من أول شرارة حرية إلى آخر بريق أمل

درعا، كلنا نعلم منذ الصغر أن لدينا أُمَّين اثنتين، الأم التي تنجب وتربي، وسوريا الأم التي تحتضن وترعى، الأم تحمل جنينها في أحشائها، وتتحمل أعباء الحمل تسعة أشهر، لتلد طفلها سليمًا، وتنسى جميع هذه الآلام بمجرد وضع صغيرها على صدرها.

أما الأم التي ترعى وتحتضن شبابها وأبناءها «درعا»، حملت جنين الثورة منذ عام 2011، سبعًا من السنوات وبضعًا من الأشهر، وهي تحمل جنينها، وحملته لباقي المدن السورية، على أمل ولادة الحرية، ولكنها اليوم، وفي عامها الثامن، تكاد تضع جنينها قبل أن ينضج، ويحين وقت الولادة. درعا لم تكن الأولى في اجتياح النظام وميليشياته، ولكنها الأولى بانطلاق الثورة السورية، والشمعة المنيرة لدرب الحرية.

درعا اليوم.. النظام ينهي الثورة من مهدها

2011 بدأت سلمية ضد الظلم والاستبداد، لتتسع إلى باقي المحافظات وتتجه لحرب عسكرية ودموية، وتعود في 2018 إلى درعا، بعد أن استخدم النظام أبشع المجازر، والمعاقل، والتجويع، والحصار في جميع المحافظات السورية المحررة، يعود إلى درعا لوأد روح الثورة من منبعها، مستغلًا واقعًا دوليًّا أقرب إلى التسليم بالنهايات، إذ يحدث في درعا آخر فصل من فصول الثورة.

ليبدأ النظام حملات عسكرية ضخمة على درعا وأريافها، ويحرز تقدمات، ويجر ذلك بلدات أخرى للتسليم والمصالحة.

هدف النظام الوصول إلى الحدود الأردنية معبر نصيب، مما أدى لقتل المئات وتشريد الآلاف، ودعت المعارضة وهيئة التفاوض السورية المجتمع الدولي إلى الانتهاكات الوحشية في المنطقة التي تندرج ضمن مناطق خفض التصعيد.

انتكاسات المعارضة وانتصارات النظام منذ عام 2014

من حمص، إلى داريا والمعضمية، والقلمون الغربي، ودير الرزور، إلى وادي بردى وحلب، حتى أبي ضهور بأدلب، والغوطة الشرقية، ومنطقة القلمون الشرقي، وصولًا إلى درعا والحدود الأردنية.

سيطرة النظام على درعا بوصفها مهد الثورة أثارت مخاوف كبيرة، خصوصًا بعد انتهاء الحالة الثورية المسلحة في عموم سوريا، وفقدان ورقة الضغط الأساسية من يد المعارضة للدفع بها باتجاه حل سياسي بالحد الأدنى بعد خسارته أورقًا ميدانية مهمة، بما يرى معارضون أن الاتفاق أفضل ما يمكن حقنًا لدماء الثوار.

كما وصف إبراهيم الجباوي المتحدث باسم غرفة العمليات المركزية بالجنوب الاتفاق مع الروس، أنها عملية استسلام وانهزام، ومكاسب المعارضة صفر، وأنه سمح فقط بإنهاء حالة النزوح.

ويؤكد الجباوي أن روسيا ليست وسيطًا بل «هي طرف عدو محتل قاتل ومتوحش»، وهي التي فرضت توقيع «اتفاق العار»، مؤكدًا أن الولايات المتحدة أذعنت لموسكو في سوريا، على حد تعبيره. والنظام اعتمد الضغط العسكري، وبتمهيد ناري، والتقدم من ثلاث جهات بإسناد روسي، مع فتح طريق المفاوضات، رغم وجود 30 ألف مقاتل مع ترسانة أسلحة لم تختلف حصيلة الميدان عما جرى في الغوطة منذ شهرين.

فصائل قبلت بالمصالحة والاستسلام.. وفصائل أعلنت
النفير العام ورفعت الجاهزية للقتال

اتبع النظام وأعوانه الطريقة المعتادة، قتل من جهة، وفتح معبر للمفاوضات من جهة أخرى، ولكن بالحالتين جرح للسوريين، ومكسب للنظام؛ فالبقاء تحت القصف والنيران جرح وألم، والخروج من المناطق السكنية جرح وألم، وهذا الشعور لا يشعر به إلا من ذاق مرارة الطعم، بعض الفصائل رضيت بالمصالحة والتسليم بحجة حقن الدماء، وبعضهم الآخر رفض وعاهد نفسه على الثبات والمقاومة، ففي حوران أصدرت خلية الأزمة بيانًا أعلن فيه النفير العام، ودعت كل حاملي السلاح للمواجهة، وجاء في بيان الخلية «آن أوان المصارحة والمكاشفة، فالآن حصحص الحق، وقد عمل البعض على استثمار صدق وشجاعة الثوار الأحرار من أجل تحقيق مصالح شخصية، أو من أجل تحقيق مصالح آنية تافهة على حساب الدم السوري العزيز، الذي أرهق على مذبح الحرية على مدار أعوام طويلة».

كما أعلنت فصائل أنخل بريف درعا النفير العام، وأصدرت في بيان لها «نعلن نحن الفصائل العامة في مدينة أنخل عن جاهزيتنا لصد أي عدوان من قبل قوات النظام على مدينتنا، ولن ندخر جهدًا في الدفاع عن أرضنا وعرضنا، ونهيب شباب المدينة أن يكونوا يدًا واحدة مع فصائل الثوار وعونًا لهم».

ووقع البيان كافة فصائل أنخل لواء أسود الإسلام، لواء شهداء أنجل، لواء الخليفة عمر، وأحفاد عمر، وجيش الإسلام، وأحرار الشام، وألوية مجاهدي حوران، لواء المرابطين، وأحرار أنخل، وغرباء حوران، ولواء غسان جورش، واللواء الأول مهام خاصة.

في هذا الوقت تعود المفاوضات في المنطقة الجنوبية بعد فشلها بسبب تفرد بعض الفصائل بالقرار وحدهم؛ لتعود المفاوضات بوساطة أردنية، وأصدرت العمليات المركزية في الجنوب بيانًا تكلف أعضاء جديدة للخوض في المفاوضات مع الجانب الروسي حليف النظام.

قال البيان: «نظرًا إلى ما تمر به المنطقة الجنوبية من ظروف صعبة وهجمة شرسة يقودها النظام، أودى بحياة الكثير من الأبرياء، ودمرت بلدات بأكملها، وشردت أهالي، نعلن استمرار المفاوضات مع الجانب الروسي».

وكلف البيان 12 عضوًا بينهم قاسم نجم، مهران الضيا، مصعب بردان، أبو عمر الزغلول، أبو حمزة العودة، وغيرهم.

وبهذا تمكنت المملكة الأردنية من إقناع وفد المعارضة بالعودة إلى طاولة المفاوضات بعد فشلها، وإعلان غرفة العمليات المركزية استمرار العمليات العسكرية.

الأردن تقنع السوريين في درعا بالقبول بالمفاوضات على أن الأردن يهمه سلامة السوريين، وفي الوقت نفسه تغلق حدودها في وجه الهاربين من الموت بحجة أن بلادهم لا يتحمل هذه الأعداد الضخمة؛ إذ وصل عدد النازحين على حدود الأردن إلى 330 ألف شخص.

اتفاق دون مكاسب للمعارضة.. وخوف المدنيين من
العودة

يقول الناطق باسم غرفة العمليات المركزية في الجنوب إبراهيم الجباوي، واصفًا الاتفاق «أنه المحبط وحكم القوي على الضعيف، وأن التهديدات الروسية أجبرت فصائل المعارضة على التوقيع على الاتفاق، وأخذ الموقف الضعيف في ظل الضغوطات من الأردن، وروسيا، وأمريكا، وحفاظًا على ما تبقى من الجنوب، نتيجة للهجمات الشرسة، توجه المدنيون إلى ريف درعا الغربي، ومنهم إلى الحدود الأردنية المغلقة، وتزداد مخاوف المدنيين من العودة إلى مناطقهم، وهل ستفي روسيا بالوعود أم هي حبر على ورق، وهل سيعتقل الشباب كما فعلت في مناطق سابقة، حمص والغوطة.

ما حصل في الجنوب وما آلت إليه المفاوضات دون تحقيق مكاسب للمعارضة يثير مخاوف السوريين قاطني إدلب وريف حلب الغربي من مصير مماثل لدرعا.

درعا تودع مقاتليها والقنيطرة تستقبل الحرب

خرج من درعا نحو 450 من المعارضة وعائلاتهم إلى إدلب برفقتهم نحو 60 طفلًا و30 امرأة، وبدأت قنوات موالية للنظام سانا بنشر صور لدبابات ومدافع كانت بحوزة المعارضة، وتسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، والخروج إلى إدلب.

وفي هذا الوقت يقصف النظام القنيطرة ويقع قتلى بين الطرفين.

معركة درعا تثبت التفاهم الثلاثي

أثبتت معركة درعا أن هناك تفاهمًا في العمق بين روسيا، وإسرائيل، والولايات المتحدة فيما يتعلق بالجنوب السوري، سمح هذا التفاهم لقوات إيرانية بالمشاركة لبلوغ الحدود الأردنية، وفتح معبر نصيب، وذلك عن طريق ارتداء الحرس الثوري الإيراني، وميليشيات لبنانية وعراقية ثياب جيش النظام السوري، الذي بات يفتقر إلى العناصر البشرية السورية.

قسمت درعا إلى قسمين، غرب جنوب سوريا مسموح لقوات إيرانية العمل فيها لدعم الأسد، وبغطاء روسي مكثف، وتدمير المدن، وتهجير السكان، وإيصال الشعب للمصالحات والاستسلام التي تصب في مصلحة نظام الأسد.

الجنوب السوري لعبة تديرها روسيا

من أصول اللعبة عدم الاقتراب من إسرائيل، التي تعد الجولان قضية محسومة منذ عام 1967، وأثبتت روسيا أن هذه اللعبة تقوم على تفاهم بين إسرائيل وترامب، وعلى استخدام الإيرانيين لسد النقص البشري التابع لجيش النظام.

تجمع روسيا بين المفيد والممتع في هذه اللعبة: المفيد إيجاد وقود بشرية للنظام عبر الإيرانيين، الممتع الذهاب بعيدًا في التعاون مع إسرائيل، وفي الوقت ذاته على التواصل لصفقة مع ترامب، والنظام السوري الأسد ما زال يؤدي المهمة في تفتيت سوريا وتهجير أكبر عدد من المواطنين.

وإيران سعت لتكون صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة لتحقيق مطامعها، واستخدام اللبنانيين والعراقيين لذلك، والاستعانة بروسيا لإنقاذ رأس بشار، ولكن لكل شيء ثمنه في الحرب السورية، والثمن الذي ستدفعه إيران هو الاعتراف بمصالح إسرائيل من جهة، والعلاقة العتيقة بيها وبين روسيا من جهة.

والأهم العلاقات الروسية الأمريكية، إذ يعرف الروسي قبل غيره، لولا إبلاغ الأمريكيين المعارضة مباشرة أن عليها الاستسلام في درعا، وألا تتكل على أي مساعدة من واشنطن، لما كانت المعركة في غرب الجنوب السوري مجرد نزهة؛ فدرعا لم تكن اللقمة السهلة، فمن درعا انطلقت الثورة، وكانت بداية لاهتزاز نظام الأسد.

الإيرانيون، والروس، وإسرائيل، وأمريكا جميعهم لديهم مطامعهم في سوريا، ويجري التفاهم فيما بينهم للنهش بالجسد السوري، وبأداة علوية، بإدارة غربية، وبخيانة عربية.

قرارات متناقضة، وتنازلات مذلة، واستكانات مهينة. ضفادع تخون وتسلم. ملك عربي يتفرج على نساء وأطفال تهجر من القتل على حدوده، ومهجرون آثروا حدود اليهود رافعين الراية البيضاء، طالبين رحمة النجاة، موت ودماء في مناطق أبت الذلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد