كانت الطائرة تقترب من مطار كوبنهاجن الدولي، بينما نشاهد من أعلى تلك المساحات الخضراء، واصطفاف البيوت الملونة جنبًا إلى جنب؛ ومن هنا بدأت رحلة البحث عن السعادة في بلاد بعيدة، صُنفت على أنها أسعد دول العالم منذ العام 1973 «حسب التقرير العالمي للسعادة». ودائمًا نقول مَنْ يبحث عن السعادة؛ فلا بد له من أن يلتمس تفاصيل ومكنونات الحياة، وأن يرى بواطن الأشياء قبل ظواهرها.

ولمن زار أوروبا من قبل، فلن يشعر إلا باختلاف طفيف في شكل الأبنية، والطرق، والمزارات المختلفة، وبالطبع لن ننسى رائحة أوروبا؛ ذاك الهواء النقي الذي لا يخترقه ذرة تراب واحدة؛ لتشعر وكأنك تنتشي عطرًا، اختلط بالماء، والهواء، والخضرة، ولكن برغم كل ذلك تظل الدنمارك هي مستودع السعادة.

هذه البلاد التي تتمتع باقتصاد مستقر، مع أنها لا تعد من أغنى دول العالم، لكن الأمور تسير بشكل متوازن؛ مما أدى إلى انخفاض في معدل البطالة، وارتفاع مستوى دخل الفرد، وفيما يقابل ما يدفعونه من ضرائب باهظة؛ فإنهم يتمتعون بأنظمة صحية، وتأمينيّة، وتعليمية تمكنهم من العيش باطمئنان دائم.

لذا انعكس ذلك على سلوكهم، وطريقة عيشهم، ونظرتهم للحياة، وهنا بعض ما التقطته عيناي أثناء الزيارة القصيرة؛

الدراجات والحسناوات؛ حيث إن سرعة الدراجة تتناسب طرديًا مع رشاقة من يقودها.

تضع حقيبة العمل الخاصة بها في سلة الدراجة الأمامية، مرتدية جاكتة رسمية، وقطعة من الميكروجيب، وحذاءً بكعب عالٍ، متجهة في الثامنة والنصف صباحًا إلى العمل كما يُوحى إليّ، تعلو وجهها ابتسامة، لا تنم عن شيء محدد، يقف وراءها وجوارها مجموعة من الشبان على نفس الدراجات؛ منتظرين فتح الإشارة، لينطلقوا كلهم بمنتهى الشـياكة والهـدوء حيثما يذهبون. وينطلق الأتوبيس الذي أنظر منه لأستفيق وأُدرك أنني لست في شارع رمسيس، أو وسط البلد، وأصحو من خيالاتي المريضة.

مراكب الطبقة المتوسطة؛ «ماشي في طريق ملوش آخر في مركب من غير شراع».

إذا استطعت أن تجمع مبلغًا مساويًا لـ«25 ألف يورو» أو أكثر؛ فبكل سهولة تستطيع أن تمتلك إحدى القوارب العائمة المصطفة على جانبي ميناء «NY Haven»،  وذلك لا يعد رفاهية مطلقًا؛ فمعظم الناس يقضون أوقاتهم بهذه المراكب في إجازاتهم الأسبوعية، أو للاحتفال مع الأصدقاء.

وبإمكانك كأي زائر أن تستأجر واحدًا بمقابل زهيد للغاية، وتستمتع بمؤانسة أصحاب القوارب، وإلقاء التحية عليهم، وسوف تشعر أنك في كومباوند مائي متحرك.

التسول؛ «وأنا ويّايا بعيش زي المليونيرات». أقول دائمًا لا تخلو أي بلد من متسول، هؤلاء المتواكلون دومًا على الحياة، يحصلون على أي شيء بلا مقابل، ولكن هنا الأمر مختلف، فلم أرَ متسولًا بهيئته التي نعرفها؛ فقد وجدت فنانين يستعرضون مواهبهم في فضاء الشوارع؛ ليصنعوا موسيقى تصويرية لكل الأماكن تُضفي حالة من البهجة والسعادة، تاركين أمامهم صندوقًا أو قبعة لمن يريد أن يجاملهم.

الإثارة والتشويق؛ «بعض الناس يقضون حياتهم بانتظار حدوث شيء ما، لا يهم ما هو ذلك الشيء، لكنهم موقنون بأنه سیحدث يومًا».

أثناء جولتنا الصحفية قمنا بزيارة واحدة من صحائف التابلوبد «الصحافة الصفراء»؛ التي تعنى بالتركيز على جرائم القتل، وأخبار وفضائح السياسيين، والمشاهير. وعلى مدار الأسبوعين الماضيين، كان السبق الصحفي المتصدر الصفحة الأولى للجريدة؛ عن جريمة قتل صحفية شابة، بأيدي أحد المهووسين.

في بلد ينخفض فيها معدل الجريمة بشكل ملحوظ؛ يقابله شعور المواطنين بالأمن، ظلت رئيسة التحرير تحكي لنا بكل شغف الصحفي الذي تملكه، تتبعهم للحادثة وتغطيتها أولًا بأول، واهتمام الرأي العام بها، وما زال التحقيق والتغطية مستمرًا.

اعتزمت بعدها أنا وصديقتي على أن نُرسل لها يومًا ما جريدة أخبار الحوادث عندنا، «مفيش إثارة في الحياة هناك خالص يعني».

وبحديثنا عن الموت والحياة، استرسلنا في الحديث عن ما إذا كان مُقدرًا للجميع أن يدخل الجنة بعد الموت.

فما بال هؤلاء الناس الذين عاشوا حياتهم كلها في مكان أشبه بالجنة، غير مُدركين لمعان تضاد كثيرة، لم ترد في قواميسهم، هل ينتظرون دخول الجنة كمن عاش طوال حياته يبحث عن معناها وينتظرها في حياة أخرى؟!

تدور الأسئلة وتراودك كثيرًا، وأنت تبحث عن المغزى والسبب، ولكن قد تسلم الأمر لمن له العلم، وتبحث أنت عن السعادة الكامنة، في كل شيء يمر بنا ونعيشه.

علمتني التجربة أن السعادة يصنعها البشر، ولا تأتيهم منحة من السماء؛ فالسعادة لا تحتاج إلى استحالات كبيرة، فأشياء صغيرة قادرة على أن تهزنا في العمق، ولكن يبقى التطبيق هو العامل الأساسي.

وكما قال أنيس منصور: «إن السعادة تنتقل بالعدوى.. لا تنتظر عدوى أحد.. كن حاملًا لهذا الميكروب».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد