تَركَتْه منذ عامين، كانت تعلم وقتها أن حياتها ستكون أسوأ بدونه؛ وربما تنتهي، لكنها اتخذت قرارها ولا يمكنها العدول عنه، حتى وإن كانت لا تملك سببًا مقنعًا يبرر لها ذلك، ستفر؛ ربما لأنها اعتادت ذلك، أو ربما خوفًا من القيود والالتزامات التي تُلازم هذا النوع من العلاقات، وربما لأسباب أخرى، المهم أنها قررت الرحيل.

هو أيضًا كان يَعلم أن حياته ستكون أسوأ؛ ربما بنسبة أقل منها، لكنه لم يحاول أن يثنيها عن قرارها، ليس لشيء إلا لأنه كان يريدها أن تحترق، يعلم أن تبعات هذا القرار ستكون وخيمةً عليها بصورةٍ كبيرة، إلا أنه أقنع نفسه أن الوقت قد حان لذلك، يجب أن تتجرع ولو قليلًا من الكأس الذي اعتادت أن تسقيني منه، قصةٌ معتادة.

لكن غير المعتاد أن أحدهم أخبرني ذات مرة في لحظةِ صفاء، وكان قد انفصل عن الفتاه التي أحبها لفترة ليست بالقليلة، أنه كان يتعمد معاملتها بشكل جيد في آخر أيام علاقتهما؛ أو بالأحرى حين تيقن من أن النهاية آتيةٌ لا محالة، وأنه كان أكثر لطفًا وهدوءًا، بل ودأب على تقديم تنازلات ما كان ليقدمها لو أن علاقتهما في طريقها إلى الاستمرار، أما عن السبب فقد أخبرني إياه بفخر من قام بحيلةٍ لم يأت بها أحد من العالمين، وهو أنه كان يريد أن تنتهي العلاقة وهي تراه في أبهى صورة وأوج عطاء، حتى تبقى صورته محفوظة هكذا في ذهنها، مهلًا. الحيلة لم تأتِ بعد، واستطرد يقول «أعلم أن العلاقات التي تكتمل دائمًا ما يصيبها الفتور وتعتريها المشاكل وحينها ستتذكرني بكثير من الألم والحسرة والعذاب»، هل أخبرتكم أنه كان يحبها؟! آسف؛ سأجعلهم يحذفون هذه.

هناك مشهد قد يبدو مألوفًا للجميع؛ يمكن أن تراه في الأفلام الأجنبية التي تتحدث عن الحياةِ البرية أو الغابات أو حتى في الأفلام الوثائقية، نمرٌ يجري خلف غزالةٍ غير محظوظة، شاء القدر أن يقع عليها الاختيار من ضمن قطيع ربما تعدى الألف، لا سابق معرفة بينهما ولا عداوة، كلاهما تحركه غريزةٌ في اتجاه معين، وفي النهاية يكون المشهد على هذا النحو؛ صخرة عالية، هوةٌ كبيرة، وصخرة في الجانب الآخر. هنا يحتاج الغزال إلى اتخاذ قرار، الجوع غريزةٌ قويةٌ نعم؛ لكنها ليست أقوى من غريزةِ الحياة، لهذا تقفز الغزالة غالبًا، تسقط أو تنجو الأمر لا يعنينا الآن، ما يعنينا أن الغزالة؛ ذلك الكائن الذي لم يُمتِعه الله بالعقل؛ أدركت في لحظة مصيريةٍ أن احتمالًا ضعيفًا أفضل من موتٍ محقق. هذا حيوان، مع العلم أنه يختار بين بديلين كلاهما سيء، فلماذا يُفضِل إنسانٌ عاقل نهايةً مؤكدةَ الفشل، عن احتمالٍ للنجاح ربما حتى يكون قويًا، أليس هذا أمرًا يدعو للتساؤل؟ هل يوجد في أعماقٍ سحيقةٍ من النفس البشرية نزعةٌ سادية بشكل فطريٍ؛ ونسبيٍ يجعلها تتلذذ بجلب الشقاء لها وللآخرين؟ أم أن هذا نوع من الخلل يصاب البعض به ولا يمكن تعميمه؟

والساديةُ ليست كما يظن البعض مقصورة على الجنس فقط، وإنما هذا أحد أنواعها، لكن يمكن اختصارها في فكرة التلذذ والنشوة بعذابات الآخرين وآلامهم، أو حتى بإلحاق الأذى بالنفس، هل حدث لك يومًا أن فرحت بمصيبة أحدِهم؟ هل تُنكر ذلك الشعور بالقوة حين رأيت شخصًا ما كان يومًا ما أقوى منك، أغنى منك، أعظم منك شأنًا؛ وقد دارت عليه الدوائر أو أصابه ضعفٌ وهوان؟ لماذا نتلذذ أحيانًا بآلام بعض الناس؟ أهي حيلةُ الضعفاء؟ أم هو أمرٌ غريزيٌ؟ أم إنه مرضٌ يحتاجُ إلى علاج؟

لا أريد أن أسمو بنفسي عن هذه المشاعر؛ التي يبدو أننا جميعًا نُنكرها ونخجل منها، أنا أيضًا أظن أن شعورًا كهذا أصابني من قبل، خاصة فيما يتعلق بالتفوق في الدراسِة ورسوب أشخاص ربما كانوا يفوقونني دراسيًا، أذكر هذه الكلمات التي نقولها بحجة المواساة وتقديم الدعم، أعتقد أننا نقولها لأنفسنا وليس لهذا الشخص الذي ألمت به المصيبة، نقولها ونحن نعلم أن هذا الشخص لا يعبأ بكلماتنا حينها، هذا لن يهون عليه، لكننا ننتظر تلك النظرة المنكسرة في عينيه التي تمسك بتلابيب دموعٍ تحاول الفكاك، وحينها فقط نشعر في داخلنا بنشوة الانتصار.

أذكر أنني قرأت شيئًا يوافق هذا في رائعة دوستويفسكي الجريمة والعقاب. عدت إلى الرواية لأبحث عنه، نعم ها قد وجدته؛ إنه مشهد الكارثة التي أصابت آل مارميلادوف حين كتب دوستويفسكي بلسان الحال «فها هم أولاء سكان البيت يتجهون نحو الباب واحدًا بعد آخر، وهم يشعرون بذلك الإحساس الغريب، إحساس اللذة الذي يُلاحَظ دائمًا حتى لدى أقرب الأقرباء حين يرون شقاء يحل بقريبهم». ويعقب «وهو إحساس لا يخلو منه أي إنسان مهما يكن إحساسه بالأسف والشفقة صادقًا». أتعجب من عبقرية هذا الرجل وأتساءل؛ كيف لشخص ما أن يملك الشجاعة ليواجه نفسه بحقيقة كهذه؟ لهذا يقولون إنك حين تقرأ لدوستويفسكي تشعر بالخجل. دوستويفسكي كان يَعي هذا جيدًا، يمكنك أن تشعر بالقوة والغنى دون أن تزداد قوةً أو مالًا، أتدري كيف؟ حين يصبح الآخرون أكثر ضعفًا وفقرًا، الأمر ليس منطقيًّا؛ لكنه يحدث بهذه الصورة، يا لنا من مرضى وحمقى!

لا شك أن محاولة فهم النفس البشرية ودوافعها من أكثر الأمور التي سعى الأدباء والفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع وغيرهم عبر التاريخ البشري إلى تحليلها ومحاولة وضع مفاهيم وأسس لها، وهو أمرٌ في غايةِ الصعوبةِ وربما يكون مستحيلًا، ومكمن الصعوبة لا يتعلق بخصوصية كل إنسان واختلافه عن غيره، وإنما لصعوبة أن يواجه الإنسان نفسه بهذا الجانب المظلم الذي ينال حيزًا من نفسهِ وتفكيره، ومحاولته دائمًا مواراته وتجاهله، بل ويحاول تنزيه نفسه وإظهار تساميها عما يشينها من أفعال وأفكار، قليل من البشر فقط لديه القدرة على مواجهة نفسه بذلك، وهذا أول الطريق إلى ترميم النفس وعلاجها، وهؤلاء نادرون نعم؛ لكنهم أكثرنا شجاعة.

أما أنا فلست منهم، ولا أظنُ أنني سأجلس الليل بطولهِ لأتذكر مواقف ربما مر عليها أعوام، وأحاسب نفسي وأذكَرها بكم أنها كانت سيئةً وبغيضة، ربما هناك واحد ممن سيقرؤون هذا المقال، واحد فقط سيفعل ذلك، ستمر الأحداث في رأسه كشريط سينما، سيفكر في كل صغيرةٍ وكبيرة، سيحاسب نفسه حساب الملكين أو أشد قسوة، سيمنعه التفكير من النوم، سيبكي، سيبكي كثيرًا؛ أو ربما لا. إليه، وإليه فقط كتبت هذا المقال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد