ما من شيء يمسح عن جبين كل عربي حزين أعراض الإحباط والفشل؟ كل ما يدور حولنا يزيدنا وهنًا على وهن، وبؤسًا على بؤس… ما من أحد يحل من وثاقنا وينقذنا من هذه السُّحْمَة؟ يفسر لنا أسباب هذا التناحر والاقتتال بين الإخوة.

الفوضى أصبحت نمط عيش خاص بنا، بل أصبحت خبزنا اليومي، سبقنا الجميع وبقينا كأهل الكهف أيقاظًا نيامًا نجترّ نفس الحكايات.

لعل أغرب الحكايات الحكاية الليبية التي لم تنته بعد، كالجزيئات الغازية في القنبلة الهيدروجينية، كلما زادت الحرارة والضغط ازدادت معه قوة الانفجار، فما إن تهدأ منطقة حتى تشتعل اشتباكات أعنف في منطقة أخرى، وآخرها العمليات العسكرية التي تشنها قوات خليفة حفتر على وكلاء الخلافة المزعومة بمدينة درنة.

درنة مدينة جبلية ساحرة تأخذ الألباب تطل على البحر الأبيض المتوسط في شمال شرق ليبيا، تعد أكثر من 80 ألف ساكن، يعرفون بطيبتهم وحُسن استقبالهم للغرباء، وهذا ما يفسر تاريخها الحافل خلال العصر اليوناني والعثماني حين كانت نقطة تبادل تجاري وثقافي عالمي، لكن للأسف هذه المدينة العتيقة الشامخة أصبحت محليًا مرتعًا وحلبة صراع بين ميليشيات تحمل فكر السلفية الجهادية وميليشيات أخرى لا تختلف عنها كثيرًا وتعمل تحت راية تنظيم الدولة وأنصار السنة المحظورة، كلهم وبدون استثناء يلهثون وراء السلطة دون كلل، آخر اعتباراتهم سكانها الطيبين، مراد كل طرف منهم أن يكونوا في صفهم.

هذه الفتنة التي حلت بهم من غير سابق إنذار دفعوا ثمنها أضعافًا مضاعفة؛ إذ وجدوا أنفسهم بين نارين، نيران الداخل والتي تؤججها جماعات إسلامية هشة ركيكة تريد السلطة والسيطرة على الموارد، ونيران من الخارج، من حملة عسكرية شعواء يقودها اللواء المتقاعد خليفة حفتر، الذي ضل يحاصرها منذ أكثر من أربع سنوات، تحول هذا الحصار إلى استهداف بالقنابل برا وجوًا بمساعدة عسكرية يعتقد أن جنسيتها عربية.

مؤخرًا أطلقت عملية سميت بعملية الكرامة، أعلن بدايتها خليفة حفتر في 7 مايو (أيار) الماضي وعنوانها الرئيس استعادة السيطرة على درنة، انقسمت هاته العملية على مرحلتين، الأولى في 16 مايو 2018، والثانية في 4 يونيو (حزيران) 2018، وكان نتاجها خسائر بشرية إذ بلغ عدد ضحايا القصف الجوي والأرضي على المدينة المنكوبة نحو 17 مواطنًا بينهم طفلين، بالإضافة إلى إصابة 22 مدنيًا على الأقل، بينهم سبعة أطفال (المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا).

وسبب ذلك – حسب المنظمة العربية – استخدام أسلحة فتاكة وغير دقيقة، بالإضافة إلى الإطلاق العشوائي للنيران والمدفعية ومدافع الهاون على تجمعات مدنية، واعتبرت المنظمة أن هاته العملية وبتلك الطريقة قد ترتقي إلى جريمة حرب توجب المساءلة، وتتطلب تحرك دولي واسع يحد من استهداف المدنيين العزل الذين لا ذنب لهم سوى أنهم يتواجدون في هذه المنطقة الملتهبة.

ولئن تكللت هاته العملية بالنجاح في أجزاء من المدينة، إلا أن ذلك ترافق مع حملة اعتقالات تعسفية عشوائية في صفوف النشطاء والخطباء الذين تم نقلهم إلى سجن قرنادة سيئ السمعة الواقع جنوب مدينة شحات، ومن تبعات ذلك أيضًا (حسب المنظمة العربية) نزوح أكثر من 1800 عائلة، و يخشى أن يزداد العدد نتيجة اشتداد المعارك العسكرية في المدينة واستحالة العيش فيها.

تعقيبًا على ما يحدث، ربما يتهمنا البعض جزافًا، نحن الحقوقيون، بأننا ننقل مآسي ذوي الإرهابيين والمحيطين بهم من الأبرياء، المدافعين عن حقوق الإنسان لا يصطفون لا مع هذا ولا مع ذاك، إنما كرامة الإنسان هي ديدنهم، وكرامة الليبيين في تلك المناطق تُنتهك ليلًا نهارًا من جماعات إرهابية خارجة عن سلطة الدولة، تسلبهم حقهم في العيش بسلام وتحولهم الى دروع بشرية أمام قوات تدعي أنها تريد تخليص المدينة من هاته الجماعات التي صنفها مجلس الأمن الدولى بأنها إرهابية؛ فتزيد الطين بلة.

الجميع يجب أن يقف صفًا واحدًا في مواجهة باعثي الإرهاب والفتنة وسافكي الدماء أيًا كان من كان من بائعي الوهم، لكن العاقل لا ينصح بحصار عائلاتهم نساءًا وأطفالًا وشيوخًا عزلًا، و لا يستهدف المنازل المشبوهة بشكل مباشر بغض النظر عن تواجد مدنيين فيها، مثلما حصل أيضًا في سرت وتاورغاء وغيرها.

لتحقيق الوحدة الليبية يجب الفصل بين الجلاد والضحية، الضحية في هذا الشأن هو المواطن الليبي الذي تدهور مستواه المعيشي وهاجر الكثير منهم نحو كل بقاع العالم يحملون معهم آلامًا سببها الفتنة، أصبح التاورغي أو المصراتي وغيرهم يخفون هويتهم خوفًا من التعذيب والتنكيل.

لا نريد أن تتكرر معاناة أهالي تاورغاء عندما استخدمت مدينتهم كمنطقة عسكرية من قبل قوات النظام القذافي في فبراير (شباط) 2011 حيث تمترست الآليات العسكرية داخل أحيائها السكنية، سكان وجدوا أنفسهم في مرمى نيران كتائب القذافي ونيران كتائب الثوار ونيران النيتو، نفس السيناريو يتكرر في درنة الذين وجدوا أنفسهم بين بين مطرقة السلفية الجهادية الضالة وسندان القوات النظامية.

درنة ستتحرر من الإرهاب، سواء بحفتر أو بدونه لأنها إرادة الليبيين إن لم يكن عاجلا فآجلًا، وسيتمكنون من بناء جيش وطنى قوي يحمى سيادة البلاد وثرواتها وسيضعون أسس دولة القانون والمؤسسات، وخاصةً حقوق الإنسان، فقط كسروا أغلالهم وأخرجوهم من سجون الذل والهوان، وسترون أنهم يستطيعوا أن لا يطيعوا هذا الجمود السحيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد