك من يحب شرب الخمر والمسكرات بلا حد زمني أو مكاني أو عددي، وهناك من يحب لمس أجزاء من بدن النساء رضيت أم رفضت، فالنساء عنده ورود يجب أن تُشم، وهناك من يحب أن يتعرى في الشارع، وهناك من يحب أن يجامع صديقته أو زوجته على قارعة الطريق، وكل ما ذكرته حدث ويحدث في بلدان يحاول البعض إرساء الحرية الفردية المطلقة فيها.

 

وكان الفلتر الثاني فلتر الإسلام الخالي من القواعد؛ وفيه ترى محجبات وشبابًا يدافعون عن حرية تصرفات تؤكد نصوص الإسلام الحقيقي أنها مرفوضة بدرجة من الدرجات، ولا بد أن يختموا دفاعهم دائمًا بالمقولة الشهيرة «هي معملتش حاجة حرام».

 

والفلتر الثالث فلتر أصحاب المصلحة؛ الذين سيندبون كثيرًا على الفعل، ويندبون أخلاق الإسلام التي ضاعت بين المسلمين، والفحش الذي انتشر، والجهل العميق الذي فشا فينا، رغم أنهم بالأمس كانوا يمارسون دعارة سياسية إرضاء للحاكم والدولار، ولواطًا علميًّا، عندما كيفوا كل بطش ونهب وسرقة ودعارة وانحلال وخيانة تقوم بها الحكومات والحكام بحق الناس والمظلومين والمعدومين، وروجوا لتلك المخدرات الفقهية، التي يريدون بها إماتة العزة والثورة والمحاسبة، وأخذ الحقوق وحب الريادة، والدين الحقيقي في قلوب الناس، ليضمنوا بقاءهم ضمن القطيع المخدر بمخدراتهم، والمطعون بإبر فتاوى نص الليل.

ظهرت فتاة المترو الثانوية الأزهرية «ملك النغي»، سعيدة ومنتشية ومستعرضة لكل مهارة تملكها، ومستخدمة لكل عضلة دربتها لمثل هذه اللحظات، كانت الفتاة تضع على رأسها خمارًا يغطي الشعر، أما باقي الجسد فتغطيه ملابس لا تناسب شروط الحجاب الشرعي، كلما نزلت لأسفل لزوم الأداء، فلكل صنعة أو مهنة أو حرفة لباس يناسبها، لا تُؤَدىَ غالبًا إلا به.

ولست أعترض هنا على رقصها أو استعراضها في المترو، فبعض العناوين جاءت كذلك: محجبة ترقص باليه بمحطة مترو.. وناشطون: «حلوة بس المترو مش مكانك».

وبعض المعترضين على فعلها لمثل هذا في المترو، عندما يجدون أحدًا ما يقوم بالعزف في المترو أو بالغناء أو بغيرها من الاستعراضات الفنية التي ينقسم الناس حول قبولها ورفضها، يلتفون حوله ويصفقون له، ولقد التقطت عدسات الكاميرات مدى سعادة الناس بالشاب الذي ارتدى ملابس «سبايدر مان» واستعرض ذات المهارات الأكروباتية في المترو، فهل اعتراضهم على أن الحدث في المترو وهم الذين قبلوا غيره فيه؟ أم اعتراضهم على أن الفاعل أنثى؟ فلقد قبلوا من قبل ذات الفعل للذكور!

ولست أعترض على ما ارتدته لذلك، وبعض الذين لا يقبلون بكونها محجبة ترتدي «إستريتش»، إن سلمت بأن ما ترتديه حجاب في الأساس، يقبلون على بناتهم وزوجاتهم أكثر من هذا وأشد في المحافل والأفراح والأعياد، بل وحتى في الخروج الطبيعي للشارع، بل وبعضهم لا يرى الحجاب أصلًا، ولا يقبل به من الأساس، ويمنع المحجبات من نواد بعينها، وحفلات بعينها، ووظائف بعينها.

وبعض الذين يتحدثون عن أن هذا مناف للأدب، لا يجدون حرجًا في مشاهدة راقصة شبه عارية تنشر على الناس شعرها، وخاصة أنوثتها بشكل مثير وفاحش، فيصفقون لها ويشيدون بالفن الشرقي الجميل، فالفن ليس حرامًا.

بل اعتراضي على تصريح الفاعلات، والبعض ممن وافق وأيّد، بأن هذا حلال في الشريعة وغير ممنوع.

والحقيقة أننا نعيش حالة من المسوخية أو «الملوخية» بالمعنى الشعبي منذ زمن ليس بالقصير، في أمور الدين والدنيا والسياسة.

حالة عجيبة، خالية من المعرفة، وخالية كذلك من الاعتراف بالجهل، حتى يصير الجهل مركبًا، وخالية من القدرة والشجاعة على الاعتراف بحقيقة ما يريده المرء، فيحاول بعضنا التلفيق بين هواه ودينه، أو بين ما يحبه هو والمبدأ الذي يتعارض تمامًا مع ما يحب، فلا يبقى الدين دينًا ولا المبدأ مبدءًا، وتنتشر بيننا هذه المشوهات والتشوهات الفكرية والنفسية والدينية، والتي تطفح على سطحنا على هيئة زعماء، وقادة، ومفكرين، وأجيال تحمل هذه الفيروسات المشوهة التي تزيدها السلطة والقوة أكثر فأكثر، حتى تصير مسخًا كاملًا يأمر الناس بهواه، ويقتلهم إن خالفوا هواه؛ لأن ما يؤمن بما وما يدين هو مجرد هوى لا أكثر.

وكم وجدنا في أيامنا هذه من يدّعي أن الإسلام ليس ضد اللواط أو السحاق الذي يسمونه مثلية، رغم أن الإسلام حرم اللواط بشكل صريح، واللواط هو اشتهاء الذكور بعضهم لبعض، واكتفاء الذكور بالذكور، فهل يمنع هذا على الذكور ثم يقبله في الإناث؟!

ووجدنا من يدّعي أن الإسلام ليس ضد الرقص الشرقي غير المثير للغرائز -رغم أن كلمة شرقي وغير مثير don’t mix الصراحة-، رغم أن الإسلام جعل للمرأة حدًّ في اللباس وإظهار الزينة، وبالرغم من أنه قد روى عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: كَسَانِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قُبْطِيَّةً كَثِيفَةً كَانَتْ مِمَّا أَهْدَى لَهُ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ، فَكَسَوْتُهَا امْرَأَتِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَا لَكَ لَا تَلْبَسُ الْقُبْطِيَّةَ؟ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَوْتُهَا امْرَأَتِي، فَقَالَ: مُرْهَا أَنْ تَجْعَلَ تَحْتَهَا غِلَالَةً فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تَصِفَ حَجْمَ عِظَامِهَا. (رَوَاهُ أَحْمَدُ).

هذا وهي ترتدي ملابسها وحجابها، فكيف بالخالعات لكل حشمة ولباس؟! إلا أن البعض يروج بين الناس -الذين يشاهدون الراقصات ويستضيفون بعضهن في أفراحهم ومحافلهم-  بأن هذا الدرب من التعري جميل ووسطي، ولا ترفضه الشريعة الإسلامية.

ولو عدنا إلى الباليه المحجب، أو رقص المحجبات للباليه، نجده متمحورًا حول عدة محاور:

المحور الأول خلفية اللفظ؛ فكلمة رقص محترم، أو رقص راقٍ، أو رقص النبلاء، هي ألفاظ كثيرًا ما ترددت، واصطحبت البالية وراقصيه، وهذا يجعل هذه الصورة هي الغالبة عند التفكير في الباليه ورقصاته، والطبيعي أن الإسلام لا يمكن أن يحرم شيئًا محترمًا أو راقيًا أو نبيلًا.

المحور الثاني مفهوم الحجاب؛ فكثير من المحجبات اليوم -حجابًا عرفيًا- لا يعرفن حد الحجاب ولا مطلوبه ولا شروطه، فهن مثلًا يسمعن كلمة أن المحرم هو إظهار العورة، لكن ما تعريف هذه العورة وما هو حدها؟ هذا غائب تمامًا عن الأهل الذين يورثوهن الدين، أو المفترض أن يفعلوا ولا يفعلوا، لغياب الدين ذاته عن الحياة والتعامل والثقافة، والغائب كذلك بين التشدد المفتعل وغير المبرر من جهة تيار يدّعي العلم والمعرفة، وتيار يدّعي الوسطية والبحبوحة.

وربما لمثل هذا بدأت في كتابة كتابي حول الحجاب منذ أكثر من عامين، ذلك الكتاب الذي أحاول فيه توضيح ماهية الحجاب شكلًا وتعاملًا، بعيدًا عن التشدد أو التفسخ أو كلاكيع الاستحسان والاستقباح.

 

المحور الثالث محور التقليد؛ فغياب أصول هذا الحجاب ومطلوبه وشروطه، جعل تقليد الفتيات المحجبات لفتيات غير محجبات في بيئات مختلفة عن تلك البيئة اللاتي يعشن فيها ممكن ومطلوب، خصوصًا حين تكون هذه المقاطع والأخبار منتشرة على مواقع التواصل العالمية، تصحبها الفرحة والإشادة.

 

المحور الرابع محور التكيّف؛ وفي هذا المحور تبدأ الفتاة في تكييف ما تظنه حجابًا، على مقاس الفعل الذي تريد أن تقوم به، تكررًا لتلك التجارب التي سبقتها، وتسعى إلى تقليدها.

 

المحور الخامس البحث عن الذات؛ وفيه يبحث الطالب عن نفسه، ويتخيل نفسه بطلًا بهذا التفرد وهذه الجرأة التي يقدم عليها، مستحضرًا كل كلمات التحفيز الممكنة، وكل الذين قالوا من قبله: رفضنا الناس أولًا، ثم تبعونا، لمّا غلبنا أو ظهرنا.

المحور السادس كسر التابوه؛ فقد أحاطت بحياتنا حقيقة، كثير من التابوهات الفقهية التي يخالفها النص تمامًا، وكثير من التقاليد التي رسمناها بأيدينا في التعامل واللباس والحياة الاجتماعية، جعلت حياتنا معقدة ومركبة بشكل لا داعي له، وهذا يستوجب كسر هذه التابوهات، ولكن هذا يجب أن يسبقه تحديد الفرق بين الدين والتابوه، وتحديد التابوه المراد كسره، وتحديد الوسيلة الصحيحة والتمهيد الصالح لكسره، وهذا يعني أن الكاسر الأول للتابوه سيكون البطل، وكلنا يبحث عن دور البطولة في ظل حياة تملؤها الهزائم، ويقتلها اليأس والتكرار الممل في العبادة والسياسة والعمل.

المحور السابع غياب الدين؛ فالمسلمون منذ قرون قد تبدل دينهم بشكل كبير، فالدين الذي بيننا اليوم، هو دين مختلف تمامًا عن هذا الدين الذي أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم-، فقد بدأ الأمر باستحسان التشدد حتى صار التشدد وسامًا وشارة، ثم لما غُلبنا وفشت فينا مظاهر التفسخ، صار التفسخ وسامًا وشارة، وبين هذا وذاك يبحث المسلمون عن دينهم بين كل هذا الحطام والركام الكبير، الذي أُلقي حجره الأول استحسانًا من المُلقى، فتبعه الناس حتى صارت جبالًا من الاستحسانات التي كيَّفَ لها كل مستحسن دليلًا ومذهبًا، وقل الباحثون عن الحقيقة، والمحققون -بأدوات التحقيق والبحث الصحيحة- في الموجود والمردد والسائد بين الناس والجماهير، مثل ابن حزم والشوكاني مثلًا.

وهذا أورثنا دينًا غريبًا يناقض بعضه بعضًا، وتقاليد بائسة يكسرها الواقع ويهشمها شيئًا فشيئًا، وأناسًا مثل المسوخ، لا إلى الدين انتسبوا، ولا بالكفر صرحوا، ونفسية مهزومة أمام كل جديد أو غالب منتشر.

وكلما حدثت واحدًا ممن أحدثوا بدعًا باطلة سيئة قبيحة في الدين أو السياسة وحياة الناس، أن ما يروجه بين الناس باطلًا وخطرًا، قال لأتباعه متهكمًا: الكلاب تنبح والقافلة تسير.

والحقيقة أن الكلاب تنبح، والقافلة تنبح، وكل شيء ينبح في هذه البلاد، ولا أحد يسير.

ولم ينتشر هذا بيننا إلا بعدما مات الدين فينا -وهو الأصل الذي عليه التقينا-، واستبدل بكل شيء سواه، وصار الجهل به أصلًا وحياة.

وجهل الناس بالشريعة أصولًا وقواعد، يجعل أخذهم منها مشوهًا، وفعلهم فيها باطلًا.

واستمر هذا التشوه فينا حتى عم حياتنا كلها، فتناقضت تناقضًا معوجًا لا جبر له إلا الكسر، ثم اللحام على وضع صحيح، كمن يعذب معتقلًا ثم يصلي بعدها الجمعة كأن شيئًا لم يكن، أو كمن يغتصب معتقلة، ثم يغضب على حرية العقيدة في بورما، أو كمن يذبح ويحرق الأحياء باسم الرب أو كمن يقرأ الفاتحة على طريقة أم كلثوم في أنت عمري، وكمن لا ترى تعارضًا بين الرقص والحجاب، أو بين التعري والإسلام، وكمن يفتتح خطاباته بالحلف بالله وينهيها بالحلف بالله، وبين قسم البدء وقسم النهاية ألف كذبة مزجها بأيمان كاذبة على أمور يعلمها القاصي والداني، ورغم ذلك يشبهه أتباعه بالأنبياء والصالحين، رغم أنه مكتوب بين عينيه «دجال رخيص».

وموت الدين في قلوب الناس، سبقه موت الرب في حياتهم، وموت الرب سبقه هزائم تتالت ودعوات رفعت له، أعقبها مزيدًا من الهزائم، جلبت معاها شكًا عميقًا همّش الدين في القلوب، وأقصى الرب من الحسبان، فلم يبق الشك إلا على بعض المظاهر العامة لذلك الدين، التي تنتهي وتذهب بين الناس يومًا بعد يوم؛ لأن الرابط بين مصدر الدين والناس قد صار ضعيفًا قابلًا للقطع فعبد بعضنا بعضًا، وعبد بعضنا المال، وعبد بعضنا السلطة، ولها قدموا قرابين الخسة والخيانة والدناءة والرجس والنجاسة؛ من أجل الوصول إلى رضا ذلك المعبود.

فهل هناك أحد ما يزال مريدًا لإحياء هذا الدين، بعيدًا عن مذاهب «سي السيد»، وفتاوى «الشيخ ميزو»، وجهالة «محمد سعيد رسلان»؟

 

{وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد