حقًا إننا نحيا في واقع مُربِك: ومن أهم آثار هذا الارتباك، كثرة الأطروحات التي يسعى أصحابها لتقديم حلول أو مساعدات في ظل هذا اللبس القائم وقلة فاعلية من أبناء هذا الجيل، بل إن الأمر يتعدى قلة الفاعلية وصولًا إلى وقوع الكثير من الشباب والفتيات فريسة للاكتئاب وتُخفِي الحالات الأغلب من البقية العجز وقلة الحيلة وراء صور مجتمعية مقبولة كالمواظبة على العمل والتعلم بلا غاية واضحة أو لأجل أمل زائف. وتتجلى هذه الحالة المستترة في عدم الوثوق في أي شيء وعدم القدرة على تجاوز الواقع بتوهماته.

وفي ظل هذا اللبس يتعين على من أراد فقه ما يحدث أمامه أن يسعى إلى رؤية الأمور جلية؛ وذلك بالنظر إلى حقائق الأمور، والذي يحول دون ذلك غالبًا ما يكون تشويش الصور المتلاحقة واحدة تلو الأخرى وكثرة اللغط والجدل حول قضايا صغيرة تتضخم بسبب حالة الخواء التي نحياها بسبب عدم العيش بمقتضى حقائق الدين بل وشيوع توهمات حول إمكانية العيش بمعزل عن تلك الحقائق تحت تأثير الكثير من الدعاوى المزيفة. ومع كثرة محاولات الإصلاح الحالية تتفلت الحقائق ويصبح حال الإنسان آنذاك وهو يظن في الوهم حقيقة كحال الظمآن الذي يجري وراء السراب.

وفي إطلالة سريعة لصورة الواقع التي نحياها الآن، نجدها خالية من المركزية؛ فلا يوجد كيان أو عمل جامع ينجلي فيه الحق لتلتف حوله جموع المسلمين، ولقد تكشف هذا العور بعد إزاحة الخطاب الحداثي المهيمن على الساحة بعد أحداث الثورة المصرية عام 2011 المتدثر بديباجات دينية مثل الخطاب الإخواني أو السلفي أو الخطاب الديني المتماهي مع السلطة…إلخ. ومع تققهر هذه النوعية من الخطابات وغياب المركز من الساحة، أضحى الحال متمثلًا في دوائر صغيرة مجتمعة على شيء ما، مثل الهواية، الميول الشخصية، الهم المجتمعي…إلخ. ويتضح هذا في ظهور كم كبير فرق الغناء أو البندات وغيرها من المجموعة مثل Cairo Runners و Cairo scooters، كورسات العلاج بالطاقة، مجموعات العلاج الجماعي Group therapy…إلخ.

وهذا الكم الهائل من الحركات الصغيرة أحدث حالة سائلة من تدفق الوسائل المقترحة لإصلاح ما نحن فيه من تيه وهم وقلق ناجمين عن الفقد الذي تكشف مع تهميش الخطاب الحداثي المركزي ذي الطابع السلفي/الأشعري في ثوبه العقدي أو السمت الإخواني في حراكه الاجتماعي السياسي. ومما أوهمته حالة السيولة تعدد طرائق الإصلاح والقدرة على تجاوز الواقع بأسايب مختلفة كثيرة ولكن الحقيقة تظهر جليًا؛ أن كثرة الإخفاق والإحباط والألم تستشري بتعدد تلك الوسائل وتشعب تلك الطرائق.

وبنظرة فاحصة للأمر نجد أن هذا التنوع لا يفتأ أن يكون مقلوب الطرح المركزي المهمش الآن؛ فالأول يخلع ضمناعن الإنسان مسئولية المكابدة الفردية من خلال عبوديته لله تعالى بمجرد قبول هذا الخطاب وعمل ما يجب على المسلم فعله من أفعال جلية كالتحسين في الصلاة والشعائر برمتها مع بقاؤه متماهيًا مع التصورات الفاسدة التي تروج لها الحداثة وتتجلى في منظومات العمل والدراسة وغيرهما والتي وضعت على غير الهدي الرباني ودون الوضع في الاعتبار الإنسان العبد لله ومسئوليتاته الشرعية، ودون التعامل مع الدين من خلال أن المسلم مسئول شرعًا عن دينه وأنه لا تسقط عنه المسئولية طالما له أجل في هذه الحياة، أما عن صور الأطروحات الأخرى فإنها تضخم من الذات الإنسانية تضخيمًا لا يستقيم إذا ما تحدثنا عن الإنسان من خلال مقامه كعبد لله عز وجل وأنه بموجب رضاه طواعية بهذا المقام، فإن العديد من قضاياه في هذه الدنيا ليس لها أن تأخذ من الأحجام أكبر مما قدره الله عز وجل لها.

يقول د. عبد الوهاب المسيري ما يفيد أن الإنسان قد يرفض نمط ما رفضًا واعيًا، ولكنه يعيد اجتراره مرة أخرى بشكل لا واعي. وفي تقديري أن تورم الحالة الإنسانية في الطرح الحالي – والذي نحن بصدد قراءة كتابي د. محمد طه كنموذجين له تخرج الإنسان عن المفاهيم الأولية التي بمقتضاها يحيا المسلم كربوبية الرب وعبودية العبد له وفقًا لإيمانه بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. والذي يجعل الإنسان يعيد اجترار ما رفضه من نمط هو عدم الارتكان الحقيقي للوحي لاستقاء المفاهيم الأساسية وبيان معالم حدودها وفقًا للهدي الرباني، بل ما يحدث هو افتراض أمر ما ثم تزيينه ببعض الآيات والأحاديث ليكونا ثوبًا مزركشًا لما تم افتراضه مسبقًا عن حال العبد المسلم ومقام الرب وغيرهما. وبرغم التنويعات لمثل تلك الظواهر والأطروحات نجد أن ثمة أنماطًا سائدة في بنيتها الكامنة تشي بأنها لا تنطلق من الوحي انطلاقًا حقيقيًا ولكنها تفترض فرضية ما ثم تسحب من الوحي ما يلائم تلك الفرضية المسبقة وبالتالي فإنها لا تسمن ولا تغني من جوع، ويتم ذلك دون وعي في جل الأطروحات ومنها طرح د. محمد.

كانت هذه المقدمة لازمة قبل الشروع في تحليل نصي د. محمد طه: علاقات خطرة والخروج عن النص، وإنني أجدهما تطبيقًا لما قلته في كونهما يعكسان مقلوب الطرح السائد من قبل وذلك بالحديث عن النفس الإنسانية بعيدًا عن الحقائق المستقاه من الوحي والتي تضع هذه النفس في حيزها الحقيقي بلا إفراط ولا تفريط. ويتجلى ذلك في البنية الكامنة لنصيه المنطلقة من النفس الإنسانية مع خفوت الحديث عن النفس بصفتها ملكًا لله عز وجل.

استهل د. محمد طه مقدمة كتابه: الخروج عن النص، بما يلي:

في كتير من الثقافات المتقدمة بتلاقي رجل الشارع العادي يعرف عن علم النفس وساعات الطب النفسي والعلاج النفسي أكتر من اللي يعرفه أغلب المتخصصين عندنا… علشان ده جزء مهم جدًا في التكوين المعرفي لأي إنسان متحضر ومستنير، بغض النظر عن مهنته ومستواه الاجتماعي والاقتصادي.

وفي المقدمة نفسها:

الكتاب ده نفسه خروج عن النص…خروج عن نص الفصل الرهيب بين العلم والفن وفي كتير من أعمالنا الأدبية والعلمية والفنية. وفتح الباب على مصراعيه للخرافات والخزعبلات غير المبنية على أي أساس علمي.

هذه المقدمة تشي بالبصمة الجينية للكتاب برمته؛ فكما أنه يكفي لمعرفة نسب الابن لأبيه بأخذ عينة، فكذلك الحال هو مع هذه المقدمة. إن الكاتب يبدأ طرحه منطلقًا من الثقافة النفسية باعتبارها منطلقًا يطل به على قارئه، والنص يعج في معظم ألفاظه بحالة من القطع أن هذه الأرضية تصلح منطلقًا كحقيقة يمكن البدء من عندها وتقديم الحلول من أرضيتها. وعلى مستوى الألفاظ نجده ضمنًا يقطع بكون الثقافة النفسية ركيزة يمكن قياس عليها حالة المجتمع ولهذا يستخدم كلمات ذات دلالات مستحسنة للمجتمعات الأفضل بوصفها قادرة على تعميم الثقافة النفسية، وبدا ذلك في استهلاله باستخدام كلمات مثل: متحضر – مستنير – أساس علمي؛ لتمييز المجتمعات المنطلقة من تلك الثقافة والتأكيد على أفضليتها. وهذه الأرضية حتى وإن كانت ناجعة وقادرة على حل مشكلات الإنسان بقدر ما تظل ظنية لا قطعية، والقطع بما هو ظني نموذج متكرر في الخطابات والأطروحات التي لا تنطلق من الوحي انطلاقًا حقيقيًا باعتبار ما جاء فيه يمثل القاعدة المعرفية وفقًا لما جاء به من قطعيات بخصوص الموضوع المثار ومن الآيات القاطعة في هذا السياق: وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون. (الذاريات 56). وحين يشحب دور الحقائق المتمثلة في الوحي، يؤتى بالظنيات مثل الأساس العلمي وغيره؛ ليحل محل الفراغ الناشئ في الطرح وتستبدل الظنيات لتحل محل قطعيات الوحي وهذا ما نلحظه من استهلال د.محمد طه.

والمنهجية المتبعة في كتابي د. محمد لإصلاح النفس هو تفكيكها بغية معرفة الخلل الكامن بها بسبب عوامل التربية أو الظروف الاجتماعية التي عاش فيها الإنسان مما أعاقه عن النمو النفسي السليم، ودائمًا ما يركز على الفطرة كركيزة لاستعادة إنسانية الإنسان والعلاقات الإنسانية كركيزة أخرى في هذا المضمار. ونجده يؤكد كثيرًا على هاتين الركيزتين في مواقع شتى في كتابيه، فعلى سبيل المثال لا الحصر نجده يقول في الخروج عن النص:

تعرف ايه اللي يخلي (النفس الحقيقية) اللي اتدفنت تطمن وتتونس وتقرر تعود للحياة من جديد… اللي يقدر يعمل كل ده هو علاقة. أيوه. علاقة. علاقة إنسانية حقيقية. توصلك فيها رسايل عكس كل الرسايل المشوهة اللي وصلت قبل كده أثناء التربية أو التعليم أو أي تجربة سابقة مؤذية. هو مش اللي بوزظ علاقة؟ يبقى اللي هيصلح برضوا علاقة.

وإذا ما استقينا حقائق الله عن الفطرة نجده يقول في كتابه الكريم: فأقم وجهك للدين حينفًا فطرة الله التي فطر الناس عليها. لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون. (الروم 30). فخالق الفطرة لم يتحدث عنها منفردة دون دين؛ فالفطرة وحدها لا تأخذ بتلابيب الإنسان وكيانه حتى تنشئه في علاقة حية بربه، إن جل ما تفعله الفطرة كما تقرره الآية السابقة هو هداية الإنسان إلى التمسك بحبل الله ودينه ثم يتشبع الإنسان بما تمليه عليه علاقته بخالقه وما يحدده شرعه، وهذا كافي لصلاح مشاكل النفس وإعادة إنشائها إنشاء ربانيًا قوامه المكابدة. أما عن العلاقات الحية في حياة الإنسان، فهذا أمر قد يقدره الله وقد لا يقدره، والعلاقات الإنسانية حتى في أبهى صورها إن لم يكن هناك علاقة حية بالله تستحيل إلى عبء؛ لأن العلاقة بالله هي ما تستمد منها العلاقات الإنسانية الأخرى الشرعية وما يمدها بأسباب الحياة، بل وتمنح العلاقة بالله الإنسان القدرة على تحمل مسئوليات العلاقات مع البشر. فالفطرة والعلاقات لا يمكنهما لملمة تشظي النفس التي نفككها في الجلسات النفسية الجماعية والفردية لاكتشاف مكنونها والتي يقوم عليها طرح د. محمد، فالفطرة ستكون أشبه بالمجال المغناطيسي الضعيف الذي لن يمكنه تسكين شظايا النفس بعد عملية التفكيك تلك.

ومن أهم تجليات عدم الانطلاق من حقائق الوحي شيوع النمط الثنائي في الأطروحة لأنها تمثل نمطًا تفسيريًا لا غناء عنه بعد الركون إلى الظنيات عوضًا عن الحقائق للتفسير، ونجد هذا النمط الثنائي كثيرًا في كتابي د. محمد طه، فهو يستخدمه لتفسير الظواهر وتحليل الأمور، نجده مثلًا في حديثه في كتاب الخروج عن النص:

بشكل عام فيه نوعين من العلاقات.. سواء العلاقات مع الأشخاص، أو الأشياء، أو أي حاجة..النوع الأول.. هو إنك تعمل علاقة مع جزء واحد (أو بالكتير عدة أجزاء) من الآخر.. ودي اسمها (علاقة جزئية). والنوع التاني.. هو إن علاقتك بالآخر تكون مع كل أجزائه وتفاصيله.. تكون مع مجموعه كل على بعضه حته واحدة. وديه اسمها (علاقة كلية).

وهذا النمط الثنائي الحدي أداة تفسيرية قائمة على القطع بما هو ظني لعدم قدرة هذا النمط على تفسير الظواهر إلا من خلال الحصر. وإذا ما استقينا العلاقات وفقًا لحقائق الدين نجد أن نمط العلاقات لا حصر له والصور فيه متعددة ومتنوعة إذا ما قامت على معنى الأخوة في الله النابع من الإيمان وفي هذا آيات لا حصر لها وكذلك صور على حصر لها. وعلى سبيل المثال لا الحصر حين يقول الله عز وجل: إنما المؤمنون أخوة. (الحجرات: 10) فإن الآية تطلق عدد لا نهائي من الصور المباحة للعلاقات الإنسانية بموجب هذه الأخوة. ومن هذا المنطلق قد تستقيم علاقة جزئية وتكون صحيحة – بتوصيف د. محمد طه – وسليمة لأنها مبنية على معنى حقيقي، وقد لا تستقيم علاقة كلية في حق آخر، فنعت العلاقة الجزئية بالسلب والعلاقة الكلية بالإيجاب من باب الظن غير المرتكز على حقيقة كلية صحيحة، فالعلاقات وفقًا للمفهوم الرباني لا تحدها ثنائية كما تحرر مركز الحق فيها في صورة دون أخرى. ونجد هذا حاضرًا في كثير من التفاعلات الإنسانية في السيرة النبوية؛ ففي الحديث المشهور أن الله قد ضحك من صنيع الرجل الذي أنام أولاده ليؤكِل ضيفه، ولم يكن لديه طعام سوى ما كان للأولاد. فهذه الصورة للفعل لم يكن لها مثيل سابق عليها ولكنها تولدت بشكل عفوي حين استقر معنى الأخوة القائم على حقيقة الإيمان بالله. وإنني هنا لا أشكك في مقدرة ثنائية العلاقة الجزيئة/ العلاقة الكلية في أطروحة د. محمد طه في التفسير أحيانا، بل إنني أري أنها تجلي النمط الكامن ورائها من الإنطلاق من النفس الإنسانية كركيزة بمعزل الوحي بشكل لا واعي ثم ينشي على غرار ذلك القطع بالظنيات والتي تحتاج للثنائيات الحادة للتفسير وهذا ما يضيق واسعًا.

وحتى لا يطول الحديث نتحدث عن: علاقات خطرة، في عنوان لمقالة: من أنت؟ يتحدث د. محمد طه قائلًا:

…إحنا موجودين في الأثر اللي بنؤثره في غيرنا…في البصمة اللي بنتركها ورانا في الأماكن والأزمنة…إنت ممكن تحس بوجودك في عيون صاحبك اللي بيفرح أول ما بيشوفك.. لأنك بالنسبة له مصدر بهجة وسعادة.

ولقد تحدثنا عن أن كون تلك الصور ليست هذه الحقيقة في حياة العبد، بل إن الحقيقة هو علاقته بالله، وقد يقدر هذه الصور وقد لا يقدرها، فوجود الإنسان وقيمته منفك عن تلك الصور، ولنا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم العبرة حين قال (لا يقولن أحدكم أنا خير من يونس بن متى. (رواه البخاري). فهذا الحديث يعطينا لمحة خفية على أن طاعة الله هي المعين الحقيقي لشرعية وجود الإنسان في أي صورة كانت حتى ولو استهجنها البع، أو حتى وإن كانت قاسية بلا علاقات في كثير من الأوقات أو أي أمر آخر محبب إلى النفس لأنها قد تورث من معاني العبودية ما قد يغفل عنه الإنسان في حال الرخاء والله الحكيم أعلم بما يصلح عباده وفي قدره الحكمة، سواء في الخير والشر.

وختامًا فإن المناهج الكامنة خلف كثير من الأطروحات على الساحة خطرة – مثلما هو الحال في البصمة الجينية الكامنة في كتابي د. محمد طه؛ لأن مثل تلك الأطروحات لم تنطلق من الوحي انطلاقًا حقيقيًا يضمن جلاء المفاهيم الرئيسة في الإسلام كما هي، فكان البديل الانطلاق من النفس كأصل مما أدى إلى تضخيم قضاياها والتنقيب المبالغ فيه عن سبل سعادتها وعلاجها. إن حسن النوايا لا يضمن سلامة المنهج كما هو الحال في كون رغبة الأبوين في مولود صحيح لا تقطع بذلك فقد يكون الجنين به تشوهات ما خلافًا لرغبة أبويه، وهذا هو الحال حين انطلقت أطروحة د. محمد من النفس فجاء المنهج به الكثير من الخلط والقطع بما هو ظني والاعتماد على الثنائيات في تفسير الظواهر…إلخ. من تجليات الانطلاق مما هو ليس بأصل.

والله أعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد