جدلية الأفكار والمشاعر

الأفكار والمشاعر، وجِدَا معًا في هذا الكون، لكن من يتحكَّم في الآخر؟ أو من يُفترض به أن يتحكم في الآخر للحصول على حياة أفضل؟ في اعتقادي أن الفكرة هي من تتحكم بالمشاعر لتنقلها من العاطفة الاندفاعية إلى الوجدان الناضج. الكثير من الناس يفصل بين الأفكار والمشاعر، ويقولونَ مثلًا: إن فُلان عقلاني، لا يهتم بالمشاعر، وهذا خطأ. فنحنُ في البداية ننسج أو نمتلك الفكرة من الواقع حولنا مع قليلٍ من المشاعر التي جاءت من الفكرة أيضًا، وقد يخلط الناس بين الحاجة الغريزية – الفطرة التي تولد مع الجسد – والمشاعر، الحاجة للكتابة تختلف عن مشاعري تجاه الكتابة، كل من المشاعر له تأثير في الآخر، لكن لو أهملنا الفكرة على حساب المشاعر، ستصبح مشاعرنا سطحية، تميل للأهواء، مثل الكسل، والمزاجية، وستُنتِج العادات السيئة لدينا، وعدم التخطيط لحياتنا والعيش على البَركة والدعاء فقط. المشاعر تحتاج للأفكار لِتُروِّضها، كذلك الأفكار تحتاج للمشاعر لتحفزها وتنشطها وتقيِّمها بعد الأفعال. فالمشاعر مصدر الطاقة والاندفاع، والأفكار مصدر التغيير والتطوير، لأطور مشاعري عليَّ بتطوير أفكاري، ولأطور أفكاري عليَّ بالقراءة مثلًا، وتحسين أداء المستقبلات الحسية لدَي، كالسمع والبصر والشم والتذوق واللمس، كلها قنوات دخول المعرفة الخارجية إلى دماغنا، والتي من المفترض تشذيبها وصيانتها بشكل مستمر.

عندما نركز على أن الفكرة سبب، والمشاعر نتيجة. سنحرز تقدمًا وتغييرًا في شخصيتنا وسنصنع دونَ قصد بالتأكيد بصمتنا.

لكن لو ركزنا على أن السبب هي المشاعر والنتيجة في الأفعال، رغم أن هذا يحدث أيضًا بنسبة أقل، فلن نحقق نتيجة مدروسة مُخطط لها
وهذا ما يجيب عن سؤال (لماذا نقرأ؟)

ذكرنا بأن المشاعر موجودة بالتزامن مع الأفكار، ولكن الأفكار بيدها أن تُحرك المشاعر وتضبطها، أو أن تجعلها عشوائية غير مدروسة، وبالتالي تقوم المشاعر بتعديل الأفكار لتتوافق مع متطلبات الواقع والجسد، الاعتقاد والمشاعر هي عبارة عن أفكار جرى تثبيتها والإيمان بها، معتقد الدين الإسلامي جاء من فكرة أن كل شيء لا بد له من مُوجد، لأننا تعودنا أن الإنسان ولد من الأم والأب، والنبات من البذرة وهكذا، وفكرة الثواب والعقاب، بعد ذلك أصبح التَّدين مشاعر، كمشاعر الحاجة لليقين، مشاعر الطمع في الثواب، والخوف من العقاب، ثم عادة سلبية متوارثة للأسف، ثمَّ مصيرًا مثل: الجهاد السلبي وقتل الناس والتَّعصب الأعمى، وتشويه رسالة النَّص الديني المُقدَّس بتأويلات قاصرة. كل شيء في حياتنا عبارة عن أفكار، ولكنها تظهر في أشكال متعددة. الكرسي فكرة، الكِتاب فكرة، الحبر، الحب، التَّدين، الأخلاق، الرصيف، كلها أفكار تحولت من الصورة الذهنية إلى الواقعية طبقًا لهذه السلسلة:

فكرة ◀ شعور ◀ فعل ◀ عادة ◀ طبع ◀ تطبع ◀ مصير

كل شيء في هذا الكون يمرُّ في أحد المراحل السابقة، حتى الجمادات. الجمادات تشعر! نعم. الرابط هو السببية، وفي الإنسان مثلًا تؤثر الأفكار في إفراز الهرمونات داخل أو خارج جسمه، هناك أفكار تحفر بعض الغدد على إفراز هرمونات (مادة كيميائية) تزيد من السعادة ومنها ما يسبب الاكتئاب، ومنها ما يثير الرغبة الجنسية، وجودة إفراز هذه الهرمونات تتعلق بالنظام الغذائي للجسم وطريقة تفكيره.

على سبيل المثال:

الجمال (فكرة)

الحب (شعور)

الزواج (فعل)

الإدمان أو الفتور الجنسي (عادة)

الزواج من ثانية (طبع)

الفقر أو ارتفاع الضَّغط أو المشكلات الأسرية وعمالة الأطفال (مصير)

الكثير من الأشياء الملموسة وغير الملموسة تكون في أحد الأطوار الانتقالية السابقة.

عندما يذكر شخصٌ عيبًا في أحدٍ ما فهذه فكرة.

وعندما يعبر عن كرهه له، أعرف أنه في مرحلة الشعور.

وعندما أراه يضرب أعرف أنه في مرحلة الفعل.

وعندما أراه يعتدي على زوجته وأطفاله بالضَّرب أعرف أنها عادة ثم تطبع، وعندما يقتل الشخص الذي كرهَهُ، أو يطلق زوجته، أعرفُ أنه المصير. وكلما تصاعدنا في المراحل يزداد التغيير صعوبة، لهذا قالوا «العلم في الصِّغر، كالنقشِ على الحجر» لأن الطفل هنا في مرحلة الفكرة أو الشعور. وأريد أن أقترح مرحلة قابلة للبحث وهي الفطرة، فطرة الحاجة للفكرة وللمشاعر. وهذا يفسر كيف للمولود أن يبتسم أو يصرخ دونَ امتلاكه أي أفكار. ومن يدري، فلربما خُلق مع أفكار أساسية في مكان ما في جسمهِ، والتي نسميها بالفطرة. وهي برنامج التشغيل للجسم فقط، دونَ إدارة هذا التشغيل التي هي مهمتك كمالكٍ لهذا الجسد.

لقد عبر الفيلسوف الإغريقي ماركوس أورليوس عن ذلكَ بأربع كلمات «حياتنا من صنعِ أفكارنا»، وما أقدمهُ هنا في هذا الكتاب، يسير في اتجاه التحكم في المشاعر إلى أن نصل لمصير نتمناه في هذه الحياة. في الماضي كان يُمكن للفطرة أن تساعد الإنسان في النجاح في هذه الحياة. الآن الأمور تعقدت وتطورت، أصبح العلم يتدخل أيضًا، لوجود التقنية والآلات. التي تحتاجُ لأفكار منقحة، لا على خبرات جدتي وجدتكَ فقط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الخطير, السِّر
عرض التعليقات
تحميل المزيد