الأصل في الغاز أن لا رائحة، ولا طعم، ولا لون له، وما الرائحة التي نشمها منبعثة من قنينات الغاز سوى مركب مضاف له أثناء التصنيع بهدف تمكين المستهلكين من الانتباه في حالة وجود تسرب. فكرة بسيطة، لكن ذكية جدًا، نستطيع إسقاطها على الحياة الاجتماعية لنفهم كيف نفوت الإشارات التي تنذرنا بوجود الأخطار العلاقاتية وكيف نختنق على أثرها أو نحترق.

أتحدث هنا عن العلاقات التي تقتل؛ تلك التي ينغمس فيها الناس غافلين أو متجاهلين لكل المؤشرات التي تدل على كونها مؤذية وخطيرة، متشبثين بالبقاء داخل فضائها الضيق الذي تتركز فيه الغازات السامة لتفقدهم الوعي والقدرة على التصرف، ثم تقودهم إلى التهلكة في النهاية؛ لأن البقاء داخلها مميت والهروب منها صعب للغاية؛ وكيف يسهل الهروب على من خارت قواه؟ كيف يقوى على الركض من خدر جسده، وقد تضببت أمامه الرؤية؟ كيف يهرول من لا يقوى على الوقوف؟ وكيف يتجنب الأذى من لا يراه أصلًا؟

هنا تكمن المشكلة في الأساس؛ عدم استشعار وجود الأذى في الوقت المناسب ثم عدم الوعي بالخطوة السليمة المتوجب اتخاذها لتجنبه أو تجاوزه؛ بالعودة إلى التشبيه الذي انطلقنا منه، يمكن أن نستحضر فكرة أن هناك لحظة معينة نكون خلالها قادرين على تمييز رائحة الغاز المنبعثة، في تلك اللحظة فقط تكون لدينا فرصة لحل المشكل أو مغادرة المكان، وبعدها نعتاد رائحة المكان الجديدة ونفقد القدرة على القيام بأي شيء آخر، لأننا نتلاشى، نضعف ونضمحل. وهذا ما يفعله بنا هذا النوع من العلاقات بالضبط.

علاقات مريضة بسبب الشك، تجعل أحد طرفيها محاصرًا ومراقبًا في كل وقت وحين، مضطرًا للشرح والتعليل والتبرير والتفسير في كل مرة، يبين المقصود من كل كلمة يتفوه بها ويفكر ألف مرة قبل وبعد القيام بأدنى حركة خشية أن تفهم غلطًا، يقسم لكي يبدو صادقًا قليلًا؛ لأنه متهم ولو ثبتت براءته.. متوجب عليه أن يختلق الأعذار دومًا ويفند الادعاءات وينكر الشائعات.

خانقة بطعم السيطرة والرغبة في التحكم؛ علاقات تحركها العدوانية ويغلب فيها التخويف والترهيب والابتزاز والتهديد.. تسير في منحى واحد، يوجهه الإجبار والتسلط، يسود فيها اللوم الدائم والانتقاد اللاذع المستمر.

مستنزفة بشدة.. تستهلك الطاقة والجهد والوقت وتنهش كل شيء جميل وإيجابي؛ سواء لأن أحد أطرافها نرجسي يعظم نفسه ويستصغر طرفًا آخر حد التحقير، أو لأنه اعتمادي يتواكل بشكل تام على غيره ويدفعه لتحمل مسؤوليات ليست على عاتقه في الأصل.

روابط مخادعة، يتم خلالها التلاعب بأحد طرفيها ليصير متحكما فيه، غارقًا في الإحساس بذنب لا يعرف أصله ولا ماهيته، مقتنعًا بأنه إنسان سيئ ومخطئ في كل الأحوال.. يعطي دون أن يأخذ شيئًا في المقابل، ويجعل من الآخر أولويته القصوى.. لا قدرة له على الرفض ولا المساومة، ويكتفي بتنفيذ ما يمليه عليه المتلاعب به فقط، لدرجة تجعله ينمحي في ظل وجوده ويفقذ ذاته وتوازنه وأحيانًا عقله أيضًا.

تعلق مرهق تهدر بسببه الطاقات بشدة.. يبذل على أثره أحدهم جهدًا مهولًا دون أن يشعره الآخر بقيمته، ويشغل فيه الاستغلال حيزًا كبيرًا جدًا، تضاعف حجمه سذاجة الطرف الضحية أو طيبته.

علاقات مختلة، ليست مؤذية فقط، ولكن محطمة حرفيًا، يلوث فيها طرف سيكوباتي حياة طرف آخر ويوهمه بأنه يلونها.. يجعله يضحك لأنه لا يجد سببًا واضحًا للبكاء، بخبره بأن كل شيء على ما يرام بينما الواقع عكس ذلك تمامًا، يوهمه بأنه أهل للثقة، بينما الغدر يتجسد فيه، يعده بالبقاء وهو يستعد للرحيل، يصطنع الاهتمام أمامه، بينما هو في الحقيقة لا يبالي، يحدثه بطريقة مهينة وهو يبتسم في وجهه بلطف، يضربه بقوة ويمسح دمعته برقة، يدفعه ليخرج أسوأ ما فيه، ثم يقنعه بأنها حقيقته.

علاقات متعددة الأوجه، لكنها تتشابه على الكثير من الأصعدة، لعل أهمها أنها مربكة.. تولد لدى أحدهم شعورًا يجمع بين أحاسيس كثيرة متناقضة.. تجعله يتوه أمام أدوار المذنب والضحية وتخلق الفوضى في عقله وقلبه وحياته.. تجعله يقتنع بأنه متورط بالكامل، وتوهمه بأن لا خيار متاح له غير قبول الوضع والصبر عليه.

علاقات قد تجمع الناس في إطار الصحبة، أو الزمالة، أو الزواج، أو الصداقة، أو الأبوة، أو البنوة، أو أي إطار آخر، تستوجب اليقظة لنفطن بها، والشجاعة لنهرب منها والعزيمة لنعاود بناء ما يمكن أن تحطمه ونتجاوزها.. علاقات كهذه تشبيه قنينة الغاز؛ تستطيع الانفجار في برهة من الزمن وإحداث خسائر مهولة في الأرجاء، ولحسن الحظ، لها رائحة.. رائحة كرائحة الغاز التي لا يجب تجاهلها أبدًا والتي تستلزم القيام بردة فعل واضحة: توقيف التسرب ومغادرة المكان بسرعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد