ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، ويقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا. سورة الفتح 14. والله يرحم من عباده الرُحماء، والراحمون يرحمهم الرحمن. وأما عن هذه الكرة الأرضية القذرة التي وصلت لمرحلة كبيرة من الانحطاط والتي تجردت من الرحمة والإنسانية وبعضهم من تجرد من الإسلام والعقيدة إلا ما رحم ربي. على حدود دولة عربية وحدود دولة إسلامية يجلس الآلاف من أهالي درعا المستضعفين الذين لا ناصر ولا عون لهم إلا الله سبحانه وتعالى، والقليل من أهل الخير، وأما العالم الإسلامي والعربي والغربي يجلس أمام التلفاز ويشاهد التنكيل والقصف والتهجير والقتل والإبادة من غير أن يحركوا ساكنًا، وهذه عادتهم كما شاهدوا من قبل حلب وحمص عاصمة الثورة والغوطة وغيرهم في سوريا أو غيرها.

ولكن إن فتحتم الحدودَ أو لم تفتحوها فلا تنسوا أن الله يرى وفاتح أبواب سماواته لمن سوف يدعي عليكم ويطلب منه أن يأخذ حقه وسيستجيب الله والحساب يوم القيامة، وتذكروا أن جزاء العمل بالعمل وجزاء الإحسان بالإحسان، ولا تنسوا أن الله في عون العبدِ ما كان العبد في عونِ أخيه.

وأما بشكلٍ عام فمنذُ 2014 تقريبًا بدأ مسار واتجاه الثورة السورية بالتراجع بشكل كبير على كل من الأصعدة العسكري والسياسي وحتى الإعلامي ففي المجال السياسي تدخلت أجندة كثيرة ومتعددة وعلى العلن سواء مع النظام وميلشياته أو الدول التي تدعم الثوار وتقوم باستغلالهم، وبدأ كل من على الأرض يريد أن يحقق ما يرد، بينما في المجال العسكري باشَرَت فصائل الجيش الحر بخسارة الكثير من المناطق والأماكن التي كانت تبسطُ سيطرتها عليها ولو لم نبالغ هناك العديد من المناطق التي تم بيعها للنظام أو لميلشياته مقابل تحقيق المصالح الوسخة وأصبح الجيش الحر عبارة عن جماعات مُسيّسة.

بينما على الصعيد الإعلامي بدأ التراجع عندما بدأت وسائل الإعلام تطلق على الثورة اسم حرب، وبهذا الأمر حدثت كارثة لأنه بذلك التغيير تبدلت الأسباب والمعطيات وأيضًا النتائج فبينما كان الشعب السوري يطالب برحيل آل الأسد بعد خمسين عام من القمع والفساد والاستبداد حولوها إعلاميًا إلى حربٍ أهلية وحرب طائفية وحرب يريد كل منهم تحقيق مصلحته ما عدا مصلحة الشعب ولربما لو بقي الإعلام يساند الثورة لكانت اليوم منتصرة أو كان حالها أفضل ففي الثمانيات عندما قام حافظ الأسد بارتكاب أفظع وأكبر المجازر في مدينة حماه والتي قُتل فيها الآلآف من المدنيين لم يكن هناك وسائل إعلام وما نُشر وعُرف ما كان إلا قليل وبذلك تمكن حافظ الأسد من أنهاء أحداث الثمانينات واستمراره بالحكم لحين اندلاع الثورة عام 2011 والثورة السورية. ودرعا اليوم لا تحتاج لحملات ولا لوقفات، رغم أني أدرك أهميتها وخاصة بهذه الأيام ولا تحتاج إلى كذب من فصائل المعارضة ولا إلى أستانات وجينيفات إنما تحتاج إلى من يدرك أهميتها بأنها أم الثورة وبأننا من هناك بدأنا ولأجلها خرجنا ونادينا، وتحتاج إلى حل عسكري أو سياسي أو حل على الأرض لا تراجع فيه يمكننا من تحقيق مطلبنا الوحيد ونصرتنا، وإلا سنعترف بخسارة كبرى لن تُنسى.

سيناريوهات تتكرر والمشاهد مستمرة قبل أعوام معركة حلب ومن ثم الغوطة وهذه المرة درعا، ولكن المشهد مختلف فهو أكثر حساسية وأكثر أهمية؛ لأن من درعا بدأت أولى صرخات الثورة السورية، ومن هناك خرجنا، ولو سقطت درعا اليوم، فأعتقد أن هذا سيؤدي إلى انتهاء الثورة كما سقطت حلب سابقًا ورأينا تأثيرها ونتائجها على الثورة.

من قال إن السيناريو لم يتكرر فهو مخطئ مثل كل مرة حصار يتبعه القصف وسماءٌ لا تخلو من طائرات الموت والبراميل والقنابل تهطل فوق رؤوس المدنيين، والأغرب من ذلك أن من بإمكانهم تحريك ولو شيء بسيط في هذا العالم، لا زالوا في حالة ثبات لن يستيقظوا منها إلا يوم البعث.

خسارةٌ أولًا وآخرًا، ولكن خسارة بشرف ونحن واقفين على شكل منتصرين حتى ولو كان تمثيل أو خسارة عسكرية بدون خسارة الآلآف من أرواح المدنيين خيرًا من خسارة على شكل تفاوض مع القاتل وقتل الأبرياء والمستضعفين.

إياكم وسقوط درعا ولا تفاوضوا القاتل والمجرم فإذا خسرنا درعا فسلامٌ لثورتنا وستبقى الثورة فقط في قلوبنا وفي القليل من كتب التاريخ، لا تفاوضوا فهناك أمهات شهداء وهناك معتقلين وهناك خذلان لا يزال عنا طوال حياتنا، وهناك مهجرون ولاجئين وهناك الآلاف من الأطفال التي سرقت ابتسامتهم وحقوقهم لا تفاوضوا ودعونا نحقق مصالحتنا وتنتصر ثورتنا فهي كانت أملنا الوحيد ومطلبنا.

وأخيرًا أقول: إن الذين يقاتلون بحق لهم أن يأملوا في النصر، أما الذين لا يقاتلون فلا ينتظرون شيئًا إلا القتل. كما أقول أن الثورة علمتّنا أنه لازال هناك نخوة عربية حتى وإن أصبحت نادرة، وفي المقابل علمتّنا أننا لا نملك لا نخوة ولا ضمير لحكامِ العرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد