عندما بدأت شعارات الحرّية والكرامة تمور وتصطخب أمواجها، وتعلو أصواتها في أقطار الوطن العربي، طارت قلوبنا فرحًا، ورأينا شعاع النور يلوح في سماءٍ أوغلت في دياجير الظلام الحالك، وكان لشدّة حلكته، يظنّ الناظر إليه أنّ الفجر لن يطرق بابه يومًا، إذّ إنّ الأمّة استمرأت الظلام، واستوعرت طريق البحث عن النور، ثمّ دخلت كهف الذلّ ونامت نومًا ثقيلًا.

خرجت الأمّة من الكهف بعد أنّ نامت في حمأة الذلّ زمنًا طويلًا، وكلبها باسطٌ ذراعيه بالوصيد، فانطلقت صرخات المظلومين المكتومة منذ زمنٍ مدوّية، بعد أنّ تمادت فداحة البؤس المفروض عليهم من قِبل فراعنة هذا الزمان، كانوا حينها يحلمون (ببكرا الجاي)، وكانوا لفرطِ حماسهم وثوريتهم يقولون (ولو مجاش، احنا نجيبوا بنفسنا)، هكذا بتحدٍّ سافر، صدحوا في وجه من سلبهم أبسط حقوقهم المتمثلة في الحرّية والحياةِ الكريمة.

أمّا عن طغاة هذا العصر، فهم كطغاة الأزمنة الغابرة، بل إنّ الطغاة في كلِّ زمانٍ ومكان، هي هي طبيعتهم، وهي هي ردودهم على محاولاتِ هدم ملكهم وقلب نظام حكمهم، دون اختلاف في الأساليب والأدوات، ولقد رأينا هذا بأمّ أعيننا، ولمسناه براحةِ أيدينا.

ها هو فرعون الأوّل، يهدد من أشرقت أرواحهم بالعقيدة – والتي تعني لفرعون كما تعني لفرعونِ كلّ زمان: هدم نظام حكمه واجتثاث سلطانه. إذّ إنّها تردّ الحكم لله، فإنْ رُدّ الحكم لله خرج الطغاة من الأرض، وانتهت ربوبيتهم الممثلة في تعبيد النّاس لأحكامهم وشرائعهم، وهذا ما عبّر عنه أهل المشورة لدى فرعون الأوّل بقولهم: (يُريدُ أنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ) – بالتعذيب والتشويه والتنكيل: (لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ).. هذه هي طبيعة الطغاة في كلّ زمان، لا يتورعون في سبيل الحفاظ على عروشهم عن ارتكابِ أشدّ الجرائم وحشية وبربريّة، ولا يتورعون في سبيل سلطانهم عن قتل النساء والأطفال والشيوخ!

هذا هو إذًا طريق التغيير، طريق (بكرا الجاي) الذي غنّى له حمزة نمرة، واضح المعالم كما قصّ علينا القرآن الكريم، طريقٌ طويل ليس بالقصير، وعر ليس بالمستقيم، شاقّ ليس بالهيّن، يحتاج إلى صبرٍ عميق الجذور، ويحتاج إلى عقيدةٍ راسخة، تشكّل مددًا وزادًا أثناء خوض غمار هذا الطريق المضرّج بالآلام والدماء وإزهاق الأرواح.

وقد تُخدع العيون ببطش الطغاة وجبروتهم وانتفاشهم، فتظنّ أنّ قوى الباطل جارفة محيقة لا يقف في وجهها شيء، وقد تُخدع أيضًا بطولِ مراحل الكفاح دون تحقيقِ نتائج، فتظنّ أنّها فشلت دون تحقيق المراد. هذا هو الوهم الكبير الذي بدد حلم (بكرا الجاي)، وذوّب حماسة (اسمعني، انت اللي بضيعني، للماضي بترجعني)، وأعاد النفوس إلى حالة الركود الممثلة بـ(يا مظلوم ارتاح، عمر الحقّ ما راح)، مرورًا بحالة النوستاليجا والحزن المفرط الممثلة بـ(داري يا قلبي، مهما أدّاري، قصاد الناس حزننا مكشوف)، وصولًا إلى حالة الاستسلام المطلق الممثلة بـ(واهو عادي عادي، محدش في الدنيا دي، بيتعلق بشيء إلّا وفراقه يشوف).

نعود الآن إلى ردّ الجماعة المؤمنة التي واجهها فرعون الأوّل، وهددها بالتقطيع والتصليب. هذه الفئة عندما رأت قلوبهم ما رأت من حقّ واقع أثناء مبارزتهم مع سيّدنا موسى – عليه السلام – وعندما استعلنت في نفوسهم حقيقة الإيمان، استهانوا ببطش الطاغية وجبروته وانتفاشه، فأجابوه بقلوبٍ مطمئنةٍ واثقة: (إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ)، وبتحدٍ سافر: (فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ)، ومضوا في طريق (بكرا الجاي)، بصبرٍ واستعانةٍ بالله، وكأنّهم كانوا يشدّون أزر بعضهم البعض بنفسِ كلماتِ أغنية محمّد عبّاس (متخلهمش يكسروك)، فلم يُكسروا، إلى أنّ منّ الله عليهم بحلم (بكرا الجاي) بعد كفاحٍ طويل: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا).

في حقيقة الأمر، إنْ الباطل مهما انتفش وعلا، وبطش وبغى، فإنّه أمام قوّة العقيدة وحرارة الفكرة وصدق العاطفة سينفثئ كالفقاعة، ثمّ يكون بعد ذلك عدمًا من الأعدام ليس له وجود، ولذلك فإننا بحاجةٍ إلى إدراك هذه الحقيقة.. إننا بحاجةٍ إلى ثباتٍ لا يدهشه تجبّر الطغاة وكيدهم، إذّ أنه ضعيف، ومن آمن بهدفه، وثبت وصبر على تكاليف الطريق و(مخلاهمش يكسروه)، وأعلنها في وجه الباطل واثقًا مطمئنًا بنصر الله (فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ)، كان حريًا به أنْ ينجح وأنّ تكون العقبى له.

أمّا من طار قلبه خوفًا مما رأت عيناه المخدوعة من بطشٍ وانتفاش، وإبطاء الوصول إلى الغاية، ثمّ استسلم وأغلق عليه بابه مكتفيًا بـ(داري يا قلبي)، فإنّه لن يحقق شيئًا، وستتبخر الآلام التي كابدها في سبيل (بكرا الجاي) في الهواء.

طريق التغيير شاق طويل، مضرّج بالآلام والعقبات الجسام، ويحتاج إلى تعب السنين وتغضين الجبين، ومن ظنّ غير هذا فهو واهم. العواصف في هذا الطريق شديدة، والصدمات فيه قاسية، لكنّ هدف الوصول إلى نهاية الطريق يستحقّ استمرارية المسير، والرابح هو من لم يحنِ ظهره للعواصف، ولم يسقط عند الصدمة الأولى، و(مخلاهمش يكسروه)، وتمسك بحلمه (اللي بكرا جاي).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد