في المقابل كان هناك تحديًا كبيرًا داخل هيكل أطباء بلا حقوق بعد الثورة، وهو الأعداد الكبيرة من الأطباء التي اندفعت للشأن العام، والتي شكلت معضلة للتنظيم المغلق لبلا حقوق، والذي اكتسب الطابع الستاليني شديد المركزية من قياداته الأكبر سنا مع انشغال شباب الحركة في فعاليات سياسية عديدة للثورة، مما أدى إلى انغماس قطاع من شباب الأطباء في تكوينات بديلة أكثر انفتاحًا أشهرها «ائتلاف شباب الأطباء» والذي كان امتدادًا لحركة شبابية للأطباء تشكلت قبل الثورة بقيادة دكتور أحمد عاطف أشرنا لها سابقا ومجموعة شبابية أخرى حملت اسم «ألتراس أطباء»، وطوال 2011 و2012 كان الهم الأكبر لبلا حقوق هو الحفاظ على مكانتها وسط تلك الكيانات الصاعدة، واستيعاب كوادرها الأبرز وتوجيه المجهود المشترك بين هذه الكيانات ضد نقابة الأطباء ذات الأغلبية الإخوانية.

وبالرغم من النجاح الكبير لهذه السياسة، والتي أسفرت عن دخول دكتورة منى مينا إلى مجلس النقابة العامة 2011 بعد أول انتخابات نقابية منذ 19 عامًا، ومعها أقلية معتبرة من زملائها، إلا أن بلا حقوق واجهت تحديا آخر كبيرا بداية من منتصف 2012، فعلى عكس الممارسات الستالينية المركزية التي كانت تمارسها القيادة الأكبر سنا داخل الحركة، التي تعزز العزلة بين عضوية بلا حقوق، وجعل نفسها مركز الاتصال الوحيد فيما بينهم، أتاحت ظروف الثورة المصرية والنمو الهائل في وسائل الاتصال فرص كبيرة للتواصل والتنظيم بين ملايين من البشر في مصر، ولم يكن نشطاء بلا حقوق المبعثرين بطول مصر وعرضها استثناء من هذه القاعدة، فقد أتاحت لهم وسائل التواصل الاجتماعي والفعاليات العديدة من مظاهرات واعتصامات وإضرابات فرصًا عديدة للقاء والتواصل والنقاش، وقد حفز هذا ظهور مراكز مختلفة للتأثير داخل أطباء بلا حقوق موزعة جغرافيا وبرامجيا، وكان كثير من هذه المراكز خاص بـ الانتهازيين ذوي الطموحات والمصالح الشخصية، وآخرين معادين للإخوان بشكل برجماتي ورأوا في بلا حقوق فرصة للتغلب على الإخوان كخصوم سياسيين.

كما كان هناك مركز لهؤلاء المهتمين بتطوير الحركة الاحتجاجية للأطباء ومنحها أبعادًا أكثر جذرية في التعامل مع السلطة وتجاوز ثنائية العسكر والإخوان، وخلق استقطاب طبقي جديد من داخل النقابة بين الأطباء العاملين بأجر وبين أساتذة الجامعات وأصحاب المستشفيات الخاصة والأطباء العاملين بالمراكز القيادية للدولة، مع رفض عودة مفهوم النقابة الخدمية والسعي لترسيخ مفهوم النقابة النضالية في وعي الأطباء، والسعي لتوسيع شبكة التنسيق مع باقي أعضاء المهن الطبية، ومثل هؤلاء أقلية شبابية في القاهرة والإسكندرية وأغلبية شبابية في المنصورة وبورسعيد، كان أحد المكونات الرئيسية لهذا المركز هو «مكتب الأطباء بحركة الاشتراكيين الثوريين» مع العديد من المستقلين، كانت تجمعهم بالأساس رؤية مشتركة، تنتقد الخط العام لـ أطباء بلا حقوق، والمركزية المفرطة في اتخاذ القرارات، والأهم تنتقد رؤية الجناح الأكبر سنا والمتمركز في القاهرة والخاص بطبيعة تكوين ودور النقابة.

كان الخلاف في جوهره بين مجموعة ترى ضرورة فتح أبواب بلا حقوق وكسر العصبوية والمركزية القديمة التي تكاد تخنق الحركة وتقلل من فرص نموها، وبين مجموعة أخرى تخشى من الانفتاح السريع وعواقبه على التماسك والانسجام بين أعضاء الحركة وتصر على الثبات حول المجموعة المركزية القديمة، كما كانت ترى هذه المجموعة الأكثر شبابية أن بيت الداء في رؤية الجناح الأكبر سنا هو الرؤية البيروقراطية لطبيعة العمل النقابي التي تفصل تعسفيًا بين ما هو اقتصادي وما هو سياسي، وتفترض عزلة نقابة الأطباء عن باقي النقابات وباقي القوى الاجتماعية والسياسية الفاعلة بالمجتمع، واقتصار دور النقابة على التفاوض مع الدولة التي تفترض فيها الحياد للحصول على بعض المكاسب الجزئية، كانت تنتقد الرؤية التي تخلط بين تحزيب العمل النقابي الذي يعني اختطاف النقابة لصالح كيان حزبي بعينه كما فعل الإخوان في السابق، وبين الدور السياسي للنقابة الذي يعني الانفتاح على قضايا المجتمع مثل القضية الفلسطينية والتفريط في جزيرتي تيران وصنافير وتحرير سعر الصرف وتحرير سعر الدواء..الخ، مع الحرص الكامل على السعي لتحسين المناخ النضالي العام كجزء لا يتجزء من ضمان أمان واستمرارية النضال النقابي الخاص، فلا يمكن ممارسة العمل النقابي في مناخ سياسي غير منفتح وغير ديمقراطي، كما أنه لا يمكن تحقيق هذا المناخ المنفتح والديمقراطي دون مشاركة للنقابات في النضال السياسي من أجله.

هذا الخلط والتشوش في الرؤية الذي دفع بالمجموعة المركزية بعد تحقيق الأغلبية في 2013 إلى اتخاذ مواقف مخزية رسخت بشكل غير مباشر لغلق المناخ الديمقراطي العام، وبالتالي انعكاس هذا في الشأن النقابي الخاص، وبالتالي النهاية المؤسفة لنقابة الأطباء التي نراها هذه الأيام. وهنا يجب الإشارة إلى أن أحد المشاكل الرئيسية التي واجهت هذه المجموعة من شباب الأطباء الراديكالي كانت «عدم التفرغ للعمل النقابي» نظرا لالتزاماتهم العائلية والمادية والدراسية وهم في مقتبل العمر، وهذا ما حد من قوتهم وتأثيرهم في مواجهة المجموعة المركزية من كبار السن المتفرغين للعمل النقابي.

ومن الطريف أن مجموعة الأطباء داخل «مكتب الأطباء بحركة الاشتراكيون الثوريون»، كانوا يكافحون أيضا داخل التنظيم لإقناع باقي الزملاء بأن الأطباء العاملين بأجر جزء من الطبقة العاملة، وللتنبيه إلى مدى خطورة البيروقراطية على أداء نقابة الأطباء والعمل النقابي عموما في المستقبل!

ثم كان إضراب أكتوبر 2012 الشهير (قام على خلفية إعلان الطبيب مصطفى البحيري الإضراب عن الطعام والاعتصام بمقر النقابة العامة لحين تحسين أحوال الأطباء والصحة في مصر، وتم هذا بالتنسيق مع ثلاثة من عضوية أطباء بلا حقوق كنت أحدهم)، هذا الإضراب الذي تم إقراره في جمعية عمومية حاشدة هرب منها أعضاء مجلس النقابة التابعين للإخوان من الباب الخلفي واستكملت الجمعية العمومية بدونهم، استمر ما يقارب الـ3 أشهر في مواجهة نظام محمد مرسي ومجلس النقابة العامة للأطباء ذات الأغلبية الإخوانية الرافضه لإقراره، بل وقام الأطباء الإخوان من كبار السن بكسر الإضراب في العديد من المستشفيات، كما لوحظ ما خلقه هذا الإضراب من استقطاب طبقي قوي بين قيادات الجماعة من الأطباء المصرين على كسر الإضراب وشباب الأطباء المصرين على استكماله.

كما أتاح هذا الإضراب فرصة لبلا حقوق لالتقاط الأنفاس، وهروب المجموعة المركزية من الانتقادات الحادة لمحور المعارضة الشبابي حول المركزية داخل الحركة، وحول الأداء المتدني للنقابات الفرعية التي حازت أطباء بلا حقوق على أغلبية مقاعدها، وحول الشكوك المتزايدة حول الحلفاء في نقابة الإسكندرية وأدائهم النقابي الانتهازي والذي يختلف كثيرًا عن الخطوط العامة للحركة وعلاقتهم برجال النظام القديم والدولة العميقة، كما كشف الإضراب القوى والممتد مجلس نقابة الأطباء المنتمي للإخوان، وحرقهم ليس فقط أمام جموع الأطباء بشكل لا رجعة فيه، ولكن أحرجهم بشدة أمام قواعدهم التنظيمية من شباب الأطباء المنتمين للجماعة، كما أن ما حدث من تنسيق سري بين المجموعة المركزية لبلا حقوق مع وفد الرئاسة دون إعلام أي من عضوية بلا حقوق بالمحافظات كشف عن حالة المركزية والوصاية التي تفرضها أغلبية مجموعة القاهرة على باقي المجموعات، وأن هناك حالة من غياب الشفافية مع قواعد الحركة، باختصار كان إضراب 2012 كاشفًا على كل المستويات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد