كل عام وأنتم بخير، انتهى موسم الحج، انتهت عبادة كل عام، ومات الشيطان بملايين الجمرات، ورُفِعَت أعمالُكم إلى السماء، وكلكم في الجنة، ونحن إلى النار، ربحتم المليارات وفاضت عليكم الحسنات، منعتم وسمحتم عطفتم وشددتم، وبكت بسببكم عيونٌ في الخلاء، صرفتم المليارات وذبحتم أضاحيكم، وحققتم رؤيا الخليل إبراهيم في ولده إسماعيل، وتحقق معها كابوس المسلمين في كل مكان، في اليمن وسوريا، وعلي كل أرض دقت عليها قدمٌ ذنبها الوحيد أن على نفس دينكم، تحققت مع أضاحيكم مجازر قطعت رقاب مسلمي الروهينجا وملأت دماؤهم كل مكان، وليت أجسادهم وُزعت كالأضاحي فما بقي منهم بات في محرقة النيران، فلا هي باردةً ولا سلامًا على أجسادهم، ودقت معها حقيقة أن الإسلام شعار نرفعه في شيطان يموت كل عام ملايين المرات.

انتهى موسم الحج، وعاد أو يستعد كل حاج للعودة إلى دياره، كيوم ولدتهم أمهم؟ أم عادوا بخفي الزعماء، حجاج بيت الله، ماذا كسبتم؟ كم حققتم من غنائم؟ ربحتم النقود أم أزلتم سيئات جمعتموها قبل رحيلكم، هل كنتم مع الله – سبحانه وتعالى – حقًا؟ أم شغلتكم دنياكم، ونسيتم أن هذا يوم خالقكم، هنأك مارك على زيادة الإعجابات على صفحتك، أصبحت أفضل أصدقائك بآلاف التعليقات عندك، سعدت بالحديث عنك، يا حاج! سعيد أنت بهذه الكلمة، أصبحت نفسيًا أفضل بهذا اللقب، أعيدها عليك مرة ثانية لكي تشعر براحةٍ أفضل، يا حاج!

اقرأ: ما هكذا تفتح يا بني شيبة الكعبة

حرصت على التقاط الصور في كل مكان، رفعت يديك إلى السماء، واتجهت نحو الكعبة، التقطتها دون أن تنتبه بابتسامةٍ خطفت قلب الشيطان، فاضت عيناك بالدموع وملأت المكان هنا وهناك، دعوت الله بما تريد، أم انشلغت بالدعاء للصورة كم تحصل على إعجابات؟ اشتريت الهدايا وتنوعت معك، وزعتها هذه لفلان وهذه لغيره، كتبتم على حوائطكم، لقد حج بيت الله، رقصتم على الأغاني واهتزت أجسامكم، خشعت قلوبكم وزدتم تقى فوق تقاكم، هكذا تسابق حجيج بيت الله.

هذا الشيخ، أو من يحسب نفسه أنه شيخ، لم يرضَ أن يوجه نفسه للكعبة المشرفة وأعطاها ظهره، فقط من أجل أن يقف أمام الكاميرا مسجلًا (بثًا مباشرًا لصفحته)، أظهر وجهه لمتابعيه وظل يدعو لهم: اللهم ارض عن متابعي صفحتي، اللهم أشهدك أن الشباب والبنات والرجال والنساء الموجودين على صفحتي أني أحبهم اللهم أجب دعاءهم، اللهم إني أقسم عليك أن كل من على الصفحة لا يأتي العيد إلا وقد استجبت له دعاءه.

لم نعد في حاجة لنطق الشهادتين لنعلن إسلامنا، ولم نعد في حاجة للصلاة والدعاء، للبكاء والخشوع، للصدقة والصيام، حتى أنتم أهل الصوفية كفوا أنفسكم عن زيارة أضرحتكم والتبرُك بها، فقط وبزرٍ واحد كن من متابعي الشيخ العلامة عمرو خالد، وهو ينيب نفسه عنكم جميعًا بالدعاء، ولتعلم أنك كلما زدت تفاعلًا أصبحت من المقربين.

الحج ليس للرقص والغناء، والفرحة لا تصنع مخالفةً لأحكام الله، هكذا يرقصون في أماكن كثيرة، هي ليست عادة فالعادة لا يجب أن تخالف العبادة، لا يجب أن تنسينا الفرحة والمظاهر أحكام الله في فرائضه، وليكن الحج للحج ليس دون ذلك.

عارياتٌ في رمضان، وفي غير رمضان، راقصاتٌ ويهاجمن الحجاب والاحتشام، وفي الحج لابسات للبيض والغطاء على الرأس، ضحكاتٌ تهتز لها غريزة الإنسان، وعلى عرفة أو بالأحرى أمام الكاميرات الدموع تملأ المكان، لكِ كما شئتِ أن تذهبي لبيت هو ليس بيت لأحد، لكن الحج يرجعكِ كيوم ولادتِك، وليس هو لتجديد النشاط.

بأموالٍ حرام ذهب الحج، لم يؤدِ الحقوق للغير وذهب لحق الله، فليس كل من في الحج ذهب ابتغاء الله، الحج فريضة الله للقادر ليس ماديًا فقط، إنما قدرته النفسية والجسدية، وهو باب التوبة عن كل معصية لا رجعة لها مرة أخرى، لذلك كان الحاج يرجع كيوم ولدته أمه، ليكن الحج بدون هاتف ولا كاميرا، ليكن الحج بدون شيخٍ يدعو لمتابعيه، بدون راقصة ولا مالٍ حرام.

المنظر الذي يدهش العالم، والموقف الذي نشاهده كل عام ونعيش فيه، يشعرك أن الإسلام في قلوب المسلمين سيبقى دائمًا، لكن الشيطان كما وعد ربَه أبى أن يتركنا هكذا؛ فأضاع الحج بهاتفٍ صغير، ولم يعد هو من يموت ملايين المرات، بل نحن من يموت الإسلام بداخلنا، لتكن حاجًا إلى بيت الله، ولست راقصة إلى بيت الله الحرام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد