«ومن وقت إزالة المحرقة الدائمة وإقامة رجس المخرب ألف ومئتان وتسعون يومًا (12) طوبى لمن ينتظر ويبلغ إلى الألف والثلاث مئة والخمسة والثلاثين يومًا (13) أما أنت فاذهب إلى النهاية فتستريح وتقوم لقرعتك في نهاية الأيام (14)» الإصحاح (12) بهذه الكلمات ينتهي سفر دانيال. هي النهاية إذن؛ نهاية رجسة الخراب ونهاية الزمان.

أول ما نلاحظه في النبوءة الأخيرة أنها تقول «يومًا» وليس «صباحًا ومساءً»، وربما في هذا دلالة على أن الحساب فيها بالسنة القمرية التي كان يستخدمها اليهود، وعام 1967 الميلادي يقابله عام 1387 الهجري، وبهذا فإن إزالة المحرقة الدائمة قبل هذا التاريخ بـ1290 عامًا قمريًّا، وهو ما يوافق عام 97 هجريًّا، وهو تقريبًا التاريخ الذي شُيد فيه مسجد قبة الصخرة، وبه خرجت تلك الأرض عن صفتها كمحرقة دائمة يضع أنبياء بني إسرائيل عليها القرابين لتلتهما النار من السماء، علامة على قبول القربان، وقد أشار القرآن لذلك في قوله تعالى «الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ» آل عمران (183) وأصبحت تلك الأرض مسجدًا وستبقى مسجدًا إلى يوم القيامة إن شاء الله.

ثم تكمل النبوءة طوبى لمن ينتظر ويبلغ 1335 يومًا أي: طوبى لمن يعيش 45 عامًا قمرية أخرى بعد العام الذي وقعت فيه رجسة الخراب باحتلال الصهاينة للمسجد الأقصى، فما هو ذاك الحدث المهم الذي سيحدث في هذا العام؟ إننا إذا أضفنا 45 عامًا لعام 1387 فسنجد أنفسنا في عام 1432، وهو ما يوافق ميلاديًّا عام 2011، أجل هذا هو العام الذي كانت آخر كلمات سفر النبوءات تقول طوبى لمن ينتظر ويبلغه.

فماذا حدث في هذا العام يستحق أن يُذكر في سفر دانيال منذ 2600 عام غير ثورات الشعوب العربية التي هزت العالم؟ هذه الثورات التي يظن البعض أنها أخفقت وفشلت، ولا يدرون أن عجلة التاريخ إذا تحركت لا تسير بسرعة ثابتة، ولكنها تسير دائمًا في الاتجاه نفسه، تعوقها بعض الصعاب وتوقفها بعض العثرات، وربما عادت للخلف قليلًا، ولكنها تكمل سيرها في اتجاهها، وعندما يدون التاريخ بعد عشرات السنين، فإن اللحظة التي بدأ فيها التحرك للأمام، هي اللحظة التي يؤرَّخ فيها الانتصار، بغض النظر عن الانتكاسات التي تلتها، فهناك فرق بين اللحظة التي حدث فيها الانتصار وبين اللحظة التي حدث فيها التحول في مجرى التاريخ، والذي أدى إلى الانتصار. إن هجرة الرسول – صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة المنورة كانت بداية انتصار الإسلام وتأسيس الدولة الاسلامية، التي أزاحت وقضت على إمبراطوريتي الفرس والروم وحكمت العالم لقرون عديدة، رغم أن تلك الهجرة تلتها غزوة أحد التي هُزم فيها المسلمون، وغزوة الخندق التي حاصر المشركون فيها المدينة، وحادث بئر معونة الذي قَتل فيه المشركون سبعين من الصحابة الكرام. إن تلك الانتكاسات لم تمنع أحدًا من القول إن بداية تأسيس الدولة الإسلامية كانت هجرة الرسول – صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة؛ لأنها كانت اللحظة التي حدث فيها التحول في مجرى التاريخ، وانتقل فيها الإسلام من مرحلة الدعوة باللسان إلى مرحلة الدولة التي تواجه أعداءها بالسيف، وتدافع عن نفسها ضد طغيانهم وجبروتهم، ورغم انتصار هؤلاء الأعداء في عدة جولات، فإن تلك اللحظة التي هاجر فيها الرسول – صلى الله عليه وسلم- وتحول فيها الإسلام من دعوة إلى دولة تبقى هي البداية الحقيقية لتأسيس الدولة الإسلامية.

ولقد كان عام 2011 هو العام الذي حدث فيه تحول في مجرى التاريخ، حين ثارت الشعوب ضد الأنظمة التي خلَّفها الاستعمار الغربي، تلك الأنظمة التي لم تستطع أن تمنع إسرائيل من احتلال المسجد الأقصى، ولم تقدر على مواجهتها، ثم استسلمت لها وهادنتها وتعاونت معها، وصارت بعض تلك الأنظمة تابعة لها.

ما كان من الممكن أن تحدث المعركة الكبرى بين المسلمين واليهود في ظل وجود تلك الأنظمة؛ لهذا فإن إزالتها كان هو الخطوةُ الأولى أمام إزالة رجسة الخراب، وتحرير المسجد الأقصى، وإنهاء الإفساد الثاني لليهود.

وما كان أحد يتوقع أن تستسلم تلك الأنظمة للثورات وترحل في هدوء، لقد كان طبيعيًّا أن تنتفض وتدافع عن بقائها، وتنتصر في جولة أو جولتين، ولكن في النهاية تبقى سنة 2011 سنة فارقة، وسينظر إليها في المستقبل على أنها نقطة البداية للدولة الجديدة، التي نشأت في تلك المنطقة، دولةُ الشعب التي يختار فيها الشعب من يحكمه، ويكون الحاكم معبرًا عن أحلام وآمال شعبه، ولا شك أن شعوب تلك المنطقة إذا أتيحت لها فرصة أن تقرر مصيرها بنفسها فإنها ستختار أن تتحد بعضها مع بعض في دولة كبرى، ليس فيها خليفة يحكم بعصبية أسرته أو قبيلته، ولكن فيها حاكمًا يختاره الشعب خاضع لرقابته ومساءلته عبر مجالسَ نيابية يختارها الشعب. أليس هذا هو أقرب ما يكون للخلافة الراشدة التي بدأ بها الإسلام؟ خليفة تختاره الأمة، وتحاسبه الأمة، ولذلك أشار سفر دانيال لعام 2011 علامة على التحول الذي سيشهده الصراع ليس بين اليهود والمسلمين، ولكن بين الشرق والغرب، النبوءة جاءت في أثناء الحديث عن أول صدام حدث بين الشرق والغرب، وبالتالي فلا بد أن يكون آخر النبوءة هو صدام آخر بين الشرق والغرب. ونحن اليوم لا نتخيل صراعًا بيننا وبين اليهود لا يشمل الغرب الذي رعا إسرائيل ودعمها وساندها في مواجهتنا، فلا بد أن تكون معركتنا الكبرى مع إسرائيل التي بشرنا بها رسول الله – صلى الله عليه وسلم- هي أيضًا معركة مع الغرب، بل ربما كانت آخر معركة بين الشرق والغرب.

إن 2011 ليس مجرد عامٍ مر في حياتنا، ولكنه لحظة فارقة من لحظات التاريخ الإنساني، وذكره في نبوءة من آلاف السنين، وذكر الرسول لحديث نبوي عن انتصارنا على اليهود في آخر الزمان، هو دليلٌ على ضعفنا. إن الله علِم فينا هذا الضعف، ونزوعنا إلى اليأس؛ فترك لنا تلك النبوءات لتثبتنا وتمنحنا الأمل لنواصل النضال والكفاح من أجل إقامة دولة يكون الشعب فيها هو صاحب السيادة، يختار من يحكمه، ويقرر مصيره بنفسه.

هذه هي الدولة التي ستواجه احتلال إسرائيلَ لأراضينا، واستنزاف الغرب لثرواتنا، وتحكمه في مصائرنا.

طوبى لمن يشهد هذه الأيام، وهو موقن بنصر الله ويعمل على تحقيقه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات