منذ تفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار المنظومة الاشتراكية، لم نسمع آنذاك للقومية العربية أي شيء يذكر؛ لأن المنظومة الاشتراكية كمنظومة فكرية عالمية وحضارة مادية، لم تقدم للمجتمعات آنذاك ما تحتاجه من تحسن في مستوى المعيشة وعدالة اجتماعية وبناء مجتمع اشتراكي وإزالة التناقضات الطبقية.

بل استأثرت آنذاك قلة مكونة من اللجان الحزبية ومهندسي الصناعات العسكرية ورؤساء الإدارات والمكاتب الحزبية والنقابات العمالية، واستطاعوا أن يؤسسوا لبيروقراطية إدارية وحزبية والتحكم في تنظيم العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، حتى أن أحد الكتاب الروس آنذاك (تونيكليف) انتقد هذه الأقلية واتهمها بأنها تقود المجتمع السوفيتي إلى (رأسمالية الدولة)، وهذه الأقلية سرعان ما سطع نجمها بعد زوال الحرس القديم في الحزب الشيوعي السوفيتي، وسيطرة رجال ستالين على مواقع اللجنة المركزية داخل الحزب، وهو ما أطلق عليه آنذاك بـ(النومنكلاتورا).

فبعد انهيار الاشتراكية العالمية، لم يعد للقومية العربية أو اليسار العربي أي شيء يذكر، ولم تقم له قائمة بعد أفول نجمه وانهيار شعاراته البراقة الزائفة، حتى على مستوى الخطاب، الذي تجلى آنذاك في جهازه المفاهيمي الضخم، كـ(تعبئة الجماهير، والقوى الشعبية)، و(النضال ضد الطبقة البرجوازية والإمبريالية العالمية) و(جدلية الصراع من أجل مجتمع بروليتاري).

إلى غيرها من تلك الشعارات الفارغة المحتوى والمضمون، والتي كانت موضة، وتحولت إلى مساحيق تجميل عند العديد من التنظيمات الطلابية والأحزاب الطليعية.

والحقيقة أن القومية العربية أو (اليسار العربي) انهار بشكل عام مباشرة أو قبر بشكل لا رجعة فيه، منذ هزيمة أو نكسة حزيران سنة 1967، حيث لم يعد يخفى على القاصي والداني زيف أطروحة القومية العربية بعد فشلها على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والوحدوي، وأخيرا العسكري، بعد انقسامها مباشرة إلىتيارين متباينين فكريا وعقديا: التيار الناصري، والتيار البعثي.

 

تناقضات وفضائح القوميين العرب:

  • فشلهم على المستوى الوحدوي، حيث انهارت الجمهورية العربية المتحدة سنة 1962 بعد أربع سنوات من التأسيس، والتي تأسست بين مصر وسوريا.
  • عدم وجود إرادة سياسية مستقلة، مادامت قبلة صلاتهم هي (موسكو).
  • التناحر والعداء المنقطع النظير بين (عبد الناصر وحزب البعث السوري) والذي انعكس على مستوى التصريحات والصحف والإعلام.
  • قيام البيروقراطية الحزبية والدولة البوليسية القمعية، في كل من أدعياء القومية العربية في كل من سوريا ومصر والعراق إضافة إلى ليبيا.
  • هزيمة 67 المدوية في ستة أيام، والذي ضاعت على إثرها غزة وسيناء والقدس والضفة الغربية والجولان، (بعد ذلك حاول النظام الناصري الضحك على ذقون الشعوب العربية بأن إسرائيل انهزمت؛ لأنها لم تنجح في تغيير القيادة السياسية)، وحاول عبد الناصر بعدها إنقاذ ما يمكن إنقاذه عندما قام بصياغة ما يسمى ميثاق الحل الاشتراكي سنة 1970.
  • العداء المنقطع النظير بين حزب البعث السوري وحزب البعث العراقي رغم أن لهما نفس المؤسس (ميشيل عفلق وصلاح البيطار) ولهما نفس المرجعية الفكرية والإيديولوجية.
  • دعم حزب البعث العراقي لـ (جماعة الإخوان المسلمين السورية) بعد أن وفر لقادتها الفيلات والسيارات والأموال ودعم جهازها العسكري بالسلاح والعتاد، أثناء مجزرة حماة سنة 1982، (ومن المعروف أن الأسس الفكرية التي يقوم عليها حزب البعث تتناقض مع الدين، وتعتبره رجعيا، وترى في الحركات الدينية على أنها حركات رجعية لا تنسجم مع تطور المجتمعات الإنسانية) انظر كتاب: (في سبيل البعث لميشيل عفلق).
  • دعم حزب البعث السوري والقذافي لإيران ضد حزب البعث العراقي أثناء الحرب العراقية الإيرانية.

القوميون العرب والقضية الفلسطينية:

  1. تعتبر القضية الفلسطينية هي القضية المركزية والمحورية لجوهر الصراع في المنطقة، حيث احتكرها القوميون لعقود طويلة، واقتاتوا عليها وضحكوا على ذقون العرب، خاصة الخليجيين منهم، والفلسطينيين، وتلاعبوا بمصير القضية، عندما قاموا بتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964، وصادروا القرار الفلسطيني، وتحكموا في مصير القضية عن طريق منظمة التحرير، هذا ناهيك عن التنازلات الخطيرة التي قدمها عرفات إلى الطرف الصهيوني، بشكل غير مباشر منذ سنة 1971، والتي ظهرت جليا بعد ذلك إبان اتفاقية أوسلو والقبول بحل الدولتين، بدون الحصول على دولة، والتنازل عن عودة اللاجئين، وإزالة المستوطنات.
  2. – قبول عبد الناصر بمبادرة وليام روجزر وزير الخارجية الأمريكي سنة 1970، التي تقضي بحل الدولتين، وقبول التسوية مع الطرف الصهيوني، وهو ما اعتبرته منظمة التحرير الفلسطينية والأردن خيانة للقضية.
  3. – مجزرة مخيم تل الزعتري سنة 1976 في لبنان والذي ارتكبت فيه المجازر ضد الفلسطينيين على يد حزب الكتائب اللبناني بدعم من حافظ الأسد.
  4. انسحاب القوات السورية من القتال أثناء اجتياح شارون لبيروت بعد ثلاثة أيام من المعارك سنة 1982 وتركوا منظمة التحرير وحيدة في مواجهة الإسرائيليين، كما فعلوا في الجولان سنة 1967.
  5. الانشقاق الحاصل داخل منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1983 بدعم من حافظ الأسد، (الجبهة الشعبية، القيادة العامة، بقيادة أحمد جبريل، وحركة فتح، الانتفاضة، بقيادة أبو موسى، ومنظمة الصاعقة في مواجهة عرفات).
  6. دعم النظام البعثي العراقي لمنظمة أبو نضال المنشقة عن عرفات، والتي قامت بمجازر واغتيالات ضد قيادات ثورية فلسطينية.
  7. هذا ناهيك عن اتفاقات الذل والعار، كاتفاقية كامب ديفيد سنة 1978، واعتراف ياسر عرفات بدولة إسرائيل سنة 1988، واتفاق مدريد، واتفاق أوسلو سنة 1993، واتفاقية غزة أريحا سنة 1994، ومسلسل التنازلات في اتفاقية واي ريفر سنة 1998، إلى غيرها من الفضائح التي يطول ذكرها وتفصيلها لدى القوميين.

ومن هنا يتبين لنا فشل تجارب القومية العربية على جميع المستويات، ويعود ذلك لانعدام الإرادة السياسية داخل المنظمات والنظم القومية، وربط اتخاد القرار العربي بموسكو، وتحولت القضية الفلسطينية من قضية عربية إلى ورقة تتلاعب بها النظم العربية، إلى قضية في يد منظمة التحرير، ثم في يد عرفات وحده، وتحولت منظمة التحرير (الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني أثناء مؤتمر فاس سنة 1981) إلى مقاولة تجارية هدفها الأساسي هو جني الأموال، وشراء العقارات، ومراكمة الثروات، وبناء بيروقراطية إدارية داخل المنظمة نفسها، بل من احتكار عرفات نفسه، واستئثاره باتخاذ القرارات الخطيرة داخل المنظمة، وهو مما عجل بالانشقاقات عن منظمة التحرير سنة 1983، بدعم من النظام السوري آنذاك.

(يتبع)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد