لا أخفيكم سرًا … أنا لم أكن أحب هذا الشهر المدعو يونيو طيلة حياتي الماضية، فلطالما جاء ينعي إليَّ انطواء سنة أخرى من كتاب العمر لم أستطع أن أُدوِّن بين طيات أيامها أدوما يحملني على حبه، ويشرَع في فتح أخرى ستنقضي يومًا ما فتكون نبأ باقتراب النهاية شيئا فشيئًا، وحين لم نكن نحب يونيو هذا لم يكن كرهًا نهائيا بالضرورة، لكن منذ 30 يونيو من ذاك العام القريب أنا لم أجد في قلبي غير كل البغض الحقيقي والكره له، ذلك التاريخ المشؤوم الذي فقدت فيه العقول صوابها ومحت فيه هوامش العته معادلة الأمل في الحياة التي طالما حلمنا بالحصول على المجهول منها في ظل صعوبة المتغيرات.

الأرقام القياسية في الرقص التي مارسها أصحابها في 30 يونيو و3 يوليو ثم جمعة التفويض الشهيرة .. بعد مرور عامين كاملين لم يتبقَّ لنا منها غير الأرقام فقط، أرقام نحصيها ونعدها على أنغام رقصة واحدة هي أيضا كل ما تبقى لنا وهي رقصة “الموت”، حيث أصبحنا لا ننام إلا على رائحة الدم ولا نستيقظ إلا ومرارة طعمه عالقة في النفوس، ونحن لم نكن يوما من محبي الدماء أو من مبرري القتل ولا نعرفه منهجا أو نراه حلا نهائيا لأي طرف كان أو منظومة أو حزب – اللهم فاشهد –.

اغتيال
إتاحة حقها في التعبير؛ أودى بكثير من الأنظمة إلى هاوية الاغتيالات التي ربما طالت أكبر الرؤوس في تلك الأنظمة والأمثلة لا تحصى في ذلك، ربما رأس السادات ليست عنكم ببعيد مع اختلاف معطيات المرحلة والأسباب .. والاتفاق على تفضيل الزي العسكري والحنين له في بعض الأوقات، ومع اغتيال النائب العام المصري هشام بركات المعروف بمقنن فض اعتصامي رابعة والنهضة ومقررهما قانونيا باعتبارية منصبه؛ تدق الأجراس إيذانا ربما بدخولنا تلك المرحلة التي تُؤرق العيش وإن كان هانئا لأي نظام أو دولة .. فما بالكم باللادولة؟! لكن يبدوا أن كل ما يحدث يصير بديهيا حدوثه لدى السلطة أيضا ولا يستدعيها للكثير من المفاجأة أو حتى إظهارها تذاكيا حتى لا يتم اتهامها بأن لها شأن في ذلك؛ “اللي حصل ده إحنا كنا عارفين إنه هيحصل وكنا مستعدين! وخلي بالكو يا مصريين اللي بيحصل ده أمر مش جديد علينا ومش هيبقى جديد بعد كده”.

سيناء على صفيح ساخن
الوضع في سيناء لا يقل حدة ولا التهابا عن الأوضاع في أي مكان من القطر المصري منذ 30 يونيو، وتكرارا للمشهد للمرة التي يصعب إحصاؤها؛ استشهاد العشرات من الجنود جراء هجمات متفرقة شنتها ولاية سيناء التابعة لتنظيم الدولة الاسلامية المعروف بـ”داعش” على عدد من الأكمنة للجيش هناك، وبنفس صعوبة إحصاء كم مرة حدث مثل هذا الهجوم كان من الصعب أيضا إحصاء عدد الشهداء؛ والأرقام أيضا هي ما تبقى لنا حيث جاء الخبر يفيد بأن عدد القتلى 30 وربما وصل إلى 70 في بعض المصادر إلا أن في بيان القوات المسلحة أعلن أن العدد 17 جنديًا فقط وأن القوات المسلحة قتلت ما يتجاوز الـ100 من العناصر الإرهابية وكأن أرقام الموتى في هذا البلد أصبحت أمتع الألعاب وأفخر أنواع الإلهاء؛ إلا أن بيان ولاية سيناء كان الأكثر موضوعية في نظرة أغلب رواد مواقع التواصل الاجتماعي حيث أنه اعترف بما حققه من نصر لحسابه وما طاله من هزيمة بعكس بيان القوات المسلحة، ليبقى الوضع على ما هو عليه دونما يفسر لنا أحد: من الذي يَقتل ومن الذي يُقتل في سيناء؟!

مسلسل تصفية الإخوان والمعارضة المستمر
يبدوا أن قوات الأمن لم تستطع أن ترد هناك في ساحة المعركة ضد الإرهاب في سيناء فجاء ردها السريع هنا في الجيزة وفي نفس اليوم بعد مقتل جنودنا على أرض سيناء؛ حيث تم تصفية 9 من قيادات الإخوان المسلمين كانوا في اجتماع ضمن لجنة لإعاشة أسر الشهداء والمعتقلين في شقة بـ6 أكتوبر عنونت على إثرها الصحف التابعة للدولة “قوات الأمن تثأر لجنودنا في سيناء”، ثم قيام قوات الأمن بتصفية القيادي ورجل الاعمال الإخواني طارق خليل بعد أسبوعين من الاعتقال في حادثة أصبحت متكررة للتصفية داخل السجون ، وفي إحياء ذكرى انقلاب 3 يوليو وقع أحمد محمود 17 سنة شهيدا في المعادي برصاص قوات الأمن وكذلك الشاب أنس رمضان محمد في مدينة السادات بالمنوفية، ناهيك عن أكثر من 40 ألف معتقل مازالوا وراء القضبان منذ ما يزيد عن عامين وكل تهمتهم أنهم أحرار، أي سيريالية ولا واقعية أصبحنا نحتاج إلى اللامبالاة للقفز عليها كي نواصل حتى عد وإحصاء أرقام تكون لنا محرضا على استعادة ثورة سلبت ونحن نرقص على أطلالها.

اللهم كما أجبت دعوتنا وأخرجتنا من هذه القرية؛ فاللهم ثبت قلوبنا على حبها وثبتنا على الحق وانصرنا على القوم الظالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد