في البداية وجب التنويه إلى أن هذه السلسلة من المقالات هي ثمرة تعاون مع اثنين من أفضل النقابيين للأسف رفضا نشر اسميهما

لماذا تسود اليوم حالة عامة من الإحباط وفقدان الأمل في التغيير بين قطاعات كبيرة من الأطباء؟ وما هو السبب الأدق لهذه الحالة في ظل تضارب الآراء بين الأطباء؛ فالبعض يلقي بالتهمة على سلبية جيوش الأطباء، والبعض يلقي اللوم علي الطبيعة الإصلاحية والبيروقراطية لعضوية مجلس النقابة، والبعض يشكك في قدرة نقابة الأطباء، والنقابات المهنية عامةً على الدفاع عن أعضائها في ظل حالة القمع التي نعيشها اليوم.

ولو كان هناك دور لطبيعة تركيبة النقابة في هذا الشلل والعجز؛ فهل الحل في مشاركة النقابة في الشأن السياسي أم في عزوفها عنها؟ وهل هناك بالفعل انفصال بين ما هو شأن نقابي وما هو شأن سياسي؟ وما هي حدود هذا الانفصال؟

للإجابة علي هذه الأسئلة وغيرها، كان لابد لنا من الخوض عميقًا في جذور نشأة نقابة الأطباء، والسياق التاريخي لتطورها، ليس فقط من أجل الإجابة عن هذه الأسئلة بخصوص ما حدث في الماضي وأسبابه، ولكن الأهم لتوضيح مدى التداخل التاريخي بين ما هو اقتصادي، وما هو سياسي في دار الحكمة، والأهم استشراف حلول تعين الحراك النقابي الطبي في المستقبل وتستفيد من هزائم الماضي.

تاريخيًّا، نشأت نقابة الأطباء على يد علي باشا إبراهيم وزير الصحة عام 1940م، وكان هو أول نقيب لها ويوضح هذا مدى التداخل بين نقابة الأطباء ومؤسسات الدولة، وفي الحقبة الناصرية جرى التأطير القانوني لهذا، باستصدار قانون في 1963م، يشترط في الانضمام لمجالس النقابات المهنية والعمالية عضوية الاتحاد الاشتراكي، ثم جاء القانون رقم 45 لسنة 1969م، واللائحة المنظمة له رقم 235 لسنة 1974م، لترسخ هذه التبعية للدولة/الحزب؛ إذ جعل هذا القانون من مؤسسات الدولة مرجعية دائمة للنقابة، وضمن رقابة صارمة على أداء مجلسها وسيطرة كبيرة على عضويتها.

فهو يشترط في مادته الأولى على أن النقابة تباشر نشاطاتها في إطار السياسات العامة للاتحاد الاشتراكي، ووفقًا للمادة (3) لا يجوز مزاولة المهنة بأي صورة من الصور، إلا بعد القيد في الجدول العام للنقابة والتسجيل بالنقابة الفرعية، كما أن استمرار القيد شرط من شروط مزاولة المهنة، ولا يمكن تعديل هذا القانون سوى من الجهة التشريعية، كما أن اللائحة المنظمة رقم 235 تنص على عدم جواز تعديلها إلا بعد موافقة وزير الصحة؛ مما يعطي للدولة الوصاية الكاملة على قرارات الجمعية العمومية؛ والتي يفترض أنها السلطة العليا داخل أي تنظيم نقابي.

كما أن هذا القانون قضى على خيار التعددية النقابية بالتبعية الإجبارية لكل ممارسي المهنة لنقابة واحدة، ولم يضع أي شروط للحد الأقصى لدخل العضو بالنقابة، وهو ما خلق تركيبة غير متجانسة اقتصاديًّا واجتماعيًّا بداخلها كان لها أثر كبير (مع اتساع الفوارق الطبقية بين الأطباء منذ نهاية السبعينيات) في إضعاف أي إمكانية لخلق تماسك على مجموعة من المطالب الواضحة والناجزة، والتوافق على آليات لتنفيذها نظرًا للتناقض في المصالح بين مكوناتها؛ فمثلًا صاحب المستشفى الخاص لن يقبل بتحسين مستوى الخدمة بالقطاع الحكومي، أو عمل تأمين صحي شامل بالمجان، أو عمل كادر خاص للأطباء العاملين بأجر؛ فهذا يتعارض مع مصالحه المباشرة ويقتطع جزءًا من أرباحه، وكذلك تتعارض مصالح الأطباء ذوى المناصب الإدارية العليا مع الأطباء الشبان فى المستشفيات، والمراكز الصحية؛ إذ يكون ولاء أصحاب المناصب، ومصالحهم مع السلطة التنفيذية أكثر بكثير من ولائهم ومصالحهم مع زملائهم الأطباء.

وكما قامت الدولة عبر القانون واللائحة بتحديد الإطار القانوني العام لأداء نقابة الأطباء قامت بدور أكبر في رسم القالب القانوني الذي تجري في إطاره الانتخابات النقابية عبر نفس اللائحة والقانون، بما يصب في صالحها، فوفقًا للمادة (18) من قانون 45 «يشترط على المرشحين في النقابة العامة، وعددهم 6 أعضاء فقط، كل تجديد نصفي الترشح في كل أنحاء الجمهورية»، بما يعني الوصول لما يزيد عن 230 ألف طبيب موزعين على 29 محافظة من الإسكندرية وحتى أسوان؛ مما يعني استحالة الوصول لجموع الناخبين دون تنظيم قوي وقدرات مالية عالية.

وكذلك مندوبي القطاعات، فمندوب قطاع شرق الدلتا مثلًا، وهو واحد فقط في كل تجديد نصفي يجب عليه الوصول للأطباء في 8 محافظات وهي (دمياط – الدقهلية – الشرقية – بورسعيد – الإسماعيلية – السويس – شمال وجنوب سيناء – البحر الأحمر)، كما أن المرشحين بالنقابة الفرعية وعددهم أربعة أعضاء كل تجديد نصفي؛ لم يراعَ أثناء تحديد أعدادهم وآلية اختيارهم لتمثيل الإدارات الصحية، والمستشفيات الكبيرة، ودون حتى مراعاة للفارق بين المحافظات الصغيرة، والمحافظات الكبيرة.

كما تنص المادة رقم (41) من اللائحة المنظمة على إقامة الانتخابات بصناديق اقتراع في النقابة الفرعية فقط؛ مما يضع عقبات أمام التصويت خاصةً في المحافظات الكبيرة، كما يسمح للقوائم المدعومة من التنظيمات الكبيرة أو المدعومة من الدولة بالحشد بالأتوبيسات يوم الانتخاب، مما يخلق حالة رهيبة من الزحام والتكدس أمام صناديق الاقتراع، ويدفع بعض الأطباء خاصة غير المسيسين للملل والنفور من المشاركة.

مما يعني ضمنيًّا أن الأكثر قدرة على الوصول لإدارة النقابة في الغالب هم: إما قوائم المدعومين من الدولة أو من أصحاب المستشفيات الكبرى أو من مديري المستشفيات والمديريات، والذين تم اختيارهم للمناصب وفقًا لتقارير أمن الدولة، وإما تنظيم قوي مثل تنظيم الإخوان المسلمين.

وضع كل هذا عقبات مالية وتنظيمية وجغرافية صعبة أمام المرشحين خاصة غير المدعومين من الدولة أو تنظيم قوي، وفتحَ الباب للتحالفات الانتهازية اللامبدئية كما أنه سهل من إمكانية عزل المرشحين عن ناخبيهم حال فوزهم، مما يجعلهم فريسة سهلة للدولة والبيروقراطية الحكومية والنقابية ويسمح ببقرطة العملية النقابية، خاصة وأن القانون تجاهل متعمدًا حق سحب المندوبين النقابيين في حال عدم رضا الناخبين عنهم، وأيد استمرارهم حتى إكمال مدتهم.

كان لهذه المركزية الشديدة أثر بالغ الحدة فى تحجيم الحركة النقابية وتأثيرها؛ خاصة في أحقاب زمنية لم تكن فيها وسائل التواصل الإليكترونى من كمبيوتر وإنترنت وهواتف محمولة، وحتى هواتف أرضية، قد تطورت لما نحن عليه الأن.

و قد كان إقرار هذا القانون وهذه اللائحة في الستينيات والسبعينات جزءًا من سياسة عامة استخدمتها دولة ضباط يوليو، لتأميم الحركة النقابية كجزء من تأميم الحراك الجماهيري بالكامل وإلحاقه بالاتحاد الاشتراكي، ويجب ألا ننسى الصدام الكبير الذي جرى بين الضباط الأحرار ونقابة المحاميين، والصحفيين، فيما أُطلق عليه وقتها أزمة الديمقراطية، وأدي إلى حل مجلس نقابة المحامين، واعتقال المئات من عضوية النقابتين، وكان من ضمن التكتيكات الناصرية المتبعة لاحتواء النقابات، التوسع في السياسات الداعمة للطبقة الوسطى اقتصاديًّا واجتماعيًّا لتلطيف العلاقة بين الأطباء وباقي المهنيين مع الدولة، والسماح لها بتأميم العمل النقابي والسيطرة عليه دون مقاومة تذكر، وهكذا حولت السلطة الناصرية نقابة الأطباء وغيرها من النقابات إلى هياكل صفراء ميتة تعيش فى كنف النظام، وتعمل فى صفه، وحرصت السلطة على ضمان ولاء البيروقراطية النقابية لها بشكل سياسي مباشر وفج.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد