بدايةً، فإن ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو ما يفعله أدعياء الحرية والإنسانية، الذين جعلوا قبلتهم أوروبا، ومقياسهم ومعيارهم للـ(حضارة) المزعومة هي أوروبا، حتى صوروها كأنها (يوتوبيا) الغارقة في المثالية.

 

 

 
وأردت أن أوجه بعض الأسئلة إليهم. لماذا تتجاهلون الدماء والأشلاء التي قامت عليها الحضارة الأوروبية؟ لماذا تتجاهلون قيام هذه الحضارة على مص دماء شعوب الأرض؟ لماذا تتجاهلون انحطاط المبادئ التي قامت عليها هذه القارة وقيامها على السرقة والنهب والقتل الاستعمار؟ لماذا تتجاهلون التاريخ؟

 

 

 

 

 

تتشدقون، أوروبا المبادئ، أوروبا الحضارة، أوروبا الأخلاق! أوروبا العلم والعمل، أوروبا الفن والرقي، أوروبا الإنسانية!

 

 

 
أهي كذلك فقط؟ أم إن هذه الصورة الزائفة تُخفي وراءها الكثير؟ تُخفي أوروبا الانحطاط، أوروبا النهب والسرقة، أوروبا سفك الدماء، أوروبا الفساد، أوروبا الاحتلال؟

 

 
هذه القارة التي بنيت على أشلاء ودماء ونهب وسرقة وفساد. هذه القارة التي جعلتموها قبلتكم وتُكِنُّون لها كل الاحترام.أي حضارة؟ وأي تقدم؟ وأي إنسانية؟

 

 

 

 

 
لماذا تتجاهلون ما حدث في محاكم التفتيش الأندلسية، وما فعله الصرب بالبوسنة، والروس بالأفغان والشيشان، والاحتلالات التي قامت بها بريطانيا والبرتغال وهولندا وإيطاليا وفرنسا وأسبانيا، لماذا تتجاهلون ما قاموا به من سفكٍ للدماء، ونهبٍ لخيرات البلاد وإذلال للعباد وتعذيب واعتقالات؟

 

 

 

 
لماذا تتناسون أنهار الدماء التي أُريقت بقتل ملايين البشر في الحربين العالميتين الأولى والثانية؟ ولأجل ماذا؟

 

 

 

 

لماذا تتجاهلون ما قامت عليه (الحضارة) الأمريكية؟! من إبادة للهنود الحمر من البداية حتى حرب فيتنام وأفغانستان والعراق ومُعتقلات جوانتانامو السوداء؟ لماذا تنظرون إلى البناء وتتجاهلون الأساسات؟

 

 

 

 

ما هو تعريف (التحضر)؟ وما معياره؟ لماذا لا تسألون أنفسكم هذه الأسئلة؟

 

 

 

 

 

الحضارة هي كلمة مطاطة، تسع الكثير والكثير. نتحدث عن الحضارة الفرعونية، والحضارة الرومانية، دون اعتبار لتفاصيل هامة. ما الأهم؟ (الإنسان) نفسه أم ما يفعله؟ هذه الروح التي تسري في أجسادنا، هي الجوهر والقيمة للإنسان، وليست الحضارات (المادية) فقط هي ما تُحدد قيمة الإنسان.

 

 

 

 
انخدع البعض بمظاهر براقة، وبإنسانية زائفة يُظهرها حُكامهم من حين لآخر، ولكن هؤلاء لا يبكون علينا، هؤلاء لا يريدون لنا الخير أبداً، الأمر كله مصالح ومكسب وخسارة سياسية، هؤلاء يدعمون الأنظمة التي تقتل الأبرياء، يدعمون السفاحين القتلة الذين يحكمون بلاد المسلمين، أما عن استقبال بعض اللاجئين فهو مخدر أو مهدئ لتهدئة اللعب قليلاً. الأمر سياسة وليس إنسانية.

 

 

 
أوروبا لم تقم وتُبنَ إلا على دماء وأشلاء المسلمين، أوروبا لم تبنَ إلا بنهب بلاد المسلمين وخيراتها، لم تُبنَ إلا بامتصاص دماء المسلمين بالاستعمار والنهب والقتل والمكر والخداع.
أما ما هم فيه الآن فهو واجهة زائفة لن تلبث أن تسقط يومًا ما.

 

 

 
أوروبا الغارقة في العلمانية حتى النخاع، المنغمسة في المادية الطاحنة.

 

 

 
قد يبدو البناء جميلًا، مبهرًا، براقًا، أنيقًا لامعًا ومثيرًا للإعجاب. ولكن الأساسات التي اختفت بردمها تحت الأرض هي أساسات من الشر والظلم والظلمات والدماء والأشلاء والنهب وكل ما هو قبيح.
 

 

 

 

الصورة التالية توضح العدد الكُلي للبلاد التي استعمرتها دول أوروبية على مر التاريخ، ومصدرها في  هذا الرابط
 

 

 

نعم! لا أنكر أن ما هم فيه مُبهر وخادع بحق، نعم قد يفعلون ما يثير الاحترام الآن، قد يُبدون احترامًا وتقديرًا للإنسان، ولكن ذلك لا يدفعنا لنسيان أساسهم وماضيهم، وحاضرهم أيضًا في دعم الظلم والفساد في بلاد المسلمين!

 

 

 

 
وأخيرًا، أرجو ألا يفهم أحد أن مقصدي هو نبذ (التحضر) أو التقدم المادي في ذاته! فليس هذا هو المقصد. ولكن ما أقوله هو أنه ليس غاية تبرر وسائل الوصول إليه مهما كانت فاسدة! وليس غاية بشكل مُطلق أيضًا، بل هو وسيلة.

 

 

 
ماذا كان موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من حضارتي الفرس والروم؟ هل دعا إلى اللحاق بركب الحضارتين، أم اهتم ببناء (الإنسان) أولاً؟ ألم يقُم هذا (الإنسان) المسلم ببناء حضارة عظيمة أيضًا بعد ذلك؟

 

 

 
قد كان قوم عاد ينحتون من الجبال بيوتًا فارهين، فماذا أغنى ذلك عنهم؟  وليس المقصد بالطبع أن ما نحن – المسلمون – فيه الآن يُعجبني!

 

 

 
الخُلاصة، وما أردت قوله، هو أن (التقدم المادي) ليس مرفوضًا في ذاته بالطبع، ولكن لننظر أولًا ما الأساس الذي بُني عليه، وما وسائله، وما غايته؟ ولننظر ما الغاية من خلقنا من الأساس، وهل يحققها مجرد التقدم المادي والحضارة الظاهرية فقط، أم لا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد