لكم هو مدهش أن تقرأ كتابًا لكاتب وتندهش وتتأثر به، ويكون هذا الكاتب توفي منذ أكثر من قرن، فلقد نشر هذا الكتاب لأول مرة سنة 1782م، ولقد خلد الكاتب نفسه للأبد في هذا الكتاب، وكما قال هذا بنفسه، ولقد صدق فعلًا، فكما يرسم فنان لوحة مدهشة ذات دلالات، وكما يؤلف الموسيقي مقطوعة موسيقية فائقة تتجاوز الزمان، ويستمر الناس بالانتشاء بها كلما رنت أسماعهم لها، فلقد فعل كاتبنا مثلهم وخلد نفسه بأثر، الإبداع الحقيقي لا يتأثر بزمن، مهما مر الدهر فستظل أعمالهم تلمع كما الألماس والذهب.

«لقد أردت أن أترك أثرًا يظل مدويًّا فوق الأرض حتى بعد مغادرتي إياها».

بيير لالكو كوديرلوس دو لاكلو

علاقات خطرة، رواية عن الحب، والمكر، والغدر، والخديعة، كتبها كاتب مبدع متمكن، لا يكتب جزافًا، بل يخبر النفس البشرية جيدًا بكل تناقضاتها، وفضائلها، ونقائصها، وتقلباتها، ويعرف كيف يفكر الرجال والنساء، هناك بعض الآراء تقول إنها تعادل كتاب الأمير لمكيافيللي، ولكن في موضوع العلاقات الغرامية واختلاج العواطف، بيير كوديرلوس دو لاكلو الكاتب الفرنسي العظيم صاحب هذه الرواية كانت له أعمال وكتابات عديدة، لكنها لم تأخذ عظمة هذه الرواية وشهرتها.

قصتي مع هذه الرواية بدأت منذ أكثر من ثماني سنوات، كنت بالصدفة أقلب قنوات التلفاز وشاهدت بالصدفة فيلمًا بدا منذ الوهلة الأولى أنه فيلم تاريخي، عن الطبقة الأرستقراطية الفرنسية من نبلاء وأميرات ودوقات، ما جذبني للفيلم هو التصوير الرائع والمشاهد الجيدة، ومع الاستمرار في المشاهدة اندمجت تمامًا مع الممثلين الذين كانوا مبدعين جدًّا، لم أستطع أن ألتقط اسم الفيلم، وعبثًا حاولت أن أبحث عنه، لكني لم أستطع التعرف عليه للأسف، بعدها بسنوات وأنا جالس على الشبكة استطعت التعرف صدفة على اسم ممثلة من الممثلات المشاركات في الفيلم، وهي ميشيل فايفر، وحالًا ذهبت إلى ويكيبيديا لأتعرف عليها وعلى أهم أعمالها، وتوصلت إليه، فهذا هو الاسم المنشود dingrass lotalatis.

وحالًا حملت الفيلم وشاهدته أكثر من مرة، وكان من أشد الأفلام التي تأثرت بها في حياتي، بعدها بفترة طويلة لاحظت وأنا في المكتبة رواية ضخمه تحمل اسم علاقات خطرة، تناولتها وتصفحت بضع ورقات منها، وعرفت أنها الرواية الأصلية للفيلم، اشتريتها فورًا، وشرعت في قراءتها وأنهيتها على ثلاث جلسات رغم حجمها الضخم، ولم تخيب ظني أبدًا؛ فقد كانت عظيمة جدًّا ودرة نفيسة من درر الأدب، طبعًا أنا كنت أعرف القصة من الفيلم، ولكن الكاتب استخدم أسلوبًا عبقريًّا في الكتابة، إذ جعل الرواية كلها عبارة عن رسائل بين أبطال القصة،كل يشرح الأحداث من وجهة نظره، وأنا أعتقد أن هذا الأسلوب صعب جدًّا، خاصة أنني رأيت الفيلم، وكنت أرى أحداثًا وليس خطابات بين الأبطال.

ففي جو أرستقراطي فرنسي، ما بين مدينة باريس والريف الفرنسي تدور أحداث الرواية، حيث المجتمع المرفه الغني جدًّا الذي لا عمل لدى أفراده سوى المغامرات والعلاقات، وحياكة المؤامرات والدسائس بعضهم ضد بعض، وتسجيل انتصارات بعضهم على بعض، إذ يسعى أحد أبطال الرواية إلى الإيقاع بسيدة فاضلة محترمة متدينة، لكي يضيف ذلك إلى سجل انتصاراته، وعن طريق الرسائل مع صديقته الكونتيسة دي مرتاي يحكي لها خطوات وأحداث خطته، وتكلفه الكونتيسة بمهمة قذرة، وهي أن يفسد بنت صديقتها التي ستتزوج قريبًا من أحد الذين هجروا الكونتيسة قديمًا، وتبين له في الخطابات كيف تخطط وتدبر لهذه المكيدة، وكيف تجعل بنت صديقتها تقع في براثنه، وتوعده بمكافأة إذا ما أتم مهمته، ولك أن تتخيل ما المكافأة! سترى في الرواية كيف تلاعبت المركيزة دي مرتاي بصديقها، وجعلته يسدد طعنة عاطفية لنفسه، سترى بالتفصيل كيف كان يغوي بطل الرواية سيدة محترمة وفاضلة، وكيف كانت تقاومه، وكيف هزمت أمامه، وكيف خذلها هو في النهاية، الرواية نهايتها مؤلمة ومؤثرة جدًّا.

لكم من المدهش أن تعرف أن هذه الرواية منعت في فرنسا، فرغم أن الرواية تتحدث عن العلاقات الغرامية، فإن الجانب السياسي لا يخفى، والذي تحدث عنه الكاتب بطريقة غير مباشرة تستنتجه أنت أثناء قراءتك للعمل، إذ إنها ضاعفت مشاعر النقمة والسخط والغضب لدى الفرنسيين ضد لويس السادس عشر، وحاشيته، وبطانته، وكل من يحمل لقب مركيزة، وفيكونت، وفارس، إذ بينتهم الرواية على أنهم أناس فاسقون داعرون مسرفون، لا هم لهم غير إشباع شهواتهم وغرائزهم، ولك أن تعرف أنه ما إن صدرت الرواية حتى تهافت القراء على اقتنائها، ونفدت الطبعة الأولى خلال أيام قليلة، وأحدثت ضجة ودويًّا هائلين، ولك أن تعرف عزيزي القارئ أن الرواية كتبت قبل الثورة الفرنسية الكبرى بسبع سنوات، ونستطيع أن نقول إنها من الأسباب غير المباشرة للثورة الفرنسية.

إذا كنت من أصحاب النفس القصير في القراءة فإنك تستطيع أن تشاهد الفيلم، وهو أيضًا لا يقل عظمة عن الرواية، بل ربما يفوقها في رأيي، وهو كاف إن كنت لا تستطيع شراء الرواية، أو ليس لديك الوقت والنفس الطويل للشروع في قراءتها.

وبالمناسبة الفيلم الذي أتحدث عنه من إنتاج عام 1988، وإخراج ستيفن فريزر وبطولة غلين كلوز، وجون مالكونيتش، وميشيل فايفر، وحصل على الأوسكار لأفضل سيناريو، وأفضل إنتاج، وأفضل تصميم أزياء، كما يجب أن نشيد بالترجمة الرائعة للأستاذة لينا بدر؛ فقد نقلت النص بأمانة وصدق، ودون أي تقصير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد