(1)

أتاح لي القدر أن أقيم في عدد من الأقطار العربية في السنوات الأخيرة، وأن أطلع بالتالي عن قرب على مجتمعاتها، ومن هذه الأقطار السعودية والإمارات ولبنان وليبيا، بالإضافة إلى مصر الحبيبة بطبيعة الحال.

 

(2)

ولقد خرجت من تلك الإقامة والتأمل فيما هو حولي من الأحوال والأقوال والأفعال بنتيجة توفرت لها الكثير والكثير من القرائن، وثبتت عندي في كل مكان أقمت فيه من تلك الأماكن بلا استثناء.

 

(3)

هذه النتيجة تتلخص في التالي (كل أرض دخلها الإسلام كانت بالطبع في جاهلية من قبله، وكانت الجاهليات تختلف من أرض لأرض، فكان لمصر جاهليتها (الفرعونية)، وكان للخليج وليبيا جاهليته (القبلية الوثنية)، وكان للبنان جاهليته (الفينيقية)، فكان لكل أرض جاهليتها، وتركت تلك الجاهليات آثارًا على شخصيات البشر وطباعها قبل مجيء الإسلام، واستمرت آثار منها بعد أن أسلم الناس، فمن حسن إسلامه سواء أكان فردًا أم جماعة استطاع مقاومة مؤثرات الجاهلية التي ورثها عن بيئته وتوارثها الأبناء عن الآباء متغلغلة في جذور تربتهم الاجتماعية، فمن حسن إسلامه من فرد أو جماعة استطاع مقاومتها وكبتها، أما عندما يضعف الوازع الديني داخل نفس الفرد أو الجماعة، فإن تلك المؤثرات الجاهلية تبدأ فورًا في الظهور، وترتد كل أرض إلى الأفعال الجاهلية التي كانت عليها قبل مجيء الإسلام، وإن حافظت من ناحية المظاهر على الشعائر الإسلامية المظهرية، وعلى العقائد الأساسية لها).

 

(4)

هذه النتيجة التي شاهدتها بعيني، وعايشتها في كل مكان ذهبت إليه، لها شواهد كثيرة من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فمؤثرات الجاهلية وشوائبها في حياة من لا يقاومها تظهر في قول الحق تعالى “وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ”، يروى عن حذيفة أنه زار مريضًا فوجد عنده تميمة، فنزعها بقوة وهو يتلو هذه الآية، فقد كانت التمائم والأحجبة وطلب النفع والضر بها من جاهلية الجزيرة العربية، وكانت من جاهلية المصريين القدماء أيضًا في (الجعران) وغيره، وما زالت فينا في كثير من مناطق الأمة العربية.

 

(5)

ويقول الحق سبحانه مخاطبًا أمهات المؤمنين ومن ورائهن من النساء المسلمات وليس الكافرات “وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ,  فيحذرهن –على إسلامهن- من الوقوع في براثن العادات الجاهلية ومؤثراتها، وعندما يضعف الوازع الديني عند النساء فإنهن يعدن إلى تبرج الجاهلية الأولى.

 

(6)

وأما عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم فالأحاديث كثيرة، ومنها أنه كان مما أوصى به في خطبته العامة الأخيرة إلى الأمة في حجة الوداع قال: “ألا إنَّ كلَّ شيءٍ من أمرِ الجاهليَّةِ تحتَ قدميَّ مَوضوعٌ” رواه أبو داوود.

 

(7)

ويروي أبو ذر رضي الله عنه في الحديث [المتفق عليه]، واللفظ هنا لمسلم (إنه كان بيني وبين الرجلِ من إخوتي كلامٌ، وكانت أمُّه أعجميةً، فعيَّرتُه بأمِّه، فشكاني إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلقيتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال ( يا أبا ذرٍّ! إنك امرؤٌ فيك جاهليةٌ)، وفي لفظ البخاري (إني ساببتُ رجلا فعيرتُه بأمِه، فقال لي النبيُّ صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذرٍّ، أعيرتَه بأمِه، إنك امْرُؤٌ فيك جاهليةٌ).

وما أكثر ما نجد هذا في عالمنا العربي المعاصر، التفاخر بالآباء والأمهات، ومعايرة الآخرين بذلك عند الخصومة.

 

(8)

ويروي جابر بن عبد الله رضي الله عنه يقول (كنا في غَزاةٍ فكسَع رجلٌ من المهاجرينَ رجلًا من الأنصارِ، فقال الأنصارِيُّ: يا لَلأنصارِ، وقال المهاجرِيُّ: يا للمهاجرينَ، فسمِع ذاك رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: (ما بالُ دَعوى جاهليةٍ)، قالوا: يا رسولَ اللهِ، كسَع رجلٌ من المهاجرينَ رجلًا من الأنصارِ، فقال: (دَعوها فإنها مُنتِنَةٌ) [متفق عليه].

وعن جندب بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “من قُتِلَ تحتَ رايةٍ عميّةٍ، يدعو عصبيّةً، أو ينصُر عصبيّةً، فقتلةٌ جاهلية” [أخرجه مسلم في صحيحه].

وما أكثر تلك الصفات في عالمنا العربي حاليًا من رواسب الجاهلية لما ضعف الوازع الديني رغم كل المظاهر والشكليات!

 

(9)

فإذا بدأت بمصر حيث وطني الذي أمضيت فيه معظم فترات حياتي تجد الجاهلية الفرعونية ضاربة جذورها لخمسة آلاف عام قبل الإسلام، يفاخر بها المفاخرون، وينصبون التماثيل لفرعون ذي الأوتاد، ثم هم في الأقوال والأفعال يضاهؤون أسوأ صفات الجاهلية الفرعونية (دون صفاتها الجيدة).

 

 

(10)

فلا تجد في مصر الحديثة نظام مصر الفرعونية، ولا تجد في مصر الحديثة دقة ورقي مصر الفرعونية الهندسي وغيره، ولا تجد في مصر الحديثة النبوغ في الطب والهندسة والمعمار وخلافه، لكن تجد في مصر الحديثة جميع مظاهر الجاهلية الفرعونية، تجد في كل مكان وفي كل منعطف (فرعون) و(هامان) و(قارون) و(السحرة) و(الملأ) و(الجنود) و(القوم)، فهذه هي الأطراف السبعة للجاهلية في مصر قبل الإسلام تجدها نموذجًا يتكرر في كثير من الأماكن والأزمان في مصر، وكلما ضعف الوازع الديني –مهما كانت المظاهر– توحش النموذج الجاهلي.

 

(11)

ففي كل موضع (فرعون)، يقول بلسان حاله: أنا ربكم الأعلى، ويقول بلسان حاله: ما أريكم إلا ما أرى.

وفي كل موضع (هامان)، لا يستغني الفرعون عن وزير سوء من أراذل الناس يصطفيه ويعليه مكانة لا يستحقها ليقوم له بأمره على أسوأ ما يكون.

وفي كل موضع (قارون) يستعلي على الناس بماله ويتزاوج مع السلطة ويتقارب معها ليشد بها أزره ويزيد ماله ولتستقوي هي به في إطار المنافع المتبادلة.

وفي كل موضع (سحرة) يقلبون الحق لباطل ويسحرون أعين الناس ويقنعونهم أن الحبال والعصي تسعى!

وفي كل موضع فيه فرعون تجد (الملأ)، ملأ فرعون، يتنافسون فيما بينهم في تملقه ونفاقه، وفي تزيين الباطل له ودفعه نحو المزيد منه طمعًا في مكاسبهم الخاصة، ويشتد سعارهم إذا وجدوا صوتًا للحق يصدح قريبا من أذنه، فيسارعون على التحريض عليه.

وفي كل موضع تجد (الجند)، جند فرعون الذين بهم يبطش وبمساعدتهم يتفرعن.

وفي كل موضع تجد الجاهلية ضاربة في (قوم فرعون) الذين يرتضون به إلهًا، بل هم الذين يرفعونه إلى مرتبة الألوهية، فإذا وصل لها فلا رأي لهم مع رأيه ولا ينظرون إلى أنفسهم إلا باعتبارهم عبيدًا له، وهم الذين رفعوه، فإذا وصلوا إلى ذلك أصبحوا طوع يمينه، كلما استخفهم أطاعوه، وما ذلك إلا لأنهم قوم فاسقون، فيهم من فسق الجاهلية الأولى وطباعها.

 

فأما من ملأ الإسلام قلبه بنور الإيمان، فذلك يتخلص من رواسب الجاهلية الفرعونية ويقاومها في نفسه وفيمن حوله، فهو في صراع يومي بينه وبينها في نفسه وأهله ومحيطه طالما هو في مصر، أدرك ذلك أولم يدرك، وأما من ضعف الوازع الديني في قلبه –مهما كانت المظاهر الإسلامية في أقواله وأفعاله- فهو واقع في براثن الجاهلية الفرعونية لا محالة، ولن تجده في موضعه إلا واحدا من أضلاع النموذج السُباعي، لن تجده في موضعه إلا فرعونًا أو وزيرًا لفرعون أو مقاربا له مفتونا بماله مثل (قارون) أو من ملأ فرعون، أو ساحر من سحرته، أو جندي عبد عنده، أو من قومه مستخف لأمره.

 

(12)

وعندما أقمت في الخليج وليبيا وجدت الأمر ذاته، فمن ضعف الوازع الديني عنده من فرد أو جماعة استهوته الشياطين ويسقط أول ما يسقط في جاهليته المحلية، وما هي تلك الجاهلية، تعالوا نتعرف عليها من حديث جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه للنجاشي حين سأله عن أمرهم، فقال له:

“أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قال: فعدد عليه أمور الإسلام، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث”.

 

(13)

قد عدد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه أوجه الجاهلية في جزيرة العرب، هي ذاتها الموجودة حاليًا عندما يضعف الوازع الديني عند الفرد أو الجماعة هناك، هي ذاتها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع -عدا عبادة الأصنام التي يأس منها الشيطان ورضي بما دونها– فعندما يضعف الوازع الديني –مهما كانت المظاهر والشكليات الإسلامية– تجد التفاخر بالقبيلة والنسب، والاستعلاء على الآخرين، تجد التفاخر بالمال، تجد إتيان الفواحش، تجد القوي يأكل الضعيف، تجد أكل مال اليتيم والمكفول، تجد قول الزور، تجد تضييع الأمانة، تجد العنصرية لدرجة أنهم هنا ما زالوا يسمون أسود البشرة بالعبد!! وقد كنت أكلم أحد السائقين وكان أسود البشرة فلما انصرفت جاءني مواطن وقال لي (ماذا قال لك العبد)؟! كل هذه من صفات الجاهلية في تلك المناطق تعود إليها بمجرد نقص الوازع الديني.

وفي ليبيا فالأمر مقارب، ينقص في أشياء ويزيد في أشياء بحكم الموقع والتواصل مع بيئات أخرى، لكن القبلية وموروثاتها ما زالت هناك وتزيد عليها (الجهوية)، فالفتن بين أهل الشرق والغرب، وكذلك بين العرب والأمازيغ منتشرة جدًا، وكلها (منتنة) من أمر الجاهلية كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

(14)

وفي لبنان فإن مؤثرات الجاهلية (الفينيقية) و(الغربية) وتأثرهم بغير المسلمين من حولهم أشد، فالخمور في كثير من محال المسلمين، وملابس كثير من المسلمات مثل ملابس غير المسلمات، نفس التحلل، الميسر (اللوتارية) في كل مكان، والترخص في بيع كل شيء وأي شيء موجود حتى في بعض المناطق الإسلامية، فالتجارة (ولكن على النمط الجاهلي من خمر وميسر ونساء وغيرها) تضرب كل من يضعف عنده الوازع الديني.

 

(15)

وأما عن مسلمي المهجر والغرب فالأمر أصرح، إذ أن الجاهلية عندهم ليست غابرة، بل هي حاضرة ومحيطة بهم بذاتها وليس بمؤثراتها، وإنما هم في قلبها يصارعون، لذلك تجد الكثير منهم قد تأثر بها في أفكاره وعقله وتصرفاته، فأصبح إسلامه إسلامًا غربيًا مترخصًا في كل شيء، إلا من جاهد في الله حق جهاده وتمسك بالإسلام في قلبه وامتلأ بالإيمان.

 

(16)

وعلى هذا فكثير من الأخطاء والطوام التي نقع فيها إنما يعود مرجعه إلى أن –الموروث الحضاري– الذي نفاخر به مثل كل منطقة تفاخر بأجدادها، إنما هو في حقيقته موروث مفخخ منطوٍ على جاهلية عمياء داخله, تمثل الظلمة التي أخرجنا الله منها بالإسلام، لكنها ما زالت تؤثر علينا من خلال البيئة وما انتقل إلينا منها، فإما الاعتصام بالإسلام والتمسك بأحكامه وسننه وأخلاقياته وتصوراته، وإما الوقوع في براثن جاهلية المنطقة التي نشأنا فيها، وأحكامها وسننها وأخلاقياتها وتصوراتها، فالنور واحد والظلمات تتعدد، لكل منطقة ظلمتها، ولا يزال الصراع قائمًا  -وسيظل- بين الظلمات والنور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد