تُعدّ الحربُ من أهمّ الموضوعات التي ألهمتِ الإنسان منذُ عرف الكتابة. فملحمة جلجامش من بلاد الرافدين تصوّر معارك الملك مع مُختلف الآلهة، وفي الكتاب المُقدس العبري (العهد القديم) يظهر يهوه وهو يقود شعبهُ اليهودي في المعارك، وكانت الحرب أيضًا الموضوع الأساسي للملحمة الهنديّة الشهيرة (ماها بهاراتا) كما كانت حاضرةً في الأعمال الأدبيّة الحديثة، ففي أهمّ مسرحيّات شكسبير مثل: ماكبث أو هنري الخامس كانت الحرب موضوعها الرئيسيّ. وكانت تصوّر مقترنة بصفاتٍ مثل المجد والشّجاعة والشّرف، وخلافًا لذلك اقترنت الحرب في الأعمال الأدبيّة في القرنين العشرين والحادي والعشرين بالخراب والدّمار، والحرب الأهليّة. فقد أخرج لنا أدبُ الحرب في الأدب الألمانيّ واليابانيّ شخصيات قصصيّة وروائيّة تصوّر هذا الجحيم الفظيع، مما خلفت الحرب العالميّة الثانية، حتّى لحق بهم أعمال أدبية نقديّة من عالمنا العربيّ صوّرتِ النكبة الفلسطينية، وحرب الخليج، والحرب في سوريا.

في هذا السياق الأدبيّ النقديّ؛ صدرت مؤخرًا للكاتب السّوري موسي الزعيم (1972) مجموعته القصصية: الرّقصُ مع الرّيح عن دار الدليل في برلين، كما صدرت له عام (2012) مجموعة قصصية بعنوان (الأساس) عن دار الخير بدمشق، ومجموعة قصص قصيرة بعنوان (من روائع القصص) بالاشتراك مع مجموعة من الكتّاب العرب، نُشرِت في مصر عام (2015).

يستهلّ الكاتب المجموعة القصصية الرّشيقة الحجم، بقصّة عنوانها افتتاحيّةُ

الربيع حيثُ يُدخلنا القاص مكانًا في هذا العالم، يبدو وكأنّه جنّةً، حيث يسكنُ الجمال والسّلام، الذي يحاول الكاتب منذ الصفحات الأولى أن يؤّكد على الانتماء الحميم له. فيشبه الرّاوي علاقته بالمكان بتلك التي تربط الأمّ بطفلتها الوحيدة فيكتب مرّة أخرى عيناي تمسحان المكان بحنان، كأمٍ تُمسّد شعر طفلتها الوحيدة (ص6).

وسرعان ما تنقلبُ تلك الصورة ركامًا وخرابًا وأشلاء، إذ ينتهي الفصل الأوّل بإعلان الحرب التي دمّرت المكان وقتلت الأشخاص.

وهنا سيأخذنا القاصّ للقصة التالية، إلى امرأة تعاني ألم المخاض، وقد تُركت مع أبناءها مُحاصرين في المنزل، في هذا الطقس القارص، لن يجد الابن أمامه سوى كتاب التاريخ، ليقوم بإشعاله؛ ليمنح أخته الصغيرة بعض الدفء. وربّما كان إشعال النيران في كتاب التاريخ هنا تصويرًا ذا رمزٍ ودلالة ذكيّة من الكاتب على التدمير لكلّ ما كان من ماضٍ في هذا المكان الذي بدأ تدميره. فإذا دُمرّ المكان دُمرّ التاريخ أيضًا.

الحربُ والفقراء

ستتوالى القصص القصيرة لتروي لنا قصصًا من الحياة اليوميّة للإنسان المُهمّش تحتَ وطأة الحرب. فهنا أبو الطّبل شابّ فقير تركَ التعليم ليعمل في (البلوك) في لبنان قبل عودته ليعمل مغنيًا مغمورًا في قريته، حتى يتمّ القبض عليه وتعذيبه ليعترف عمّن أعطاه الطّبل ، وأشعل فتيل مظاهرة كان الشّاب فيها يدّق على الطبل. سيستشهدُ الشّاب الذي قضى حياته يعمل ليجمعَ ثمن أثاث منزل تمّ تحطيمه أثناء عمليّه القبض عليه، في مشهدٍ بطوليّ عندما يخرج إلى الشارع ويبدأ الغناء على غير ما اتفقَ مع المحقق يسقطُ الملك، تسقطُ أنت والملك(ص 22).

وفي قصة لماذا عُدت؟ أمّ تجاوزت السبعين وهي ما تزال ترعى أغنامها بعدما تخلّى عنها ابنها (استشاريّ الأعصاب) بعد زواجه. فقد رفض معالجة أخته المُعاقة، بل رفضتْ زوجته استقبال أمّه الفقيرة. ذلك الابن العائد من إحدى الدول العربية؛ ليشتري منزلًا كان يستأجره صديق له بعد أن تهدّم منزله. كان هذا الشاب قد قاسم الطبيب العائد قوته وملبسهُ في الصغر.

وهنا شابٌ آخر ترك حبيبته وسافر ليكدّ ويتعب حتى يؤسّس لها عشًا للزوجيّة لكنه يعود لها في كفن.

وآخر لا يستطيع أن يسدّ جوع أبنائه فيسير هائمًا علّه يجد من يقترض منه، حين تأخذه قدماه لمبنى قديم قد تحوّل لمستشفى. هنا الذي يعاني حروقًا وتشوهاتٍ، وآخرَ معلّقة سيقانه، وأخرى تصرخ من شدّة الألم. سيخرج متفقدًا جسده حامدًا ربّه على ما يملكه من صحّةٍ تكفيه لأن يستيقظ صباحًا ليبحث عن عمل.

المرأةُ والحرب

على الرّغم من أن المرأة بطلة لخمسِ قصصٍ فقط من المجموعة، إلاّ أنّ تسليطَ الضوء على معاناة المرأة في المجتمع العربي كأمّ وابنةٍ وزوجةٍ يحتل مكانةً كبيرةً هنا، حتى إنّ القارئ قد يعتقد أنّها مجموعة تناقش قضايا نسويّه بالأساس حتّى قبل أن يشرع في قراءتها. فغلافُ المجموعة الذي قامت بتصميمه الفنانة ( ضياء علوش) قد يفسّر بقوةٍ على أنّه صورة لامرأة، كما أنّ العنوان نفسه الرّقص مع الرّيح يوحى بأنّ البطلةَ قد تكونُ أنثى؛ إذ يرتبط الرّقص في الثقافة العربيّة بصورة كبيرة بالأنثى. والقارئ محقّ فعنوان المجموعة القصصية هو اسم القصّة العاشرةِ والتي تروي حكاية أرملةٍ تعاني الوحدةَ فتجد تسليتها الوحيدة في ضوء يأتي من نافذة في المبني المُقابل، الذي يملكه رجلٌ في عمرها، ويعيش أيضًا بمفرده. تعتقد أن هناك مَنْ يهتم لأمرها، ولكنها سرعان ما تكتشفُ أنّ من كان خلف النّافذة ليس سوى قبّعة ومعطف تحركهما الرياح. فقد نُقلَ صاحب المنزل للمستشفى منذ أسبوع.

في قصة أخرى بعنوان الشّاهدة يروي الكاتبُ حكاية عودة فتاة لحبيبها، بعدما نزحت مع أسرتها بسبب الحرب. هناك وفي مكان اللقاء ستلقى حتفها بعدما ينفجر فيها لغمٌ زُرِع في الحديقة.

في حكاية مزمار الجنّ سنرى خلف قناع المرأة المخيّفة التي تعرفُ أسرار الجّان وعالم السّحر، صورة امرأة فقيرةٍ مُعدمة تركها زوجها وأطفالها الخمسة، فلم تجد مصدرًا للدّخل سوى جعل من حولها من البسيطات و المحتاجات يعتقدون أن هناك عالمًا تتحكم به.

وربما كانت النافذة من أهمّ الرموز التي استخدمها الكاتب في التعبير عن حكايات النساء في مجموعته، فالنافذة التي كانت ملجأ للأرملة كانت أيضًا نافذة تنفتح لفتاة أُجبرت على ألاّ تكمل دراستها الجامعيّة خوفًا عليها. كانت تلك النافذة هي نافذة عالم الشّبكة الالكترونية القادر على إفساد أيّ فتاةٍ لا اهتمامات لها ولا شاغل مهما شيّدت الجدران وأغلقت الأبواب لعزلها عن العالم الخارجي بأشرارهِ وشرورهِ.

الحربُ والذّاكرة

يعدّ التذّكر والذّاكرةُ من أهمّ الموضوعات التي حاولت المجموعة القصصية معالجتها، فقد ذُكرت كلمةُ ذَكَرَ ومشتقاتها (45) مرّة في المجموعة، حتى إن القاص استخدم كلمة ذاكرتي تسعَ مرات في ثلاثِ صفحاتٍ كوّنت قصّة بعنوان دقائق من الزّهايمر. تروي القصة مشاهد من حياة شاب نزحَ هاربًا من الحرب إلى بلاد الغرب حيث الأمن والأمان تاركًا خلفه كلّ ما كان من فظائع على بعد آلاف الكيلو مترات، ولكن الذاكرة تُحاصرهُ وتلازمه حتّى آخر الصفحات كما يخبره الطبيب: في قاع رئتيك هواء جبليّ خزين، عتيق يأبى أن يخرج مع الزفير، تعتّق حتى صار جزءًا من نسيج رئتيك، هواء لا يمكن أن يمتزج مع غيره، تتسعُ مساحته كلما هاجت بك الذكرى (ص 110).هنا إشارة قويّة من الكاتب ليس فقط على الآثار النفسية التى تتركها الحرب، ولكن أيضًا على التأكيد على توثيق المهمشين والبسطاء لفظائع التاريخ في تحدّي للروايات الرسميّة للمنتصرين.

جاءت لغة السرد سلسة والألفاظ دقيقة الإيحاءات واضحة تتناسب مع الحالة النفسية للكاتب وطبيعة النّص الذي نقلَ مشاعرَ الأشخاص البسيطة ومتعهم البسيطة وكذلك معاناتهم.

وفي النّهاية: نحنُ أمامَ أنموذج أدبيّ إنسانيّ حاول أن ينتجَ فنًا بطريقة سرديّة يمتزج فيها ألمُ الواقع بجمال النّص وشاعريته، معتمدًا على ما يملك من رصيد الواقع وموهبة الكاتب؛ ليبقى أدب الحرب أنموذجًا يبعث في الأجيال القادمة قيمَ حبّ الحياة والدفاع عن الإنسانيّة ضدّ القتلِ والدمار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد