رأفت رحيم

147

رأفت رحيم

147

بعد أن اعتلى الخطيب المنبر وصلى على النبي وحمد الله وشكره، بدأ في التقديم للخطبة التي كان موضوعها «نبي الله يوسف». وقبل أن يبدأ الخطبة، وقف صديقي أشرف في منتصف المسجد وقاطع الإمام بكل أدب قائلًا:

«يا مولانا، لقد حفظنا قَصَص الأنبياء عن ظهر قلب. نعرف جميع الحِكَم في قَصَص سيدنا موسى وعيسى وهارون. نعرف إخوة يوسف، وحوت يونس، وامرأة لوط، وهارون وقارون، وعزيز مصر. نريد منك أن تحدثنا عما نحن فيه الآن. حدثنا عن الحياة خارج جدران هذا المسجد. كيف نحياها؟ حدثنا عن العدل والظلم والقتل العصري».

بالطبع لم يلاقِ اعتراض أشرف استحسان الإمام ولا القابعين في الصفوف الأولى وبدأت همهمة واستهجان انتهت بأن أشرف قليل الأدب وأن ما فعله بدعة ولابد أن يطرد ولن تقبل منه صلاة بعد اليوم.

تذكرت موقف أشرف هذا وأنا أتابع بعض حسابات دار الإفتاء المصرية على السوشيال ميديا. كل بضعة أيام يأتي شيخ موقر في فيديو لكي يجيب على تساؤلات المواطنين التي ظننتها مهمة. شاهدت فيديو عن طلاء الأظفار (مانيكير) والوضوء وعن الحب الشرعي وقرأت فتاوى عن حلاقة الذقن وشعر العانة. وكما ترى كلها مشاكل مصيرية تقف بين المجتمع ونهضته والعبد وقوة إيمانه!

نفس دار الإفتاء المصرية هاجت وماجت عندما أعلن الرئيس التونسي ما أعلنه بخصوص المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث. تخلت دار الإفتاء المصرية عن أهمية أحكام طلاء الأظفار وشعر الذقن واهتمت بما قاله السبسي وكأن تونس ليس بها دار إفتاء أو أنهم تعلموا الإسلام منذ يومين.

لماذا انشغلت دار الإفتاء المصرية بالمانيكير وشعر العانة داخليًا واهتمت بالشرع خارجيًا؟ لماذا لا يهتم مفتي الجمهورية بأحكام الإعدام التي يُصدق عليها يوميًا في قضايا ظالمة وأدلّة واهنة مُلفقة؟ هل شعر العانة أهم عند الله من القتل خارج نطاق القانون والاختفاء القسري والتعذيب والأحكام المزورة؟ أم أن دار الإفتاء تمسك العصا من المنتصف؟ تفتي فى أمور الدين الحيوية عندما تكون خارج الحدود فقط. أمّا الأمور الداخلية التي تحدث على بعد خطوات قليلة من دار الإفتاء، فهي لا تعنينا ولا يجب التطرق إليها؟ بالتأكيد لقد قرأ كل شيوخ «المانيكير» ابن تيمية وقرأوا رأيه عندما قال إن أكثر ما يفسد الدنيا نصف متكلم، ونصف متفقه، ونصف طبيب، ونصف عالم. يعني لا تجوز أن تكون مُتفقهًا فقط في الشعر وطلاء الأظفار وتترك عظائم الأمور!

هل نسي أم تناسى مشايخ دار الإفتاء دعوات المسؤولين للشعب بالتحلي بالصبر والتحمل حتى لو وصل به الحال لأكل أوراق الشجر كما صرح أحد الوزراء؟ هل يأكل أي من هؤلاء المسؤولين ورق الشجر؟ هل يركب أي منهم المواصلات العامة؟ هل يتعالج أي منهم في مستشفيات البلد الحكومية؟ ألم يقل الشيخ محمد الغزالي إن «كل دعوة تُحبب الفقر إلى الناس أو ترضيهم بالدون من المعيشة أو تقنعهم بالهون في الحياة أو تصبرهم على قبول البخس والرضا بالدنية فهي دعوة فاجرة يُراد بها التمكين للظلم الاجتماعي وإرهاق الجماهير الكادحة في خدمة فرد أو أفراد وهي قبل ذلك كله كذب على الإسلام وافتراء على الله»؟

لماذا يتجاهل هؤلاء المشايخ المشاكل الحقيقية؟ لماذا لا يقوم أي منهم بتشجيع الناس على الوقوف أمام الظلم؟ لماذا لا يجيب هؤلاء عن دعوة «أشرف» عندما سأل كيف يجب علينا أن نعيش؟ أو السؤال الأصح: كيف لنا أن نعيش أحرارًا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك