قبل الغوص في تحديد مفهوم الظلام في الفيزياء، يجب أن نعلم أنه من منظور الفيزياء، يُقال إن الجسم يكون مظلمًا عندما يمتص الفوتونات، مما يجعله يبدو باهتًا مقارنة بالأجسام الأخرى. على سبيل المثال، لا يعكس الطلاء الأسود غير اللامع الكثير من الضوء المرئي ويظهر داكنًا، بينما يعكس الطلاء الأبيض الكثير من الضوء ويبدو ساطعًا. قد يبدو الشيء مظلمًا، لكنه قد يكون ساطعًا بتردد لا يستطيع البشر إدراكه. المنطقة المظلمة لها مصادر إضاءة محدودة، مما يجعل رؤية الأشياء صعبة. تسبب التعرض للضوء والظلام المتناوبين (ليلًا ونهارًا) في العديد من التكيفات التطورية للظلام. عندما تدخل الفقاريات، مثل الإنسان، منطقة مظلمة، تتسع حدقاتها، مما يسمح بدخول المزيد من الضوء إلى العين وتحسين الرؤية الليلية. هذا من جهة، من جهة أخرى يجب أن نعرف ما هو الضوء المرئي؟

الضوء المرئي عبارة عن إشعاع كهرومغناطيسي ضمن جزء من الطيف الكهرومغناطيسي يمكن للعين البشرية إدراكه. ويُعرف الضوء المرئي عادةً بأن له أطوالًا موجية في حدود 400- 700 نانومتر؛ أي بين الأشعة تحت الحمراء (ذات الأطوال الموجية الأطول) والأشعة فوق البنفسجية (بأطوال موجية أقصر).

يُصنَف الإشعاع الكهرومغناطيسي، حسب الطول الموجي إلى موجات الراديو، والميكروويف، والأشعة تحت الحمراء، والطيف المرئي الذي نعده ضوءًا، وفوق بنفسجي، وأشعة سينية وأشعة جاما.

يعتمد سلوك الإشعاع الكهرومغناطيسي على طول موجته. الترددات الأعلى لها أطوال موجية أقصر، والترددات المنخفضة لها أطوال موجية أطول. عندما يتفاعل الإشعاع الكهرومغناطيسي مع الذرات والجزيئات المفردة، يعتمد سلوكه على كمية الطاقة لكل كم يحمله.

يتكون الإشعاع الكهرومغناطيسي في منطقة الضوء المرئي من كوانتا (تسمى الفوتونات) الموجودة في الطرف السفلي من الطاقات القادرة على إحداث إثارة إلكترونية داخل الجزيئات، مما يؤدي إلى تغييرات في الترابط أو الكيمياء للجزيء. في الطرف السفلي من طيف الضوء المرئي، يصبح الإشعاع الكهرومغناطيسي غير مرئي للبشر (الأشعة تحت الحمراء)؛ لأن فوتوناتها لم تعد تمتلك طاقة فردية كافية لإحداث تغيير جزيئي دائم (تغيير في التشكل) في الجزيء البصري الشبكية في شبكية العين البشرية، ويؤدي التغيير إلى الإحساس بالرؤية.

توجد حيوانات حساسة لأنواع مختلفة من الأشعة تحت الحمراء، ولكن ليس عن طريق الامتصاص الكمي. يعتمد الاستشعار بالأشعة تحت الحمراء في الثعابين على نوع من التصوير الحراري الطبيعي، حيث تُرفع حزم صغيرة من المياه الخلوية في درجة حرارة بواسطة الأشعة تحت الحمراء. يسبب الإشعاع الكهرومغناطيسي في هذا النطاق اهتزازًا جزيئيًّا وتأثيرات تسخين، وهي الطريقة التي تكتشفها هذه الحيوانات.

فوق نطاق الضوء المرئي، يصبح الضوء فوق البنفسجي غير مرئي للبشر، ويرجع ذلك في الغالب إلى امتصاص القرنية تحت 360 نانومتر والعدسة الداخلية أقل من 400 نانومتر. علاوة على ذلك، لا تستطيع المخاريط الموجودة في شبكية العين البشرية اكتشاف أطوال الموجات فوق البنفسجية القصيرة جدًّا (أقل من 360 نانومتر) وهي في الواقع تتضرر من الأشعة فوق البنفسجية. العديد من الحيوانات ذات العيون التي لا تتطلب عدسات (مثل الحشرات والروبيان) قادرة على اكتشاف الأشعة فوق البنفسجية، عن طريق آليات امتصاص الفوتون الكمومي، بالطريقة الكيميائية نفسها التي يكتشف بها البشر الضوء المرئي.

إذن بخلاصة؛ فالظلام ليس له وجود في الطبيعة، ويمكن القول إنه فقط غياب الطيف المرئي ولو كان بامكاننا تحسس باقي الموجات التي لا نستطيع رؤيتها (مجال الطيف غير المرئي) لما كان هناك أساسًا شيء اسمه الظلام، وبعبارة أخرى لو كانت لأعيننا تركيبة قادرة على تحسس جميع الموجات لأصبحنا نرى في الظلام، فمثلًا هناك بعض الحيوانات تستطيع الإبصار في الظلام؛ وذلك لقدرتها على تحسس الأشعة فوق بنفسيجة أو أشعة تحت الحمراء، وأيضًا فالكاميرات الليلية تمتلك هذه الخاصية الذي تعجز أعيننا البشرية عنها، وبالتالي يترجم دماغنا غياب هذه الترددات على شكل صورة سوداء نسميها الظلام.«الظلام ما هو إلا غياب فوتونات الضوء».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد