بانهيار العقد الاجتماعي بين الدولة الناصرية والطبقة الوسطى، وبداية عهد الانفتاح الاقتصادي، وإلغاء السادات في 1977م للاتحاد الاشتراكي واستبداله به المنابر الثلاثة، صار قانون النقابات معلقًا في الفراغ، وسقط ضمنًا شرط الانضمام للاتحاد الاشتراكي، وإن ظلت باقي القيود قائمة، خاصة المتعلقة بالنظام الانتخابي، والتي خدمت تنظيم الإخوان المسلمين إلى حد كبير، وبالطبع لا يمكن الفصل بين ما حدث في نقابة الأطباء في تلك الفترة عن التغيير العام الذي شهدته مصر بالصعود الكبير لحركات الإسلام السياسي، والتي بدأت من النشاط الطلابى في الجامعة منذ السبعينيات، وانخرطت في مواجهات انتخابية وجسدية شرسة مع طلاب التيارات اليسارية والناصرية في معظم الجامعات، لترث هي عمليًّا الاتحاد الاشتراكي داخل الجامعات ثم النقابات، خاصة مع دعم السادات الذي أراد تصفية المعارضة اليسارية والناصرية بالجامعات جزءًا من دعم سياسته الجديدة التي وضعت 99% من أوراق اللعبة في يد أمريكا.

كانت الخطوة التالية لهذا الجيل من الإسلاميين، والذي تصدره أسماء مثل عبد المنعم أبو الفتوح، وأبو العلا ماضى، وحلمي الجزار، وأسامة رسلان، وعصام العريان وغيرهم، هو العمل داخل النقابات المهنية، ومن ثم استغلال فترة الانفتاح السياسي في أوائل عصر مبارك لحيازة أغلبية مقاعد هذه النقابات، في الحقيقة لم يحدث ذلك بالصدفة، وإنما قدم الإسلام السياسى تطويرًا جديدًا لشكل العمل النقابي، جذب قاعدة كبيرة من عموم الأطباء والمهنيين لدعمهم.

فقد طرح الإخوان مفهوم النقابة الخدمية، فبدلًا من أن يكون دور النقابة الدفاع عن مصالح أعضائها وانتزاع حقوقهم من الدولة باستخدام أدوات نضالية، مثل المظاهرات والاعتصامات والإضرابات، روَّج الإخوان لمفهوم النقابة التي تخفف عن أعضائها وطأة العيش وغلاء الأسعار، وتعينهم على الحياة بشكل كريم، عبر خلق شبكات تكافلية ومعارض سلع بأسعار مخفضة، لذا خلا تاريخ نقابة الأطباء في الثمانينات من الإضرابات والاعتصامات ضد نظام مبارك أو حتى الاحتجاج على التدهور المستمر للرعاية الصحية، لكنه امتلأ بالعشرات من معارض السلع المعمرة والرحلات الترفيهية الرخيصة للأعضاء، وقروض الشقق السكنية والسيارات، والقروض الشخصية، ومشروعات العلاج المخفض، كانت النقابة تتحرك لسد الفراغ الناجم عن انسحاب الدولة عن دعمها الاجتماعى لمواطنيها، لكنها لم تكن تتحرك لفضح ووقف هذا الانسحاب، كما أن الدولة تغاضت عن هذا لما يقوم به الإخوان من تخفيف للعبء عن كاهلها.

جدير بالذكر أن الثمانينيات كانت أيضًا هي بداية ظهور شبكة المراكز والمستوصفات الخيرية، والتي مثلت استثمار رأس مال ضخم للجماعة وأنصارها العائدين من الخليج، ومتنفسًا لزيادة دخل الأطباء المطحونين في وزارة الصحة، ومخرجًا للمريض الفقير من غياب الدولة عن تقديم الرعاية الصحية بعد تدهور مستوى المستشفيات العامة والمراكز الصحية الحكومية.

وهكذا بقدر ما طبقت الدولة سياسات التقشف والليبرالية الجديدة، وانسحبت من دورها الاجتماعي، بقدر ما زاد الإخوان في النفوذ والتأثير والحجم واحتلالهم لهذا الفراغ سواء سياسيًّا ونقابيًّا، ومن الجدير بالذكر أن اليساريين والناصريين والليبراليين «القوى المدنية» اختارت نقابيًّا تكتيك اليسار الستاليني نفسه على المستوى السياسي، وانحاز معظمهم للدولة في مواجهة خطر التطرف الإسلامي والصعود الإخواني والقوى الظلامية وفق تعبيراتهم، ونتج من هذا تحالف بعض الكوادر اليسارية والليبرالية النقابية مع كوادر الحزب الوطني أو حتى مع بعض الانتهازيين في مواجهة الإخوان، والمحصلة كانت خطابًا نخبويًّا داخل النقابات، أدى لاضمحلال التأثير النقابي للتيارات اليسارية والمدنية وانخفاض حجم المؤيدين لها خلال تلك الفترة، وهو ما حدث نفسه على المستوى السياسي.

كان الاختيار محسومًا بالنسبة للغالبية العظمى من الأطباء في هذه الفترة، ففي ظل غياب أي بديل نضالي يطرح تصورًا مختلفًا للعمل النقابي، كان الاختيار دومًا بين الحزب الوطني وآلته الحزبية المنتشرة على مستوى الجمهورية، أو جماعة الإخوان وآلتها التنظيمية الضخمة، والتي كانت تنمو بمعدلات خرافية، وبالفعل نجح الإخوان باكتساح في انتخابات 1984 و1988، ليس هذا فقط، بل إن الإخوان نجحوا في عقد مؤتمر داخل نقابة الأطباء في 1990م، وطرح عدد من المطالب الديمقراطية على مبارك مثل إلغاء قانون الطوارئ ورفع القيود عن الصحافة، ووضع ضمانات لنزاهة الانتخابات وتخلي الرئيس مبارك عن رئاسة الحزب الوطني، وهو المؤتمر الذي خلق الصدام مع الدولة منذ التسعينيات، لتنتهي الثمانينيات بسيطرة ساحقة للإخوان على معظم النقابات المهنية، وعلى رأسها درة التاج – نقابة الأطباء- وفشل ذريع للحزب الوطنى والتيارات اليسارية على مستوى معظم النقابات المهنية.

مع نهاية الثمانينيات كان النظام قد شعر بخطورة صعود التيار الإسلامي وسيطرته على النقابات المهنية، بالتزامن مع رغبته في تمرير سياسات صندوق النقد الدولي، وتدشين مرحلة جديدة في سياسات الليبرالية الجديدة بقوانين الخصخصة الشهيرة، مثل قانون قطاع الأعمال العام رقم 203 لعام 1991م، وقانون تحرير إيجارات الأراضي الزراعية 1997م، مع تسريح الآلاف بالمعاش المبكر بالتزامن مع خصخصة شركات القطاع العام، كان النظام يتقدم في إجراءات التقشف والإفقار بقسوة غير مسبوقة، ويضع ملايين المصريين تحت رحمة قوانين السوق، لذا كان لا بد من كسر الحركة العمالية والسيطرة الكاملة على النقابات، فجرى اقتحام إضراب عمال الحديد والصلب في 1989م، والتضييق على الإخوان في المجالس البرلمانية، ومن ناحية أخرى كان قانون تجميد النقابات 1991م سئ السمعة، والذي فرضته الدولة لمنع سيطرة الإخوان على النقابات المهنية، وهو ما قابلته الأحزاب المدنية وقتها بالتهليل والتصفيق باستثناءات قليلة للغاية.

كشف هذا القانون عن عجز النظام عن مواجهة الإخوان في الانتخابات واضطراره لاستخدام أحد أسلحته المشهورة «القضاء» لوقف الزحف الإخواني والذي امتد حتى لنقابة المحامين معقل الناصريين الشهير، ولكن برغم التضييق والتعسف من جانب الدولة اكتسحت كوادر الإخوان في انتخابات 1992م معظم مقاعد نقابة الأطباء بعد الوصول إلى صيغة توافقية مع رمز الحزب الوطني حمدي السيد.

وعندها استخدم النظام أكثر من تكتيك لوقف تقدم الإسلاميين داخل النقابات، الأول كان تمرير القانون 100 لسنة 1993م، والذي عطل الانتخابات واشترط لإجرائها موافقة رئيس محكمة جنوب القاهرة، أو عقد جمعية عمومية تضم 50% من أعضاء الجمعية العمومية للنقابة؛ أي ما يزيد على 100 ألف طبيب (استاد القاهرة يتسع لـ80 ألفًا فقط)! مما منع قيام انتخابات حتى سقوط القانون بقرار المحكمة الإدارية العليا الأول من يناير (كانون الثاني) 2011م، وبعد الحكم مباشرة كان يجري الإعداد لقانون أشد للمناقشة والإقرار بتاريخ 23/1/2011، ولكن قيام الثورة حال دون ذلك وأعادنا إلى قانون 45 لسنة 1969م، والتكتيك الثاني كان فرض الحراسة على بعض النقابات المهنية مثل نقابة المهندسين، والثالث عمل قبضات أمنية لعدد من العناصر الناشطة داخل النقابات المهنية، مثل عصام العريان، وأبي الفتوح وغيرهم، وهكذا انتهى الوضع فى التسعينيات بحالة من توازن الضعف داخل نقابة الأطباء مع حسم الوضع بباقي النقابات لصالح فرض الحراسة مثل نقابة المهندسين، لتظل النقابة متنفسًا للإخوان، بشرط أن يكون حمدي السيد العضو بالحزب الوطني هو النقيب والمتحدث الرسمي للنقابة، والحرص على عدم الصدام مع رأس الدولة، استمر هذا الشكل حتى مطلع الألفية الجديدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد