استخدم الله البشارات والنبوءات على لسان الأنبياء والمرسلين لتثبيت المؤمنين، فيظل يقينهم فى أشد لحظات الانكسار قويًا بأن النصر قادم لا محالة، فلا يدُب اليأس والاستسلام في نفوسهم، فالنبوءات وبُشرَيات النصر هي سلاح قوي ضد اليأس وروح الاستسلام، ولهذا فالعجب حين نرى في زماننا من يرفض تلك النبوءات باعتبارها تدعو الناس للتواكل، وكأنهم أعلم من الله بطبيعة البشر التى يمثل اليقين في النصر أكبر حافز لها لمواصلة الكفاح. إن الإنسان إذا أيقن أنه لا فرصة أمامه للانتصار في المستقبل، فإنه يستسلم فورًا، ولهذا كانت البُشريات من أهم عوامل النصر.

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أثناء حفر الخندق حيث كان أكبرُ جيش عرفته جزيرة العرب ـ وقتها ـ يتقدم من المدينة ليهاجمها وكان المسلمون قد بلغ بهم الفزع مداه حتى وصف الله تعالى حالهم بقوله (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ) سورة الأحزاب (10) في هذا الوقت العصيب نجَد الرسول وهو يحطم صخرة قوية عرَضت للمسلمين يقول الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس.. إلى آخر الحديث. في هذا الوقت الذي لا يعرف المسلمون إذا كانوا سيعودون إلى أهلهم أم سيُقتلون في مكانهم، يبشرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بفتح الدنيا كلها، في الوقت الذي يخشون فيه من مهاجمة قريش لبيوتهم وأرضهم، يبشرهم الرسول بأنهم سيَهزمون الفرس والروم، أكبر قوتين في زمانهم. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أن اليقين بالنصر ليس دعوةً للتواكل، ولكنه أكبر حافز للمقاومة والقتال من أجل هذا النصر، وقد كان.

ومن أهم النبوءات التي وردت في الكتب السابقة على القرآن نبوءات سفر دانيال وهو واحد من أسفار اليهود، ودانيال هو من أنبياء بني إسرائيل الذي ولد وعاش فى بابل فترة الأسر البابلي، وأغلب نبوءاته كانت عن آخر الزمان، وتحديدًا عمَّا يسمى لدى اليهود برجسة الخراب وما يدور حولها من أحداثٍ ستقع في آخر الزمان.

ومن أهم النبوءات التى ذكرها حول رجسة الخراب هى رؤية التيس والكبش التي وردت فى الإصحاح الثامن من السفر، حيث رأى دانيال كبشًا له قرنان ينطح بهم شرقًا وغربًا ولا يقدر أحد عليه ثم جاء تيس من المغرب له قرن واحد بين عينيه، وصرع الكبش وطرحه أرضًا وسلب منه قوته، ثم كُسر قرن تيس الماعز وحل محله أربعة قرون، ولأن رجسة الخراب هي الشغل الشاغل في هذا السفر، فنجد السؤال عنها حاضرًا في تلك الرؤية التي يبدو للوهلة الأولى أنها لا علاقة لها ببني إسرائيل وبيت المقدس (فسمعت قدوسًا واحدًا يتكلم، فقال قدوس واحد لفلان المتكلم إلى متى، الرؤيا من جهة المحرقة الدائمة ومعصية الخراب لبذل القدس والجند مدوسين. (14) فقال لي إلى 2300 صباح ومساء فيتبرأ القدس) الإصحاح (8).

ويطلب دانيال التفسير فيخبره جبريل كما يقول السفر: إن الكبش هو ملك فارس، وأن تيس الماعز هو ملك اليونان الذي سيهزم الفرس، ثم يموت وتنقسم مملكته إلى أربعة ممالك، أما رجسة الخراب فستقع كما تقول النبوءة بعد 2300 صباحٍ ومساء، وفي النبوءات يعبر عن العام عادةً بيوم، ولكن هنا ذكر (صباح ومساء) ولم يذكر (يوم)، وربما يكون في هذا دلالة على أن المقصود هنا هو السنة الشمسية المرتبطة بها تعاقب الصباح والمساء، وليس السنة القمرية التي كان يتعامل بها اليهود في ذلك الوقت. إذًا ستقع رجسة الخراب بعد 2300 سنة. من ماذا؟ منطقي أن نقطة بدء العد هي من لحظة تحقق النبوءة التي تمثل أول مواجهة بين الشرق والغرب والتي تعد أول مرة يتم فيها استيلاء الغرب على بيت المقدس بعد هزيمة الفرس أمام الإسكندر الأكبر عام 333 ق.م فإذا حسبنا 2300 عام من ذلك التاريخ نجد أن رجسة الخراب ستحدث عام 1967.

إن رجسة الخراب هي نهاية اليهود، نهاية عصيانهم وتحديهم لأوامر الله، إن رجسة الخراب هي العصيان الأخير لليهود لأوامر الله، إذ قال لهم: (اسْكُنُوا الْأَرْضَ) سورة الإسراء (104) فكتب عليهم الله الشتات في كل بقاع الدنيا، فأبوا إلا أن يعصوا أمره ويتحدوا إرادته وتجمعوا من جديد في أرضٍ أخرجهم الله منها بشؤمِ معصيتهم وعادوا إليها عصاة جبارين يدمرون القرى الآمنة ويقتلون الأبرياء وينشرون الفساد في كل ما حولهم، ظنوا أنهم قادرون على أن يغيروا مشيئة الله فسعوا بأنفسهم لتحقيقها (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا) سورة الإسراء (104) يتجمعون في الأرض الموعودة من أجل النهاية التي أخبرهم بها الله منذ أكثر من 2600 عامٍ، ولكنها عميت عليهم، إن الكثيرين من اليهود رفضوا قيام دولة إسرائيل والهجرةَ إليها؛ لأنهم يعلمون أنها مقبرتهم وليست دولتهم، إن رجسة الخراب هي بداية النهاية لهذا الشعب الذي لُعن على لسان الأنبياء فمتى تكون النهاية؟

ربما هذا هو ما تخبرنا به النبوءة التالية التي سنناقشها إن شاء الله في المقال القادم (ومن وقت إزالة المحرقة الدائمة وإقامة رجس المخرب 1290 يومًا. (12) طوبى لمن ينتظر ويبلغ إلى الـ1335 يومًا. (13) أما أنت فاذهب إلى النهاية فتستريح وتقوم لقرعتك في نهاية الأيام. الإصحاح (11).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد