تعريف وخلفية تاريخية

داربا هي مختصر الحروف الإنجليزية: (DARPA: Defense Advanced Research Projects Agency).

وتعني: وكالة مشروع البحث المتقدم للدفاع، تأسست في أمريكا عام 1958، بموافقة الرئيس الأمريكي الراحل دوايت أيزنهاور، بميزانية تقدر بحوالي 520 مليون دولار. جاء تأسيس هذه الوكالة في سياق الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي، في مضمار التنافس العسكري والتكنولوجي والأمني. هذه الوكالة مسؤولة عن صنع واستعمال وتطوير التكنولوجيا للاستعمالات العسكرية الأمريكية تحت عنوان الدفاع الاستراتيجي. قدمت هذه الوكالة إنجازات ضخمة على صعيد التطور التكنولوجي، فإليها يعود فضل كثير، أو ربما كل الفضل، في اكتشاف الإنترنت والـ(جي بي إس) (نافيجيتور، كشاف الخريطة المرتبط بالأقمار الصناعية)، مع اختراع وتطوير مستويات عديدة، وذات أهمية قصوى في التكنولوجيا العسكرية الجوية والبرية والبحرية. الاختراعات والإنجازات كثيرة، يصعب عدها، فهذه المؤسسة التي تأسست في خمسينات القرن الماضي بميزانية فاقت نصف مليار دولار في ذلك الوقت، وبميزانية سنوية ازدادت بمرور الزمن لتبلغ عدة مليارات من الدولارات سنويًا، قامت باختراعات عديدة بفضل هذه الميزانية التي خُصصت للمتخصصين في مجال العلم والتكنولوجيا. هناك أكثر من نصف قرن متواصل من العمل الدؤوب الذي جعل هذه المؤسسة تبلغ ضفافًا خطيرة من البحث العلمي والتكنولوجي، لها علاقة مباشرة بطبيعة البشر وتكوينهم. يستطيع القارئ، الذي يجيد الإنجليزية زيارة صفحة وكالة (داربا) والاطلاع على منجزاتها منذ عام 2011، وأنا أنبه جهات إعلامية وشخصيات أكاديمية إلى هذه الوكالة؛ لعلهم ينتبهون إلى عظيم أمرها.

خطورة داربا

لماذا داربا خطيرة؟ الكثير من الناس قرأوا أو سمعوا بقصة فرانكشتاين، وهي رواية من الخيال العلمي للكاتبة البريطانية المشهورة ماري وولسنكرافت شيلي في عام 1818. الرواية ببساطة، تتحدث عن طالب جامعي اسمه فيكتور فرانكشتاين، الذي يبتكر عن طريق البحث العلمي طريقة لبث الحياة في المادة.

يتطور البحث إلى أن يخلق كائنًا قبيحًا متوحشًا، يسبب خرابًا كثيرًا، حيث يقتل أخوي وزوجة فرانكشتاين، ويتسبب في خوف ورعب كبيرين لفرانكشتاين والقريبين منه.

هذه القصة خيالية بالطبع، لكن داربا ليست خيالية، بل كائن في عالمنا، وتحت أيادي كادرها المتفوق علميًا، إمكانات كبيرة جدا. هذه الإمكانيات سخرت لخدمة الدفاع القومي الأمريكي، داخل أمريكا وفي العالم، في وقت تراكمت خبرات هائلة لدى الآلاف من الكوادر التي تعمل في هذه الوكالة، فضلًا عن تطوير الأجهزة التكنولوجية التي تستخدم لأغراض عسكرية وأمنية.

قامت هذه الوكالة بالتورط في أبحاث تمس صميم الوجود الإنساني، عبر التعمق والتوسع في مجالات علمية وفلسفية مثل: الذكاء الاصطناعي، العقل والمعرفة، الدماغ والوعي، الميتافيزيقيا والعالم، علم النفس والأعصاب… إلخ. وكأن مسار داربا، يتجه نحو النتائج التي تحدثت عنها ماري شيلي في روايتها، لكن الخطورة في أبحاث داربا، دع عنك المسافة بين الحقيقة وخيال روائية في بداية القرن التاسع عشر، لا يمكن مقارنتها بتلك التي وجدناها في وحش فرانكشتاين، فالخطورة عظيمة، والأعظم منها غفلة الناس العرب والمسلمين إزاء درك هذه الخطورة التي تتعاظم بمرور الأيام، كلما تقدمت التكنولوجيا، واستمرت الأبحاث الشاملة والعميقة لهذه الوكالة.

العلم والفلسفة وفروعاتهما المتشعبة: نبذة تاريخية

لكي نفهم داربا، من المستحسن أن نعطي مختصرًا مفيدًا للتطور الذي طرأ على الفلسفة والعلم زهاء قرنين. منذ القرن التاسع عشر، تفرعت الفلسفة الغربية إلى مدارس متعددة ومتشعبة، بعضها استقل عن الفلسفة لتعود العلاقة بينهما كعلاقة بين حقلين متمايزين تربطهما وشائج قربى. من هذه المدارس التي استقلت هي مدرسة علم النفس، لكن الفلسفة التقليدية نفسها، والتي تسمى بالفلسفة القارية، نسبة إلى قارة أوروبا، تطورت إلى فرعين آخرين انبثقا منها، وأصبحا فرعين مضافين للفلسفة، وهما:

أولا: المدرسة التحليلية المعروفة بالمدرسة الأمريكية.

ثانيا: المدرسة البراجماتية التي ظهرت في أمريكا أيضًا.

وبالرغم من أن الفلسفة الوجودية ظهرت كفلسفة مستقلة وأيديولوجية في آن، لكنها تعتبر جزءا من الفلسفة القارية، ولاحقًا تأسست فروع متشابكة بينها وبين الفلسفة التحليلية، تطورت بتطور البحوث المتواصلة في الغرب، لكن الفلسفة التحليلية ظلت مواكبة للتطور العلمي والتكنولوجي، شأنها شأن مدرسة علم النفس. لذلك ظلت وشائج القربى بين المدرستين قوية، ضمن دائرة التطور العلمي والتكنولوجي التي أتاحت الفرصة لكليهما بتطوير آفاقهما بتمايز وتناسق. ومن الفروع التي تطورت من الفلسفة التحليلية، نجد فروعًا غاية في الأهمية، مثل الفلسفة والمعرفة (إبستمولوجي)، الفلسفة والعقل (أو الدماغ)، الفلسفة والعلم، الفلسفة وعلم الأعصاب، الفلسفة والتكنلوجيا، الفلسفة والبايولوجيا والفلسفة والذكاء الاصطناعي (AI)… إلخ من الفروع التي لها صلات مع علم النفس.

كيف نشأت العلاقة بين الفلسفة وهذه التطورات العلمية والتكنولوجية؟

مع تطور علم النفس وعلوم الطب، تطورت العلاجات الطبية، ومن ضمنها العقاقير المصنوعة من المواد الكيمياوية، والعلاج السيكولوجي عبر وسائل تكنولوجية كالصدمات الكهربائية (بدأت عمليًا في التطبيق في بداية القرن العشرين وقام فلاسفة من مدرسة فرانكفورت بالبحث والدراسة فيها)، وكذلك العلاجات الفيزياوية (عبر وسائل تكنولوجية أيضا)… إلخ.

وبما أن الفلسفة تبت في جسد الإنسان وعقله، والعلاقة بينهما، ضمن العالم الطبيعي والفيزياوي والميتافيزيقي، فإن كل القضايا العقلية (الوعي واللاوعي والذاكرة والعقيدة والتعليم والتربية والهوية الإنسانية)، أصبحت محط البحث والمناقشة الفلسفيين. أي أن الفلسفة، وكذلك علم النفس، أمسيا مجبرين على دراسة التطورات التكنولوجية والعلمية التي أثرت في جميع جوانب الإنسان البدنية والعقلية، وإفرازاتهما وتفاعلاتهما المستمرة.

أي أن الأسئلة الفلسفية هي الأخرى تطورت وتشعبت حول الإنسان وماهيته وهويته، مثلًا، هناك شخص اسمه أحمد، عمره ستون عامًا. ما هي هوية أحمد أو عمره؟ هل هويته هي ملامحه وشكله البائن في جسده ومحياه؟ أم أن هويته مستقرة في دماغه وذكرياته؟ ماذا لو فقد أحمد ذاكرته، هل سيبقى نفس الشخص الذي كان والذي يعرفه مقربوه؟ ماذا لو شلّ جسده تماما وظل عقله سليمًا، هل سيبقى نفس الشخص الذي كان؟ ولو فقد عقله أو ذكرياته، أين تذهب عقيدته وآراؤه وذكرياته التي تشكل خطًا ممتدًا مع عمره، الذي يبدأ في نقطة زمانية ومكانية معينة؟ حين يمرض أحمد، ويصاب بأمراض عقلية أو دماغية ثم يتلقى العلاج، أين يؤثر الدواء الطبي في دماغه وأي جزء هو المصاب، وكيف يتفاعل هذا الجزء مع الدواء؟ من هنا، نجد أن دراسة الدماغ أفرزت نتائج مدهشة وغريبة.

في خضم هذه التطورات العلمية نشأت فروع فلسفية تستند على نظريات علمية مثل نظرية فودر عن الوحدات الدماغية (Modules)، ونظريات أخرى مثل الحساب والتمثيل (computation and representation)، الذكاء الإصطناعي، الإتصال، علم الأعصاب… إلخ، من النظريات التي شهدت تقدمًا واضحًا في ميادين العلم.

تزامنًا مع هذا الجانب، نجد تطورًا هائلًا في علم الجينات البشرية التي أثرت وتفاعلت مع علوم الطب والبيولوجيا والكيمياء والفروع الأخرى. لو افترضنا أن أحمد مصاب بداء معين، هل هذا الداء له علاقة بجيناته الوراثية؟ أي دواء يعالج مرضه؟ هل يتفاعل أحمد مع الدواء ويستجيب للعلاج، أم أنه يرفضه ويتحسس منه؟ لماذا يرفض جسد أحمد (و من ضمنه الدماغ) علاجا معينا؟ هل هو بسبب جيناته؛ لأنه من فصيل معين؟ هل هو بسبب تكوينه الجسدي المعين؟ هل هو بسبب بيولوجي مستقر فيه هو؟ هل هو بسبب جزء معين في دماغه؟ هذه الأسئلة وأخرى لا نهاية لها، توصلت الأبحاث الجينية إلى نتائج مدهشة حقا، لكن كالعادة، لا يبوح الغرب بهذه النتائج إلا بمرور حقبة طويلة، لا يكون نشرها يشكل خطرًا أمنيًا عليه؛ لأن الإنجازات الجديدة قد تخطتها بأحقاب.

ونفس هذه الحال بالنسبة إلى العلوم الأخرى مثل التكنولوجيا (مثلًا الإنترنت كان موجودًا منذ الستينات من القرن الماضي، ولكن كان يستخدم لأغراض عسكرية فقط خارج متناول العامة).

ماذا تفعل داربا بهذه العلوم وكيف تعمل وتبحث فيها لأغراضها التي تشكلت من أجلها وهي كما تزعم الدفاع عن أمريكا؟

تدرس وتبحث داربا في كل هذه العلوم التي ذكرناها، وتقوم بإختراع التكنولوجيا المناسبة لها. لنذكر مثالًا واحدًا، سبق وأن ذكره الفيلسوف المشهور سلافوي جيجيك، وهو مسألة كيفية عمل الدماغ. والأسئلة هي: ما هو الدماغ؟ ما هي طبيعته؟ كيف يعمل؟ ما هي أقسامه؟ أي قسم من الدماغ يتعلق بالعقائد والآراء والتوجهات السياسية؟… إلخ. من هنا تقوم داربا بتوظيف أحدث الدراسات والأبحاث التكنولوجية والطبية (العقاقير الكيميائية)، من أجل اختراق الدماغ البشري والتأثير فيه. مثلًا، تعمل داربا على إيجاد البرنامج الكومبيوتري الذي من الممكن عن طريقه معرفة المعلومات التي تستقر في الدماغ، أو إيجاد العقار الكيمياوي الذي يؤثر على الجزء المرتبط بالآراء والعقائد والقناعات. إلى جانب هذا، تدرس داربا وتبحث في الدراسات الجينية وإختلاف التفاعلات والتأثيرات البيولوجية وفروقاتها في الجينات المختلفة بين البشر. يعني تريد داربا عبر التطور التكنولوجي، أن تصل إلى نتائج من الممكن القول فيها إنها تريد اختراع السلاح الذي يؤثر في جينات بشرية معينة، بينما لا تؤثر في جينات أخرى، لو اختبر في نفس الزمان والمكان، تمامًا كما الحال في التفاعلات المختلفة للبشر مع نفس العقار الطبي الذي يسبب حساسية للبعض، بينما لا يسبب الحساسية للبعض الآخر.

أي أن عمل داربا متشعب وشامل، في إنجاز التكنولوجيا المناسبة (للدفاع عن الولايات المتحدة الأمريكية). والخطورة العظيمة هنا تكمن، كما يشرحها سلافوي جيجيك، أن طبيعة، التأريخ البشري المعروف للجميع، تتعرض لتغير جذري ودراماتيكي لم يشهده العالم من قبل. ومن هنا ستتلاشى كل المفاهيم المتعلقة بهوية الإنسان، وطبيعته، وأفكاره، وحريته وميوله ورغباته؛ وتصبح كل هذه خاضعة للتكنولوجيا المخترعة من خميرة نتائج الأبحاث العلمية، لشتى فروع العلم الذي يهمين عليه الغرب اليوم، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. يعني أن الأبحاث المتقدمة لداربا تهدف إلى السيطرة على البشرية عبر التحكم بعقلهم، وكذلك اختراع السلاح الذي يبيد العناصر غير المرغوبة فيها. ويستطيع القارئ تكوين فكرة عن هذا الموضوع كبداية عبر مشاهدة أفلام أمريكية معينة، تدرس في أقسام الفلسفة في جامعات الغرب، مثل ماتريكس، تيرمينيتور، وول إي، ماينوريتي ريبورت… إلخ.

السينما الأمريكية والسياسات المستقبلية للغرب

الكثير من السياسات الغربية، ونتائج الأبحاث العلمية، تبوح أو تظهر في السينما الغربية. للأسف الشديد، بدل أن يؤسس العرب مؤسسة تحليل أكاديمية للأفلام السينمائية الأمريكية، نجد أن الثقافة المتعلقة بالأفلام الأمريكية في العالم العربي فقيرة جدا إلى درجة الانعدام. الأفلام الأمريكية في عالمنا ليست سوى أوقات للتسلية واللهو. ومن المفضل أن نطرح هنا، أمام الدول العربية الغنية، اقتراح القيام ببناء مؤسسة تحليلية للسينما الأمريكية، تساعد وتؤهل الإنسان العربي على فهم ما يدور حوله، وبالذات ما يدور في الغرب؛ لأنه هو السيد القوي في العالم بين أمم الأرض، ويتطور دون توقف ويحمل في أحشائه خطرًا عظيمًا ليس له مثيل في التأريخ. يستطيع العرب توفير بعض الأموال، التي تصرف على الحفلات الليلية وفضائيات اللهو، لتوظيفها من أجل مشاريع مستقبلية تخدم الأجيال العربية القادمة، التي تواجه خطرًا أعظم من الذي نعيشه نحن أبناء جيلنا المعاصر.

مشاريع للنهضة

منذ عام 2006 وإلى اليوم، قدمت ست مشاريع كبيرة من أجل النهضة إلى حكومة إقليم كُردستان. لكن انشغال هذه الحكومة بأمور تافهة، تغطي على سطح وباطن أعمال واهتمامات هذه الحكومة، أدى إلى إهمال مشاريعي وعدم الاكتراث بها، حد ما يتصل بقواعد الأخلاق البسيطة، وهي العرفان الشفهي إزاء الخدمات المقدمة إلى هذه الحكومة! من ضمن هذه المشاريع، كان لدي مشروع أكاديمي يتعلق بموضوع هذا المقال.

منذ العام الماضي، قدمت مقترح مشروع للنهضة إلى دولة قطر، وتحديدًا إلى أميرها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. وقبل أسابيع قصدت قطر، وأقمت فيها خمسة أيام من أجل تقديم مشروعين آخرين، فضلًا عن تقديم نسخة من المشروع الذي قدمته لأمير قطر في العام الماضي. في هذه الزيارة، التقيت بالدكتور علي القرة داغي أمين عام الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بمقر إقامته، وسلمته ثلاث نسخ من المشاريع الثلاثة، نسخة لفضيلته، وأخرى لأمير قطر، مع نسخة إلى مؤسسة للدراسات والأبحاث بالدوحة. كما قدمت أربعة مشاريع إلى الحكومة التركية، وسلّمت بنفسي نسخة منها إلى مكتب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ونسخة إلى حزب العدالة والتنمية (ياسين أقطاي) عبر مستشارته للشؤون الخارجية سيفغي هاجداري، ونسخة أخرى إلى رئيس الحكومة السابق أحمد داود أوغلو. إذا تمت الاستجابة لهذه المشاريع، فسنشهد نهضة واقعية في غضون عشرة أعوام، على أن نشهد ثمارها كاملة في أقل من عشرين عامًا.

في المقال القادم سأتحدث عن تفاصيل هذه المشاريع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد