على بعد أمتار من الجسر الذي انبسطت يداه على حافتي الطريق، اضمحلت صخور عظيمة وخبأت رأسها تحت ركام نفسها من هول ما حدث ! إنه الجسر الذي وقف شامخًا وهو يمسك بكلتا يديه طرفي الشارع بشدة، عساه لا يحول النفق تحته إلى رماد كتلة إسمنتية إذا ما أذنت جاذبية الأرض له بالهبوط.

سنوات عجاف مرت عليه فلم يبل، وعواصف هوجاء اقتلعت كل ما يحيط به فلم يتزحزح، وأنهار غطت مياهها جانبيه فلم يصدأ !
بدا ساكنًا كالليل صامدًا كأنه جبل من جليد تتهادى الأمواج من تحته وهو يعتليها ثابتًا كتعاقب الليل والنهار راكنا رزينا متصلب الجذور كشجرة في قاع واد سحيق لا صدى صوتٍ يصدره سوى أزيز ارتجاج القاطرات فوقه وتحته.

كان البقاء على تلك الشاكلة سامحًا للحافلات بالمرور فوق ظهره وتحت صدره، وهو يذعن بالوداعة والرضوخ وقد أناخ لهن رقبته كأسد سلبت من راحتيه البراثن واقتلعت من بين فكيه الأنياب.

وعلى صفحة السماء المقابلة لذاك الجسر وفي ساعة الظهيرة اختلطت الصورة المنعكسة عليها، فبدت داكنة تعكس ليلًا أسود مظلمًا كئيبًا يئن وكأن أحدا قد غرز في قلب الشمس خنجرًا أجبرها فيه على الغياب أو آذن لها بالرحيل الأبدي إلى عالم الآخرة.

وبقي الأنين يتعالى عساه يوقظ قمرًا يطل بنوره فيبدد الليل ليطلع الفجر من جديد على ذاك الجسر المجاور للمدرسة بدأ كل شيء !
فلا يزال بقايا سائل الخط الأحمر يقطر من حبيبات الإسمنت الخشنة الملتصقة ببقايا سوره الجانبي بعد أن خطت خربشات لم يفهمها أحد !
كانت واضحة جدا إلا أن أحدًا لم تجرؤ مخيلته على أن يرسمها بشكلها الصحيح؟!

ربما كانت تلك الخربشات هي باب يخشى فتحه بعد أن أغلق في ثمانينيات القرن الماضي بفاتورة دماء لا يمكن لأحد أن ينساها على تلك الرقعة المنسية من الأرض، حيث إن رائحة الدم لا تزال تعبق في المكان ومن لم يتسن له أن يعاين بمرآه مجريات تلك الحقبة من الزمن، فقد كانت ذاكرة مخيلته تعج بصور الأحداث التي رواها له أجداده عما حدث فعلًا!

كانت تلك الروايات صمامًا أحسن من وضعه خمته جيدًا فلم يترك للكرامة خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه فقد جعلها في أدنى مستوى يمكن لها أن تكون فيه، بل وربما قام بمسحها نهائيًا من قاموس حقوق الإنسانية ليغدو أبسط الحقوق بالنسبة لهم مغنمًا كبيرًا.

حق الحياة فقط، حياة نتنفس فيها ونأكل فيها وننام فيها ولا شيء غير ذلك،

حياة بلا كرامة؟!

حياة بلا حرية؟!

حياة بلا عدالة؟!

هل يا ترى أربعون عامًا كانت كفيلة بتآكل ذلك الصمام ذو الختم الأبدي؟

هل انتهت مدة صلاحيته ولم تتح فرصة تبديله فانخلع من مكانه بلا سابق إنذار وفجر معه بركانًا حصد وراءه كل شيء؟

لقد التهم الأرض والسماء ولم يترك بينهما شيئًا فماذا الذي جرى؟

بضع ساعات مرت كانت كفيلة بإغلاق الشارع من مدخله ومخرجه, لقد بدا المشهد مخيفًا مريعًا ولم يسبق له مثيل, هناك على شباك أحد المنازل وضع محمد يده على مقبض شباك منزله بعد أن أداره بزاوية صغيرة عله ينعم منزله الصغير بنسمة هواء عليلة, ما إن انفرجت دفة الشباك قليلًا إلا ودخلت معها نسمة الهواء لتشق صدره بعد أن وقع بصره على ما لم تره صفحة السماء؟!

أكثر من 10 سيارات كانت قد شقت طريقها بسرعة كبيرة تجب عباب الهواء وتسابق الزمن عساها تسعف الموقف وتنجي المريض من مرض الحياة الحرة التي أصيب بها .

عشرات من قوات الأمن المركزية مدججين بأعتى الأسلحة قد انتشروا في المكان وحاصروا الفريسة من كل جانب موجهين فوهات بنادقهم إلى تلك الفريسة التي جمدت في مكانها!

هوى أحدهم بعصا غليظة فوق رأس الفريسة التي لم تتجاوز العاشرة من عمرها حتى يسعفها من مرضها القاتل.

مرض الحرية التي ينشدها !

خر طفل صغير ملقى على وجهه من أثر الضربة و لم ينبس ببنت شفة، لولا أن تداركته قدم عسكري آخر كانت كفيلة برفعه من جديد بعد أن استقبلته أثناء وقوعه في عانته جاعلة منه قوسًا هو رمحها فارتفع مرة أخرى بمقدار طول جسده الصغير وهو يصرخ بصوت مميت يعتصر الألم ثم عاد ليرتطم على الأرض وقد أصدر صدى صوت وقوعه على وجهه صوتًا اخترق صمام الأمان الذي أقفل به أجدادنا باب الحرية لدى هذا الجيل بروايات بطولات سفاح العصر المنصرم .

سقطت بسقوط الطفل علبة كان يحملها بيده اليمنى حمراء لونها مستدير شكلها، وقد خف وزنها بعد أن شاركته الجريمة النكراء بإفراغ محتواها الذي بقي مكبوتًا بداخلها منتظرًا لحظة الخروج، ليخط تلك الكلمات على جدار الحائط الذي انتهت حياته هو أيضًا بعد عدة أشهر من تلك الحادثة، بصاروخ فراغي جاعلًا من المدرسة كومة صخور متراكمة !

خرج السائل الأحمر المضغوط من أسطوانة ذاك الطفل البريء ليفتح بابًا من أبواب جهنم المغلقة، خرج السائل ولا أدري أكانت تلك العبارات التي تطالب بإسقاط النظام الأسدي وتنادي بالحرية والعدالة والكرامة.

أكان واجبًا على ذلك الطفل كتابتها ليوضح معالم الطريق بعد أن خفت لونه أم أنها مهمة ربانية قد ابتعث بها طفلًا بريئًا ليزيل به صمام الخوف لدينا؟
أما كان حري بذلك الطفل أن يرسم على ورقة دفتر رسمه في المدرسة أمنياته وأحلامه التي كان يحلم بها!
ومن يدري لربما كانت تلك هي أحلامه وأمنياته .

لم يبق لدى الطفل أظافر يقصها بعد اليوم فقد تكفلت مقالع الفرع الأمني بدرعا فعل ذلك، اقتلعت أظافره ليحل مكانها ملاقط كهرباء حولت لون الدم في أنامله إلى سواد ليل حالك لا يحمل سوى حقد من يعبث بهذا الصبي الصغير!

أربع وعشرون ساعة قضاها باستضافتهم تم تعذيبه فيها بشكل جنوني, وكأن الشوق والحنين لدى أبناء جلادي الثمانينيات قد أصبح حقيقة سيمارسها الأحفاد على الأحفاد بعد أن سمعوا ما فعله أجدادهم بأجدادنا في قصص ما قبل النوم !

لم يشاؤوا قتله حينها وتركوه حرًا ليجعلوا منه نموذج طالب الحرية .لقد أرادوا أن تنطبع صورته بعد خروجه بيوم واحد من الاعتقال في مخيلة من سيراه، ليعلم أن ثمن الحرية التي سيمضي بها طريقها شائك ونهايته موت بطيء في غياهب السجون التي بنيت لتنتظر أمثال من يطالب بذلك!

تساءلت في نفسي بعد أن مر شريط هذه الذكريات مسرعًا، درعا وداريا وحمص والكثير من المدن الأخرى، كيف يمكن لهذه الثورة أن تقوم في مكان كهذا؟!

هل كان ذاك الطفل حقًا هو سبب الثورة العارمة التي ضحت بثلث سوريا اليوم بين شهيد واراه التراب أو معتقل تحتضنه الزنزانات أو غارق مع عائلته في لجج البحار أو مفقود في الصحاري والقفار أو مهجر عن أرضه إلى المجهول أو مشرد في مخيمات الفناء هنا وهناك أو نازح من رحم المعاناة إلى حياة تحيله وليدًا بعدها على سرير الموت؟!

لقد أدركت أنها لم تكن فعلة أحد ولم تكن مهمة أحد ولم تكن بتخطيط من أحد .

لم يكن الطفل أكثر من الرملة التي أزالتها الضفدعة من مكانها في السد حتى تسربت مياهه وتوسعت شقوقه فانهار السد ليأخذ بعدها معه كل شيء.

لقد كان الإنذار الذي سمعته الغابة من ذئب وقف في ليلة كان قمرها بدرًا بعد أن أضناه تعب العَدْوِ ليمشق قامتيه ويمد رقبته رافعًا رأسه على قمة تلة في أعلى جبل لينال بصوته القمر البعيد وليسمع كل من كان في فج عميق،
لقد كان القشة التي قصمت ظهر البعير .

لقد كان إنذارًا بارتفاع أعناقنا وأعناق آبائنا على مشانق الكرامة؟!

إن الكتلة البشرية المتحركة المطالبة بحقوقها ما هي إلا ألغام موقوتة وقنابل متفجرة وبراكين مشتعلة، وحين تنطلق من عقالها وتنفلت من زمامها يتهشم في طريقها كل شيء.

لا يمكن أن يكون ذاك الطفل سببًا للثورة؟!

فالثورة لا تصنع وإنما تولد، وإذا ولدت لا يمكن لأحد على وجه الأرض أن يقف في طريقها ولا أن يمنعها فقد أتمت شهورها التسعة في رحم المعاناة بل إنها قد أتمت سنواتها الأربعين !

قامت الثورة واختلت الموازين وعمت الفوضى واختلف كل شيء، وكأن نواميس الكون تبدلت.

فقد غدا الشوك وردًا جميلًا وأصبح السجن مآلًا يهون على اللاجئين إليه في سبيل ما قاموا من أجله كل شيء.

غدت الأم تقذف بأولادها الواحد تلو الآخر في نار الثورة علها لا تنطفئ وكلما رأت نارها تخمد إذ بها تلقي لها بقربان آخر من أولادها.

لقد كثرت خنساواتنا وقل أولادنا وكثر شهداؤنا وزاد مراضانا ومات أطفالنا ورملت نساؤنا وثكلت أمهاتنا وتيتم من بقي من الأولاد وهجر من بقي ممن بقي وتهدمت على من رفض الرحيل والتهجير البيوت!

لقد بدأت بإذن ربها ولا تزال تسير هكذا ولقد علم الناس كلهم أن الأقدار إنما هي سهام نازلة من السماء لا يمكن لها أن تخطئ أصحابها .

ها هي الثورة أمامي اليوم أراها واقفة في منطقة تشبه الأعراف وهي تنتظر الإذن الإلهي بالمرور.

ألا وإنها قد باتت من علم الغيوب وإن كل قادم من الغيب أنى للمبصرين أن يروه ولو أطالوا به التحديق!

لا أدري ماذا سيحدث؟

ولكن لا زلت أتذكر كلام والدي لي: أي بني إن النهر لو توقف عند أول صخرة تواجهه لجف ماؤه منذ زمن بعيد، والتحول عن الصخرة بمقدار استمرارية التدفق هو ما يجب أن تفعله، يا بني عناد الصخرة لا يمكنك من اقتلاعها، وعنادها لا يمكنها من إيقافك!
الأرض إنما تبلع الماء الراكد فلا تستسلم والحقول لا يرويها إلا الماء الجاري، فإياك أن تستريح قبل أن تبلغ مناك،

صحوت قليلًا مما أنا فيه من سكرة الخيال ولملمت أفكاري وهواجسي المبعثرة وتركتها خلفي مطعونة بالحزن المخثر.
فنحن اليوم نخفف غلواء الحزن الذي يكاد يشرّح أجسادنا بسكين العاطفة والشوق والحنين.

إلى وطننا الذي قد هجرنا منه عنوة, لا يزال اليأس يجوب في الأجواء محاولًا زرع بذوره في كل مكان، لكن اليأس إنما هو روح الموتى من الأحياء فقط ومحتم علينا أن نكون نحن أولياء الأمل.

لقد بدأت الثورة بطفل يرسم على حائط، وهي اليوم رسوم حائط بلا طفل

مات الطفل وحيدًا في المعتقل !

فهل سيكون الحائط بما خطته أنامل ذاك الطفل البريء شاهدة قبر الفصائلية التي فصلتنا عن ثورتنا؟!

هل يمكن له أن يكون المنارة التي ستهتدي بها السفينة التي باتت تتقاذفها الأمواج بعد أن ضلت طريقها في عباب البحر قبل أن تغرق في القاع بمن عليها؟!

هل سيكون ذاك الذي سيقيم الجدار بلا أجر لألا ينهد فتنهد تحته ثورة شعب قضى في سبيلها آلاف من الأبرياء؟!

هل سيكون ثقافة شعب خلف بندقية جندي يسوقها لتحرر لا لتقتل؟

هل يمكن له أن يعيد إلينا مفقودتنا وحبيبتنا؟

هل يمكن له أن يعيد إلينا ثورتنا؟

فقد أضاعتنا بعد أن تهنا في الطريق،

وأخشى أننا نحن من أضاعها, فهل لأحد أن يعيدنا إليها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك