لقد كنتُ أرد نفسى بنفسي عن الكتابة عن الرئيس الراحل محمد أنور السادات؛ وذلك لأن لي موقف مسبق من الرجل ومن عصره، وذلك يحول دون الكتابة الأمينة عن الرجل، وكنت اُذكر نفسى بالقاعدة التاريخية أن:

من يعيش الحوادث هم آخر من يصلح لتأريخها؛ لأن معايشة هؤلاء للحوادث تعطيهم على الرغم منهم دورًا، والدور عادةً لا يقوم إلا على موقف، والموقف بالطبيعة اقتناع، والاقتناع بالضرورة رأى، والرأي في جوهره اختيار، والاختيار في جوهره انحياز، والانحياز تناقض مع الحياد، والحياد هو المطلب الأول في أي حكم تاريخي.

وعدت وقلت لنفسي ومن قال إنى أكتب في التاريخ؟ فأنا لستُ مؤرخًا، ولكني أكتب رأيًا سياسيًا يُعبر عن شخصي وثقافتي واتجاهي ورؤيتي، وهو مثل كل رأى يحتمل الصواب كما يحتمل الخطأ، كما أن كل رأى بمثابة اجتهاد ـ فإن أصاب كان له أجران، وإن أخطأ فله أجر المجتهد (كما قال الإمام على كرم الله وجهه).

ثم من قال إن مرحلة الرئيس أنور السادات، أو جمال عبد الناصر هي كتابة في التاريخ، بل هي في رأيي كتابة في جوهر السياسة. وتذكرت حوار جرى بين جنرال فرنسا العظيم شارل ديجول، وقائد الثورة الصينية الفذ ماو تسي تونج في ذلك اللقاء النادر بينهم أراد ديجول أن يُحدث ماو عن تاريخ الثورة الفرنسية، ولحظتها قاطعه ماو تسي تونج وقال له:

عزيزي الجنرال شارل من الصعب أن تتحدث عن الثورة الفرنسية كتاريخ لأن عُمرها لا يزيد عن 200 عام فقط!

ولعل الناظر اليوم سيجد أن اختيارات المنطقة العربية كلها تدور وتتصارع حول رؤيتي الرجلين «جمال عبد الناصر، أم محمد أنور السادات؟ الاستقلال أم التبعية؟ الشرق أم الغرب؟ التصنيع أم الانفتاح السداح المداح؟ القومية المنفتحة أم الوطنية المنغلقة؟ الاقتصاد الموجه أم النهب المنظم؟ عبدالحليم حافظ أم أحمد عدوية؟ الأطلال وقارئة الفنجان أم السح الدح امبو والطشت قال لي؟» وما شجعني على الكتابة هو مرور 100 عام على ميلاد الرئيس السادات وتكريم النظام المصري الرسمي والأمريكي له والحفاوة في الاحتفال بذكراه، ومن بعدها مرور 42 عامًا على أحداث 18، 19 يناير (كانون الثاني) 1977؛ ما اصطُلح على تسميتها بالانتفاضة الشعبية، والتي وصفها الرئيس السادات وقتها بانتفاضة الحرامية.

وأخيرًا فإن مراجع المقال مذكورة في نهاية المقال.

(1) احذر.. إنهم وراءك.. نحو إعداد البديل!


كان النظام الثوري الناصري في مصر عند منتصف الستينات قد قضى في الحكم 15 عامًا، وكانت الآمال والطموحات والأحلام قد ألقت عليه أعباء ثقيلة في مجالات التنمية نهض بمسؤوليتها على نحو استحق تقدير العالم حتى أن البنك الدولي (في تقريره يوم 5 يناير 1980) اعتبر تجربة التنمية المصرية نموذجًا يُشار إليه في العالم الثالث، لأنه ما بين 1957 إلى 1967 المصرية حقق نسبة في النمو متوسطها 7.6 بدون اعتماد على مساعدات خارجية، وكان في مجال التحول الاجتماعي قد تمكن من تغيير الخريطة الطبقية لمصر سواء في إعادة التوزيع أو تكافؤ الفرص الذى عبرت عنه مجانية التعليم حتى المرحلة الجامعية، مع ملاحظة أن التعليم في البلدان النامية هو أكبر وسائل الصعود الاجتماعي. ورغم تلك النجاحات فإن أثار الإجهاد بدأ يظهر على الخُطا!

ولم يكن ذلك كله يوافق عليه الاستعمار العالمي وعلى رأسه الولايات المتحدة. وقد تأكد عبد الناصر من ذلك بعد مقابلته للسيد ذو الفقار على بوتو (كان وزيرًا للخارجية الباكستانية، ومن بعد رئيس لجمهورية الباكستان، وهو والد السيدة بنظير بوتو رئيسة وزراء الباكستان الأسبق). وفى ذلك اللقاء في يوليو (1966) فتح بوتو قلبه وعقله لناصر وكان أبرز ما قاله:

إنى شعرت أن من واجبي أن أجيء اليك لأضع تحت تصرفك بعض ما أعرفه عن الأوضاع التي سوف تؤثر في مصائر كل المعتقدين بإمكانية الحرية والتنمية في آسيا وأفريقيا.

وأضاف بوتو: إني أرجوك أن تسمع مني لأني أشعر أن من واجبي أن أتحدث إليك بصراحة، خصوصًا أن ما أريد أن أتحدث فيه هو نفسه في إطار مخاوفي، ومعرض لخطر شديد. واستطرد بوتو، وقد ارتفعت نبرة صوته:

أرجوك أن تعرف أنهم خارجون لاصطيادك يا سيدى !They are out to get sir

وكان جمال عبد الناصر يسمع باهتمام وتركيز، وقال بوتو:

إن السياسة الأمريكية قد بدأت تدخل في مرحلة نشيطة في آسيا وأفريقيا، وقد أخذت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية توجيهات من الرئيس جونسون شخصيًا باتباع سياسة هجومية في كل مكان، وغم مأزقهم العسكري في فيتنام فقد أصبحوا يعتقدون أن الموقف الدولي ملائم، فهناك من وجهة نظرهم فرصة سانحة في أكثر من موقع من العالم.

ولقد ترسب لدى شعور بأنهم قرروا أنهم يستطيعون مواصلة هدفين في نفس الوقت: تحقيق انتصار عسكري في فيتنام، وتحقيق انتصارات سياسية في أي مكان يهمهم من العالم الثالث وحيث يشعرون إن مصالحهم مهددة من قبل أي حركات سياسية أو زعامات لها وضع خاص، والأسلوب الذى قرروه لذلك هو أسلوب الاعتماد على طرف محلى يساعدونه بكل الوسائل الظاهرة والخفية، ويحقق لهم بالوكالة ما يطلبونه لأنفسهم.

وكان جمال عبد الناصر يسمع باهتمام. وواصل بوتو حديثه، فشرح الضغوط الأمريكية لمساعدة إنشاء المؤتمر الإسلامي كبديل لحركة القومية العربية، وقال إننا كنا نسمع عن فكرة مؤتمر إسلامي يشجعه الملك فيصل ومعه عدد من أصدقائه بينهم شاه إيران. وقد كنت في اجتماع للوزراء خارجية الحلف المركزي في إسطنبول حينما جاءنا أول إعلان عن إقامة المؤتمر، وكان راسك (وزير الخارجية الأمريكي وقتها) متحمسًا للفكرة، وقد تحدث محبذًا لها مع الأتراك ومع الإيرانيين ومعي. ولاحظت أنه لم يكن قادرًا على كتم مشاعره، فقد قال في حضوري لوزير خارجية تركيا: إن هذا العمل هو الشيء الوحيد الذى يمكن أن ينجح في محاصرة نفوذ مصر.

وكان جمال عبد الناصر ما زال يتابع حديث بوتو الذى أضاف:

لقد كان علي بعد ذلك أن أذهب إلى إيران، وهناك قابلت الشاه، وعرضت عليه مخاوفي، وقد وافقنى على بعضها وقال لي:

إنهم إذا كانوا يقيمون مثل هذا الحلف لمواجهة ناصر، وحصر نفوذه، فإنهم لن ينجحوا، فأنت تعرف هؤلاء العرب كما أعرفهم أنا. وهم لا يستطيعون أن يواصلوا معركة إلى النهاية. وسوف تجدهم يتوقفون قبل نهاية الطريق، وإذا كان ضروري تحقيق الهدف الذى يتحدثون عنه، فلابد من إيجاد وسائل أخرى لتنفيذه، وليس ضروريًا أن تكون هذه الوسائل عربية، بل إنه من الضروري لنجاحها أن لا تكون عربية.

ومضى الحوار يتدفق، وقال ناصر لبوتو: إنه (أي بوتو) لا زال شابًا ومستقبله لا زال أمامه.

وهنا رد بوتو على ناصر بتعبير له معنى ودلالة فقد قال: ولكنهم لن يتركوني، ولا أعتقد أن هدفهم إخراجى من الوزارة فقط، وإنما هدفهم هو تصفيتي تمامًا، فتلك هي سياستهم مع أي شخص لا يطيعهم في 101% من طلباتهم.

ثم عاد بوتو لمواصلة حديثه فقال لناصر: إن مشكلتي الشخصية مؤجلة، ولكن ما يقلقني هو موقفكم أنتم، واستوضحه جمال عبد الناصر متسائلًا: تقصد موقف مصر؟ ورد بوتو على الفور: بل أقصدك أنت شخصيًا، ثم صمت وقال: وما يحيرني هو كيف يمكن أن يتصرفوا معك؟ لقد استطاعوا أن ينالوا من سوكارنو؛ لأن سوكارنو كشف نفسه أمامهم بتصرفاته الشخصية.

ثم توجه بوتو إلى عبد الناصر بسؤال: هل تذكر يوم مررنا بالقاهرة قبل الموعد المقرر لمؤتمر القمة الآسيوي الأفريقي، وجئت أنت لاستقباله، وكنا واقفين على باب فندق هيلتون، وكانت معه فتاة أمريكية جميلة قدمها لك بوصفها صحافية أمريكية؟ وتذكر عبد الناصر الواقعة.

وواصل بوتو كلامه قائلًا: لم تكن صحافية، فعندما ذهبت إلى إندونيسيا بعدها وجدتها هناك. وكنت واثقًا أنها عميلة لوكالة المخابرات المركزية (C I A) دسوها عليه. كانوا يعرفون أن الجمال هو ضعفه الشديد، وأنا واثق أيضًا أنهم هم الذين دسوا عليه زوجته اليابانية التي استطاعت أن تستولى عليه بالكامل.

لقد كنت وأنا وزير خارجية أتلقى تقارير من سفيرنا في جاكرتا تقول إن زوجته: راتونا سارى ديو تسهر كل ليلة في السفارة الأمريكية بحجة لعب البريدج مع السفير وأصدقائه، وحين ذهب الرئيس أيوب خان (رئيس باكستان وقتها) جاءت هي لمقابلته وطلبت منه أن ينصح سوكارنو بالتعاون مع الأمريكيين، وإلا فإنهم قادرون على الإضرار به.

  • وبعدها وقعت ضربة 1967، وأحدثت الضربة شرخًا في البنيان الوطني المصري امتد أثره إلى التركيبة القومية. وفى لحظة واحدة ظهر البطل القومي (جمال عبد الناصر) رجُلًا جريحًا، وخرجت جموع الشعب المصري وجموع الأمة كلها يومي 9، 10 يونيو (حزيران) تؤيده رغم الهزيمة، وتَطلُب منه البقاء لمواجهة آثارها بعد أن خطر له أن يُخلي موقعه لغيره، وكان ذلك نوعًا من الدواء لجرحه، وراح الرجل من بعدها يعمل كما لم يعمل من قبل في حياته، وهو يدرك أن استعادة الثقة بما هو ممكن إلى آخر حدود الممكن تفرض عليه تضحيات عالية في الاحتمال وفى القدرة على الصبر، وفي ترويض المشاعر، بما فيها الكبرياء.

وفي مؤتمر القمة العربي بالخرطوم 1968 حدث تضميد لبعض جراح البطل، حيثُ حدث ما لم يكن متوقعًا. خرجت الجماهير السودانية عن بكرة أبيها مستقبلة البطل المهزوم! لدرجة دفعت جريدة (النيوزويك) أن تكتُب متعجبة على غلافها (هذه أول مرة يقابل المهزوم بأكاليل الغار من جماهير أمته).

  • والغريب أنه بعد نكسة يونيو 67 ناقش الزعيم جمال عبد الناصر ما قاله بوتو له مع عدد من المسئولين، ومن بينهم السيد حسين الشافعي، والأستاذ محمد حسنين هيكل، والسيد محمد أنور السادات (رئيس مجلس الأمة وقتها)، قال السادات للزعيم عبد الناصر:

إني أرثي لما سيأتي بعدك يا (معلم)، هكذا كان السادات يُنادي عبد الناصر، ثم استطرد أنور السادات يقول: ومن هذا الذي يستطيع أن يأتي بعدك؟ إنك جعلتها مسألة صعبة جدًا لمن سيخلفك لا سمح الله!، ماذا تركت له لكي يفعل؟ لقد طردت الملك والإنجليز، وبنيت السد العالي، وحققت إرادة الوحدة العربية، وغيرت وجه مصر كُلها. إنني أرثي لهذا الرجل المسكين بصرف النظر عمن يكون.

ورد جمال عبد الناصر قائلًا:

هل تتصور أن الأمريكان سوف يتركون مصر في حالها عندما أذهب؟ لا تتصور لحظة أن ذلك يمكن أن يحدث، ثم استطرد عبد الناصر بصوت تلوح منه نبرة شجن: ومن يدرى أنهم لا يقومون الآن بإعداد رجل مثل سوهارتو (الذى انقلب على سوكارنو) في مكان ما من صفوف الجيش.

ومن الغريب أن أنور السادات رد على ناصر بقوله:

لو أن أحدًا دلني على مثل هذا الرجل، وأين هو لقطمت رقبته بيدي هاتين!


  • ولم يكن جمال عبد الناصر جاهلًا بما يعانيه المواطن المصري من صعاب بعد تلك الرحلة الطويلة والمهام الشاقة معه، لكنه على نحو ما كان يتصور أنه ليس أمامه إلا أن يتحرك بأسرع ما يمكن. وكان تعبيره عن ذلك في اجتماع عقده مع المهندس (صدقي سليمان). حينما كلفه بتشكيل الوزارة بعد نجاحه على رأس جهازه في بناء السد العالي في الموعد المقرر له تمامًا، فقد قال له في جلسة التكليف التي عقدها معه يوم 9 سبتمبر (أيلول) 1966:

إن الناس عرفوك في تجربة السد العالي على أساس أنك رجل قادر على الإنجاز، وهذا بالضبط ما أريده منك.

ثم استطرد جمال عبد الناصر يقول:

إنني أعرف أن الناس يلهثون بعد مشوار طويل، ولكننا لا يجب أن نتوقف، وإنما يجب علينا أن نستمر حتى نخلق حقائق يصعب على أحد أن يتراجع عنها في زمن قادم. إن الأعمار بيد الله، وأنا لا أعرف متى يحين أجلي، ولا أعرف من سيأتي بعدنا؟ ولهذا فإن علينا أن نبني بسرعة لكي نجعل الرجوع إلى الوراء صعبًا إذا جاء من يحاوله!

  • وفى 28 سبتمبر 1970 رحل البطل حيث خذله قلبه، ولم تخذله إرادته، وكان الناس في ذهول أمام مشهد الرحيل المفاجئ والحزين، ولم يكن في مقدورهم غير أن يجعلوا نعشه قاربًا يسبح في نهر من الدموع.

(2) رؤية السادات وبداية حكم الثورة المضادة


وحينما توفى عبد الناصر وجاء السادات برؤية واتجاه مختلف، فالسادات كان يشعر ومنذ استطاع أن يحسم لصالحه صراعه مع من سماهم مراكز القوة والسلطة في 15 مايو (أيار) 1971، أنه لا يستطيع أن يعتمد على نفس القواعد الاجتماعية التي حاول عبد الناصر أن يبنيها أثناء تجربته الاقتصادية الاجتماعية في مصر. وكانت هذه القواعد تطمح إلى قاعدة من تحالف بين الفلاحين والعمال والمثقفين والرأسمالية الوطنية والجنود.

وكان أنور السادات قد راح يعتقد أن هذه القواعد ليست صالحة لعهده الجديد. ومن ناحية ثانية فقد كان تصوره أن دور الرأسمالية الوطنية محصور أكثر من اللازم، وبالتالي فإن من الضروري إغراءها على أن تخرج من عزلتها (المفروضة عليها أو باختيارها لا يهم)، وهكذا فقد راح يسعى منذ وقت مبكر من رئاسته إلى نوع من الانفتاح، وكان تعبيره الأثير في ذلك الوقت:

أنه يريد أن تخرج الأموال من تحت البلاطة، وتجرى في أيدى الناس، كما أنه يريد أن تخرج المجوهرات المحبوسة في ظلام الخزائن وتضوي معلقة على الصدور، مدلاة من الآذان، أو محيطة بالمعاصم والأصابع دون خوف ودون حرج.

ولكن الأخطر هو ما ترتب على لقائه بهنري كيسنجر في لقائهم الأول أثناء محادثات فض الاشتباك بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) فى 6 نوفمبر (تشرين الثاني) 1973.

(3) هنرى كيسنجر.. الرقص مع الثعالب!

وحسب ما كشفه الأستاذ محمد حسنين هيكل في كتابه: (مبارك وزمانه من المنصة إلى الميدان) فإن هنري كيسنجر بعد مقابلته الأولى للسادات في 1974 قال: إن الرئيس «السادات» توصل إلى قناعات نهائية في قراءته لشكل المستقبل في مصر وهو مقتنع كل الاقتناع بموجباتها وقد طرح وجهة نظره فيها بطريقة قاطعة:

  • إن المستقبل لأمريكا، وهو يريد أن تكون مصر في هذا المستقبل مع أمريكا، وليس مع غيرها.
  • إنه ترتيبًا على ذلك فإنه سوف يتخذ في سياساته الدولية والعربية منهجًا يختلف عما جرت عليه السياسة المصرية من قبل.
  • ثم إنه وبمقتضى اختياراته بعد حرب أكتوبر على استعداد من الآن للتحرك نحو سياساته الجديدة وحده، دون انتظار بقية العالم العربي، ثم إنه سوف يصطف مع الولايات المتحدة في مواجهة السوفيت.
  • وهو بالتوازي مع ذلك يعتبر أن حرب أكتوبر 1973 ضد إسرائيل، هي آخر حروب مصر معها، وذلك سوف يجرى اعتماده وإعلانه تأكيدًا نهائيًا للسياسات الجديدة.
  • وبالإضافة إلى ذلك، فإن تصوره للتطور الاجتماعي المصري سوف يختلف عن تصورات سلفه، عن يقين لديه بأن متغيرات العالم تثبت أن المستقبل للرأسمالية.

خطة كيسنجر للأمن والتأمين التي عرضت على السادات

ولأول وهلة تبدَّى « لكيسنجر» أن تلك سياسات تتجاوز الحقائق الراهنة في مصر، وربما تتصادم معها، وساوره الشك في قدرة الرئيس «السادات» عليها.

وعرض «كيسنجر» في هذا الاجتماع الثاني على الرئيس «السادات» خطة أمن وتأمين يتم تنفيذها على ثلاثة محاور:

المحور الأول

الأمن الشخصي للرئيس، وهو يقتضى إعادة تنظيم حراسة أماكن إقامته فى أي مكان وأي وقت.

المحور الثاني

والأمن الإقليمي للدولة في حركتها على الخطوط الاستراتيجية الجديدة، وهى تشمل عنصرين:

الأول- أن يكون «البلد» THE COUNTRY تحت مظلة منظومة الدفاع الإقليمي الذى تشرف عليه القيادة المركزية الأمريكية المكلفة بالدفاع عن الشرق الأوسط.

الثاني- أن تتواكب مع هذه المظلة العسكرية، مظلة أمنية هي شبكة المخابرات الكبرى في المنطقة، التي تتلاقى في إطارها جهود الوكالتين الرئيستين وهما:

  • وكالة المخابرات المركزية الأمريكية العاملة مع مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض.
  • ثم وكالة الأمن الوطني العاملة في إطاره وزارة الدفاع الأمريكية وهي وكالة N.S.A NATIONAL SECURITY AGENCY، وكذلك يكون الغطاء شاملًا مدنيًا وعسكريًا عابرًا للحدود بين الدول، نافذًا إلى العمق داخل هذه الدول!

المحور الثالث

وبعد الأمن الشخصي للرئيس والأمن الإقليمي للدولة يجيء الدور ثالثًا في خطة «كيسنجر» على الأمن الاجتماعي للنظام، وهو الآن يقتضى إعادة الهندسة الاجتماعية وخلق طبقات جديدة تسند التوجهات الجديدة بأسرع ما يمكن.

كانت تفاصيل ذلك البند في خطة الأمن والتأمين اجتماعيًا واقتصاديًا، وكذلك فكريًا وثقافيًا.

والحقيقة أن الظروف كانت تفتح الأبواب واسعة لهذا البند، ذلك أنه على الطريق إلى أكتوبر وكذلك بعد المعركة بدا واضحًا أن هناك مستجدات وضرورات لابد على نحو ما من التوافق معها، وكانت هذه المستجدات علمية واقتصادية واجتماعية هبت رياحها على مصر، وتوافقت معها فوائض ثروات من قفزة أسعار البترول أشاعت جوًا من التوقعات تفاعلت بين المستجدات والتطلعات، ونشأ بالتالي مناخ مستعد ومهيأ لكل شيء وأي شيء، ولأن الظروف تستدعي الرجال، فقد كانت تلك هي اللحظة التي ظهر فيها رجال مثل المهندس «عثمان أحمد عثمان» بالقُرب من الرئيس «السادات»، مبشرين بالمنطق «العملي» و«الواقعى» دون «أحلام أو خيالات»! (انتهى الاقتباس).

ولعل عملية تطويع العقل المصري خاصةً والعربي عامةً بحاجة إلى وقفة فهناك دراسة صادرة عن جامعة ميتشجان بعنوان أساليب صياغة العقول لعدد من الباحثين وتقول الدراسة:

إنه توافق مع ذلك كله عملية أكثر خطورة، وهى عملية تطويع العقل العربي لقبول فكرة السلام مع إسرائيل، وعلى أساس الأمر الواقع:

  • كان كيسنجر يومها يتحدث هو الآخر عن نظام عالمي جديد، وأحس كثيرون من المفكرين المصريين والعرب أن هناك شيئًا جديدًا في العالم، وكان بينهم من تنبه إلى ذلك فعلًا من منتصف الستينات، ولكن التطورات التي دهمت الجميع قبل وبعد حرب أكتوبر أيقظت النيام على هزة وهرعوا على غير استعداد يستطلعون الأحوال، وفي ذلك الوقت المبكر لم يحدث تشخيص دقيق لهذا الجديد الذي يتغير في العالم.
  • وكانت هناك قوى كثيرة جاهزة لتدبير برامج وبنود رحلة الفكر المصري والعربي إلى عالم جديد لا يعرفونه.
  • وفي عام 1974 دُعي مفكرون ومثقفون عرب إلى ما يزيد عن 600 ندوة ولقاء فكري في أمريكا وأوروبا، وكانت الندوات عن النظام العالمي الجديد. أو عن العلاقات بين الشرق والغرب، أو أزمة الصراع العربي الإسرائيلي، أو عن التعاون في حوض البحر الأبيض المتوسط، وعن مئات الموضوعات الأخرى.
  • وظهرت فجأة عشرات المؤسسات والمنظمات التي تولت أمر الرحلة الفكرية أو السياحة الفكرية لقادة الرأي العام العربي أو من يفترض أنهم كذلك، وكان نشاطها أشبه ما يكون بنشاط شركات السياحة التقليدية وإن اختلف المجال وبدلًا عن أن يزور السياح قصر فرساي وبرج لندن وكنيسة سان بيترو واستديوهات هوليود اتجهت قوافلهم إلى جامعات ومراكز بحث وشركات مؤتمرات وجدت ممولين لأنشطة ليست بعيدة عن اهتماماتها.

(وظهر من وثائق لجنة تشيرش المنشئة من قبل الكونجرس الأمريكي أن كل تلك الأنشطة منظمة وممولة من قبل المخابرات المركزية الأمريكية وللحق والإنصاف فإن بعض التمويل عربي خليجي سعودي في المقدمة!).

  • المؤتمرات الدولية اتخذتها الأجهزة المخابراتية وسيلة لتطويع الفكر العربي وكانت تذاكر السفر جاهزة، والغرف في الفنادق محجوزة، وأوراق العمل تُغطي شيئًا أشبه ما يكون بالألغام المعبأة بغازات الأعصاب. وفي البداية كان هناك مشاركون إسرائيليون من أحزاب السلام، ثم مشاركون إسرائيليون عن الأحزاب الحاكمة. وراحت الثلوج تذوب قطرة بعد قطرة! (انتهى الاقتباس من الدراسة).

كان تطويع الفكر المصري والعربي يسير على قدم وساقين وليس ساقًا واحدة! كانت تلك المعركة من أهم المعارك في التمهيد للتسوية، ولم يكن مُهمًا أن يجيء السلام، وإنما كان المهم أن تتهاوى بعض القيود التي كانت تفرضها مُحرمات الأمة.

  • وأخيرًا زاد على الصورة أن بعض المقربين من الرئيس المؤمن (السادات) خطر لهم أن لديهم ما يمكن استغلاله في تسهيل مرور تحولات واسعة في نفوس الناس وفى مجموعة ما استقر في وعيهم من قيم (بالذات في المجال الاجتماعي).
  • وكانت البداية عملية تشجيع للتيارات الدينية بين الشباب، قُصد لها أن تتركز في الجامعات بين الشباب لكي تُقدم أفكارًا أخرى، وبذلك يمكن أن يخف ضغط الشباب على العمل السياسي وقراراته. وكانت النتيجة على أرض الواقع أن اتجاهات فكرية دخلت في صدام مع اتجاهات أخرى، ثم خرج الأمر عن نطاق صدام الأفكار، وإذا هو يصل إلى اشتباكات بالأيدي وبجنازير الحديد وبالسلاح الأبيض داخل حرم الجامعة. (وهو ما انتهى بتلك التيارات بقتل السادات نفسه، وبيد أحد من ضباطه ووسط جيشه، فى يومه الأثير 6 أكتوبر 1981.

  • وبالتوازي مع ذلك بدأت المؤسسة الدينية الرسمية تُستخدم ضد المُثل العليا للإسلام، وبينها مثل (المساواة) ومثل (العدل الاجتماعي) وكان الانقضاض على الماضي دون حدود. ولم يكن مُتصورًا أن تقوم عوازل بين بعض الماضي وبعضه، ولم يكن في مقدور المؤسسة الدينية المصرية الرسمية أن تختار على مزاجها وتستبقى على هواها. وبدلًا من أن تُجرى مُراجعة الماضي بمعيار أنه حيثُ تكون مصلحة الناس فهناك شرع الله على حد التعبير المأثور عن الإمام الشاطبي.
  • والذي حدث أن مراجعة الماضي جرت بالنصوص الخارجة عن سياقها في الدعوة وفي التاريخ حتى وصل الأمر بقمة المؤسسة الدينية في مصر (الأزهر) أن تُفتي بأن السلام مع إسرائيل حلال بغير تحرز وبغير شروط وبغير إضافة في النهاية بأن الله أعلم!

وهكذا حدثت الانقلابات والتحولات والتراجعات والتغيرات، بل الانهيارات الكبرى في الاستراتيجية المصرية مع الرئيس المؤمن (مُحمد بن أنور السادات!) وإلى المحروسة وقتها!

كان السادات يقول إنه يريد السلام.. فهل تحقق السلام؟
وكان السادات يقول إن السلام سيجلب الرخاء.. فهل تحق الرخاء؟
وكان السادات يقول أن السلام سيجلب معه الديموقراطية بديلًا عن الديكتاتورية.. فهل نحن نعيش اليوم في ظل نظام ديموقراطي حقيقي؟
وكان.. وكان.. وكان.. ولكن السؤال هل أصبح ما كان يقوله عن أحلام ثبُت أنها لم تكن سوى مجرد أوهام في رأسه وحده واقعًا متحققًا على أرض الواقع؟ وهذا ما أدع الإجابة عليه للقارئ وحده.

ومن يومها، من السادات لمبارك حتى تلميذ السادات النجيب عبد الفتاح السيسي، لا زال المشهد يتكرر بصورة أردء وأسواء وبثمن أفدح على القلب والعقل والصورة المصرية.

وأخيرًا تركتُ قلمي من شدة الإرهاق (الفكري والنفسي) وأطلقت زفرة اختلط فيها الغضب بالأسى، وتذكرت بيت الشعر القائل:

لعمرك ما ضاقت بلادٌ بأهلها … ولكن أحلامُ الرجالِ تضيقُ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد