قوارب الموت>> رحلة إلى الموت مدفوعة الثمن!

لقد مثلت الهجرة منذ نشأة العالم عنصرًا كبيرًا وفاصلًا في إعمار الدول والمناطق المختلفة في العالم. إلى جانب مساهمتها بصورة فعالة في تشكيل ملامح القارات الموجودة اليوم. فهذه الحركة الإنسانيّة التي تسمّى الهجرة هي في حقيقة الأمر ليست نابعة من العدم، بل جاءت ملصقة بها أسبابها المتنوعة التي لا تحصى ولا تعدّ. لكن مع مرور الوقت وتطوّر الإنسان فكريًّا وماديًّا. أصبحت الهجرة محكومة بقوانين وشرائع تنظم العلاقات والمعاملات بين الناس بمختلف مشاربهم ومناطق ارتحالهم، وانقضت بذلك مرحلة ما يمكن أن نسميه الهجرة المطلقة غير المقيدة بحدود وجغرافيا، وهو ما كان سائدًا قبل تطوّر مفهوم الدول بفضل الفلاسفة والمفكرين.

لهذا السبب وغير بعيد عمّا تمّ ذكره، تنوّعت الهجرة تنوّعًا لا يفسد صبغتها ما دامت تسير وفق منظومة القوانين والإجراءات المرسومة لتنظيم العلاقات بين الدول. لكنّ أبرز مشكلة تطفو دائمًا على السطح وتؤرق أيّ إنسان هي الهجرة السريّة أو الهجرة غير النظامية، وسمّيت هكذا لأنّها تختلف عن الأولى من ناحية الخضوع للقوانين والأنظمة الموضوعة من أجل ذلك. توغلت هذه الأخيرة بشدّة خاصّة في بلداننا العربية رغم أنّها ظاهرة عالميّة ولها في ذلك مبرّراتها وما عليها من تداعيات على الأمن القومي على مدى بعيد.

إنّ الأوضاع التي تعيشها مجتمعاتنا من الناحية النفسية والتربويّة قد تكون المساهم الأول لبروز الهجرة غير الشرعيّة منذ فترة ليست بقليلة وخاصّة في تونس. فالهجرة باعتبارها استراتيجية تتبعها المجتمعات عامل يدق ناقوس الخطر فيه خاصّة عندما يصل لدرجة غير مسبوقة، فلم يعد يفرق بين سبب وآخر بل يعمّ كل أصناف المجتمع ومن مشارب مختلفة حتى أصحاب الوظائف الرسمية نفسها. فمشكلة الشباب تكون نفسيّة بحتة في بادئ الأمر، لأنّ الصورة النمطيّة للمهاجر العائد زيارة لبلده تكون مفعمة عادة بالفارق الظاهر في المعيشة وفي جودة الأشياء بين بلد مقصود للهجرة أي من المفترض أن يكون أكثر تقدمًا وبلد أقلّ تقدّمًا يبحث عن رفاهيّة البلد الآخر. فقوّة الجذب بالنسبة للآخرين من العوامل التي ترسخ في عقول الناس المنشود الأفضل.

إنّ الدول تبنى من المدارس، وما المدارس إلاّ مجتمع صغير قبل أن تصبح مجتمعًا كبيرًا يتعايش فيه الناس ذوي مشارب مختلفة علما وأنّ المواطنة عامل مشترك بينهم. فيقول قائل، لماذا طفت هذه الظاهرة للسطح في هذه الفترة بالذات، و ما هو الجديد في الأمر فهي سابقة الوجود؟. إذا حاولنا تبسيط الأمر، فيمكن القول بأنّ الأحداث التي وقعت في المنطقة العربية منذ سنة 2011 وساهمت في تدهور الأوضاع السياسية، والأمنيّة، والاجتماعية، والاقتصادية على وجه الخصوص، جعل الظاهرة تخرج عن نطاقها المحدود لتصبح معضلة وطنية تمسّ الأمن القومي للبلاد وتصبح حل من الحلول الجاهزة لتغيير الواقع.

مع تبلّد الأجواء الإقليميّة خاصّة من ناحية الأراضي الليبية، وجد تجّار البشر الذين تقاطعت مصالحهم مع عالم الجريمة المنظمة والإرهاب في بيئة التهميش والفقر وتعمّق الفجوة بين أبناء المجتمع مع دخول الاختلافات السياسية على الخطّ، فرصة لا تتكرّر مرتين من أجل تنظيم رحلات الموت بصفة دوريّة نحو الأراضي الإيطالية انطلاقًا من سواحل مختلفة على طول الشريط الساحلي، فمن شواطئ بغرارة وجرجيس وجربة التابعة لمحافظة مدنين مرورا بقرقنة الجزيرة الصغيرة التابعة لمحافظة صفاقس، وصولًا لقليبيه في محافظة نابل وغيرها من سواحل أخرى تتبع البلاد التونسية.

كشفت دراسة أعدّها المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية حول ظاهرة الهجرة غير الشرعية أنّ عدد المهاجرين التونسيين الذين أبحروا خلسة الى سواحل إيطاليا وفرنسا وأوروبا منذ سنة 2011 وإلى غاية أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2017 وصل إلى حد 38114 مهاجرًا. فهو رقم بالغ الخطورة في نظرنا لأنّه يتفاقم صعودا ولا يتراجع. فما ينقصنا كمجتمع ودولة هو احتواء الشباب والناشئة عمومًا لاّن الظاهرة استفحلت في المؤسسات التعليمية بشكل يثير الرهبة. فالظاهرة لم تعد ظاهرة، بل أًصبحت ثقافة وهذا أمر شديد الخطورة ففقدان الشباب يخلّ بالتعداد السكّاني للبلاد إذا أخذنا في الاعتبار سياسيات تحديد النسل والظروف الأخرى التي تقلل من نسبة الولادة. هناك الكثير من الناس يرونها على أساس أنّها ثقل كبير للبلاد في الخارج من الناحية الاقتصادية، لكن الأمر في نفس الوقت تستفيد منه دول كثيرة تقلّ عندها اليد العاملة تدريجيّا وتشهد مجتمعاتها تهرّمًا يهدّد التركيبة الاجتماعية والديموغرافيّة، في حين يسير نمونا الاقتصادي ببطئ.

لقد خسرت البلاد الآلاف من الناس من جميع الأصناف العمرية تقريبًا منذ سنة 2011 وحتّى قبلها بنسب متفاوتة. فقوارب الموت لا تكون مضمونة مئة بالمئة نظرًا لأنّ غالبيّة المهاجرين ليسوا من ذوي الخبرة في البحار، وهو ما يجعل رحلتهم محفوفة بالمخاطر الجمّة. دائما نسمع من وسائل الإعلام حديث شهود عيان يلي كلّ فاجعة، يقرّون بأنّ هناك الكثير من الحيل التي يمارسها تجّار البشر الذين لا يهتمون إلا بالربح المادّي، وأبرز هذه الحيل التي تتكرّر باستمرار هي خروج مركبين أو ثلاث في نفس الوقت ليتم الإبلاغ عن واحد من أجل أن يصل بسلام القارب الآخر أو يتمّ الإبلاغ عن واحد من أجل أن يصل اثنان. وهذه حقيقة فيها مقامرة كبيرة يدفع فيها الناس مبلغًا لا يستهان به يقدّر بـ3000 دينار تونسي وأحيانًا 5000 دينار، ليجد أحدهم نفسه فجأة في مركب للتمويه وبذلك يصير غريقًا إلاّ قليل ممّن تتوافر فيهم القدرة على التعامل مع البحر. وهذه أسباب ساهمت بصورة أو بأخرى في خلق احتقان اجتماعي جعل من دور العائلة والمدرسة هزيلا في مواجهة هذا التضعضع الذي خسرنا بسببه الكثير من الكفاءات من علماء، مهندسين، أطباء … وغيرهم ممّن يمثلون ذخرًا للمستقبل وأساسًا في تطوير المجتمع. ممّا يجعلنا نتساءل حول الأدوار المفقودة التي يجب أن تكون على سلّم الأولويات في الجمهوريّة الثانية، ولنا في هذا تفصيل.

هناك تنازع سياسي كبير وصراع متنام في الحكم يهدد ركائز الدولة الوطنيّة ممّا ساهم في تغييب المشاكل الحقيقيّة التي يعيشها المجتمع. لهذا وجب على كلّ الأطراف التكاتف والعمل بنفس واحد وتغليب المصلحة العليا التي تحتّم الحفاظ على النسيج الاجتماعي ومحاربة ظاهرة الهجرة غير الشرعية بحكمة. لقد ازداد حديث العقلاء عن التشريعات ودورها في ضبط الأمور وهو أمر منطقيّ للغاية فمثل هذه المسائل يجب أن تقيّد بقانون صارم يجعل من الظاهرة تقلّ تدريجيًّا، وإن كان هذا في اعتقادنا لا يحدث من الوهلة الأولى.

تزامنا مع هذا الحلّ، يجب أن يستعيد الوعي أنفاسه ليتجدد داخل المجتمع فبلاوعي لا يمكن ضبط الظواهر السيّئة، وهنا تبرز مشكلة حضور المؤسسة الدينيّة وتنسيقها مع المؤسسة التربويّة التعليميّة وحتى المتعلقة بالشأن الثقافي، حيث الدور المحدود لها يقلّل من جعل الأمور تسير في منحى إيجابي. فالإنسان ابن بيئته وتكوينه يتمّ بالثقافة والتعليم والدين وإذا تراجعت هذه الجوانب، فإنّ قوى الجذب الأخرى التي تتقاطع مع عالم الجريمة والفوضى ستسعى لتحلّ محلّها.

هناك مشكلة في التكوين الفكري وتمددت كثيرًا في حياتنا ألا وهي جعل الهجرة كحلّ يتمّ استسهاله نظرًا لثقافة الاتباع التي تتملّك معظم الشعب. ولكنّ الحقيقة أنّ التجارب عديدة ويمكن إذا توافرت الإرادة أن يبحث عن حلول أخرى. لماذا؟

إنّ التعامل مع الهجرة غير الشرعية باعتبارها متنفسًا لحلّ المشاكل الداخلية هي استراتيجية تسكّن الألم لكن لا تزيله ويبقى المشكل الأكبر هو في الوقايــة التي هي خير من العلاج. وهو ما يجعلنا كتّابًا ومفكّرين نسعى جاهدين لتغيير الأسلوب الفكري في التعامل القضايا المتنوعة بحيث يجب الاهتمام بالدراسات أكثر للظواهر قبل استفحالها والتعامل مع الأمور بنظرة استباقيه وهذا والنجاح الحقيقي الذي سيجعلنا نمتطي سلّم المستقبل بثقة لا تزعزعها الرياح.

إنّ الهجرة غير الشرعية مشكلة عالمية مثلها مثل أيّ مشكلة أخرى، تقتضي دراسات عميقة للظاهرة وبدائل يمكن أن تخفف من وطأتها علما وأنّ تفكيكها يقع عندما يتم الترابط بين الأسلاك العلميّة حتّى تحاول بناء شخصيّة مستقبليّة لا تخضع بصفة آلية للثقافة السائدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد