بين يديِّ الكتاب

الكتاب يحوي بداخله 513 صفحة موزعة بين 10 فصول تُدرس في الخارج على خمسة أجزاء، وسنحاول تلخيص الكتاب في سطور بسيطة، ونشرح النظرية شرحًا مُبسطًا.

أهم فصول الكتاب أربعة: (الانتقاء الطبيعي، التمايز، الغريزة، التنغيل)، ولنبدأ بكل فصلٍ على حِدة:

1-الانتقاء الطبيعي:

هو الانتخاب الطبيعي، أو من الممكن شرحه كالآتي؛ أن الطبيعة دائمة التغير خاصة من حيث المُناخ، فلو أن الكائن لم يستطع التكيف مع هذا التغير سينقرض، فالكائن الأقوى هو القادر على التكيف مع التغير الحادث من خلال بعض التمايزات والإفرادات التي تمنحها الطبيعة له، وتكون تلك التمايزات مجموعة من التغيرات التي تطرأ على أعضائه سواء من ناحية الشكل أو الحجم، فقد انتقته الطبيعة من وسط أنواع مماثلة له من الطبقة نفسها ليستمر ويتكيف بأعضاء أكثر فاعلية للبقاء، فيصير الأصلح والأقوى. وهذه التمايزات لا تحدث في يوم وليلة، وإنما تحتاج لأزمان وأزمان، وتورث في النوع الواحد من جيل إلى جيل، وهذا يُفسر ما قاله داروين عن أن الانتقاء سر التطور في صـ225:

«وعلى هذا فإننا من الممكن تفسير هذه الصلات المشتركة والتمايزات الواضحة الموجودة داخل الكائنات الحية، ونحن نكاد نغفل عن هذا بسبب الأُلفة والاعتياد – يُريد أننا اعتدنا على الكائنات الحية بأشكالها دون أن نتأمل أو نكتشف ما يُميز أحدهم عن الآخر – وهي أن جميع الحيوانات والنباتات من الممكن أن تترابط بعضها ببعض في مجموعات، فالضروب التابعة لطبقات منفصلة عن بعضها البعض أقل قرابة وارتباطًا بشكل كبير، فالأنواع إن تم خلقها بصورة مستقلة عن بعضها فلن يكون هناك تفسير لهذا التشابه، ولكن الأمر يُفسر من خلال الوراثة والمفعول المعقد بالانتقاء الطبيعي».

وشبه داروين الانتقاء بالشجرة كبيرة الأغصان، والتي فيها غُضينات صغيرة خضراء اللون يخرج منها أوراق تُمثل الكائنات الحالية التي أتمت تطورها، وتكيفت مع البيئة، وهناك أغصان قد تساقطت وذبل نضيرها – وهي الأغصان التي صاحبت الشجرة منذ أن كانت شجيرة صغيرة، ولكنها لم تستطع التكيف مع تغيرات البيئة، فلم تتطور في أي مرحلة من مراحل الحياة، ولم تكتسب المُميزات التي منحتها الطبيعة للبقية، فسقطت ولم يبقَ منها إلا الحفريات، وإن تبقى منها شيء وأبى أن يسقط فهي الأغصان الرفيعة المستترة الضئيلة الصغيرة التي نجت من تلك التغيرات الطارئة واستطاعت التطور ولو بالقليل؛ ككائن خُلد الماء واليربوع.

يعني هناك كائنات استطاعت النجاة من الانقراض، لأن السبب وراء الانقراض هو عملية الانتقاء الطبيعي، فقانون الانتقاء الخاص بالطبيعة هو أن تكتسب مميزات فتتطور وتتكيف مع تغيرات البيئة، لينجو جنسك من الانقراض، ككائن (الأركيوبركس) وهو أحد فصائل الديناصورات، ولكنه كان مميزًا عنهم بالأجنحة والريش، فلما حدث أن انقرضت باقي الديناصورات بفصائلها، كان أن استطاع هو بفضل الانتقاء الطبيعي أن يتطور وتتضاءل أعضاؤه ليظهرَ عبر تتابع أجياله في شكل الطيور المعروفة حاليًا. فالسر وراء انتقاء الطبيعة له دونًا عن الآخرين. سرعة التكيف، فالتكيف أحد آليات عملية التطور.

وقبل الانتقال من تلك النقطة، سنذكر مُصطلحًا اسمه الانتقاء غير المقصود، وهو الانتقاء الذي يحدث – غالبًا – دون تدخل الطبيعة ويكون عن غير قصد، وغالبًا ما يكون للإنسان اليد العليا في ذلك؛ فأنت عندما تُربي كلبًا للصيد، تأتي بأشرس وأسرع الكلاب، ثم تقوم بتزويجها بعضها بعضًا، هنا تجد أن الكلاب حديثة الولادة صارت مثل أهليهم؛ شرسة وسريعة الركض والصيد، وصرت بذلك تملك سلالة تتميز بأنها سريعة وشرسة بفضلك أنت! فأنت عندما قمت بذلك لم تكن تقصد إطلاقًا فعل ذلك – أي تغيير النسل أو تطويره، ولذلك سُمي هذا الانتقاء بالانتقاء غير المقصود.

2-التمايز:

هي الاختلافات سواء كانت الصُغرى للضروب أي داخل حيز النوع الواحد، أو الكُبرى بين نوع ونوع ولكن من الطبقة نفسها، وهي عملية تستمر لفترة طويلة، وعملية تحقق الطبيعة من خلالها مرتجاها؛ ألا وهو الانتقاء الطبيعي، وتحدث تحت وطأة «الظروف!»، وتلك الظروف ناتجة في نظر داروين عن «الصدفة؟!» فنجد داروين عندما يتحدث ع التمايز يقول:«بأنه ليس هناك أدلة كافية لإثبات ذلك الأمر»، فكأن فصل التمايز لداروين على عكس بقية الفصول لم يكن مصحوبًا بالأدلة الكافية!

ولكن الجدير بالذكر – تلخيصًا للتمايز- بأنه إذا حدث تغير صغير أو كبير فلا بد من فترة زمنية طويلة لهذا التغيير، فداروين يؤمن بأن التمايز والانتقاء يحدثان – على فترات زمنية طويلة – في أحد الأعضاء أو الأجزاء فتتغير شكلًا وحجمًا، هنا يكون الانتقاء الطبيعي قد نجح في تثبيت تغير عضوي أو جزئي في ذلك الكائن الحي، وقد يكون التغير إما بالإقدام وإما الارتداد؛ الإقدام وهو تمايز الكائن بصفة ناتجة من السلوك مختلفة تمامًا عن أسلافه: أي له ما يُميزه عن أسلافه كلهم، أما الارتداد فهو أن يعود إلى ما كان عليه أسلافه في بعض الأجزاء: أي بدلًا من التطور للأمام يتطور إلى الخلف، فبدلًا من أن يتقدم، يتقادم، وهي حالة نادرة الحدوث.

3-الغريزة:

تُعد الغريزة أمرًا مهمًّا في الكائنات الحية، ولكن داروين سعى لإثبات نظريته الانتقائية من خلال الغريزة.. كيف؟!

حيث يقول: بأنه قد تكون هناك غريزة مكتسبة من التمايز الحادث تحت وطأة أحد الظروف ليتحقق الانتقاء الطبيعي، وتجد أن هذه الغريزة يتفرد بها الحيوان في منطقة معينة عن باقي الحيوانات والفصائل من المنطقة نفسها، ولكن يتشابه في تلك الغريزة مع بقية الكائنات من فصائله وأقرانه، ولو في مناطق مُختلفة، كطائر «الدج» بالمناطق الاستوائية في أمريكا اللاتينية، عنده غريزة تُميزه عن باقي الطيور والمخلوقات، ألا وهي وضع الطين في عشه، وتلك الغريزة تتشابه مع غريزة طيور الدج نفسها في بريطانيا.

وكل هذه الأمور يرى داروين أنها ناتجة من قانون التكاثر والتمايز لا عن موهبة أو خلقة، ومع عملية التمايز تنتقل تلك المميزات إلى الأجيال اللاحقة، فتصير أقوى وأصلح للبقاء، وهذا أيضًا أكده داروين في نظريته الـ«بانس ميريا»، والتي تتشابه مع رؤية لامارك في بعض النقاط، والتي تتحدث عن انتقال تلك المورثات من خلال الأعضاء التناسلية، ولكن أُثبت فيما بعد خطأ تلك النظرية على يد العالم الراهب ماندل.

في نهاية ذلك الفصل يقول داروين مُعلقًا على التمايز والتكاثر الذي يُنتج كائنات أقوى من الكائنات السابقة، في الفقرة الأخيرة صـ441: «ودع الأقوى يحيا والأضعف يموت».

4-التنغيل أو الأخلاس:

ويكون من خلال «التهجين» فالنغل هو الهجين أو المختلط، وهو الناتج من تلاحم أو تزاوج نوعين مختلفين، والتهاجنات الأولية بين الفصائل المُختلفة قد يصدر عنها بعض الاختلافات غير معلومة المصدر عند داروين! فمثلًا في تهجين الحيوان أو النبات نجد أن العمليات الأولى للتهجين تنتج منها أنواع عقيمة – ضعيفة – ولكن مع تكرار عملية التهجين ستنتج أنواع شديدة الخصوبة ومُبتعدة عن العُقم تدريجيًّا.

يُجدر الإشارة يا عزيزي القارئ إلى السبب الرئيسي وراء نظرية الانتقاء لداروين، والتي كانت المحور الأساسي للتطور، فداروين من خلال الكتاب حاول إثبات أمر مهم وهو أن فكرة استقلالية المخلوقات في نشأتها أو الشريعة البيولوجية المعروفة وقتذاك والتي تقول: إن الطبيعة لا تسمح بطفرة[1] -طفرات جينية- وأن الطبيعة بكائناتها نتجت مرة واحدة مستقلة بعضها عن بعض، غير صحيح عند داروين، بل إن الكائنات الحية يربطها أمران؛ الأول وحدة الطراز، والثاني ظروف البقاء.

أما وحدة الطراز فتظهر في الكائنات الحية حول العالم المتشابهة فيما بينها من حيث الغرائز وغيرها، كطائر الدج الذي حدثتك عنه منذ قليل، أما ظروف البقاء والتي أكدها العالم «كوهير» قبل داروين تُعد أساس فكرة الانتقاء الطبيعي وبقاء الكائنات الحية على قيد الحياة، فالطبيعة تنتقي أو تنتخب أو تختار الأصلح للبقاء، فتُحدث بعض الطفرات الجينية في أعضاء ذلك الكائن، ويورث – الكائن – تلك الطفرات التي تبدأ بالظهور جليًّا في الأجيال اللاحقة، ويكتسب الكائن على إثر ذلك ما يُميزه عن باقي الكائنات الحية ولو حتى كانت من نوعه نفسه، فما الذي يُميز نقار الخشب عن الصقر عن الأوز والبط.. ظروف البقاء المُحيطة بكل طائر منها، رغم أنها من النوع نفسه – نوع الطيور – إلا أن الطبيعة بطفراتها وانتخابها ميزت كل واحد منها بما يُلائمه في بيئته عن الآخر. ولنُبسط الموضوع أكثر؛ كبر الحجم – زيادة الوزن – لماذا يتمتع حصان البحر بذلك الوزن الهائل؟ ستقول: حتى يتصارع مع أقرانه ويغلبهم. ولماذا لا يتميز القرد العنكبوتي مُتسلق الأشجار بذلك الأمر – زيادة الوزن -؟ ستقول: لأن هذا يُعرقل عملية تنقله بين الأشجار. إذًا الطبيعة تُكافئ كلَ كائنٍ بما يُناسبه من أجل البقاء.

فالأصل هنا: التنوع والتميز للحصول على النتيجة نفسها، ولو حتى كان ذلك التنوع في الأعضاء، بين الكائنات المُتشابهة معًا كالطيور، أو الكائنات المُختلفة كالقرد وحصان البحر، حتى تتحقق النتيجة الأساسية من عملية الانتقاء؛ وهي التكيف مع البيئة بتقلباتها وتغيراتها.

ولو سألتني ما هي الكائنات الأكثر تكيفًا وتنوعًا والأقوى أو الأصلح، بالتأكيد هي الطيور، فمنذ الأركيوبركس – حلقة الوصل بين الطيور والديناصورات – إلى يومنا هذا والتنوع بين الطيور المائية غير القادرة على الطيران كالبط والإوز والطاووس، والطيور المُحلقة كالصقر ونقار الخشب، يُثبت لنا أن ذلك الكائن هو أشد الكائنات بقاءً وتكيفًا مع البيئة، حتى إنه أقدم عمرًا من حيوانات كثيرة كالإنسان.

أهم النتائج التي توصل لها داروين:

1- أن المخلوقات تُنتج (خلايا التكاثر) كالحيوان المنوي بشكل كبير، والقليل منها يصل إلى مرحلة النضوج.

2-رأى أن أعداد المخلوقات لا تتزايد وإنما في ثبات، وبالتالي فنسبة الوفيات –حتميًّا- تكون أعلى من المواليد، والقليل الباقي هو المؤهل لبلوغ مرحلة النضوج.

3- ما يصل إلى النضج يتغير في (الشكل والصفات وقوة الاحتمال)، فيؤهله ذلك إلى (البقاء والاستمرار والتعايش مع البيئة الطبيعية من مُناخ وغيره)، فالتطور يُعد الطور الأعلى للتكيف والتعايش.. فمتى حدث التكيف من قِبل الكائن الحي مع الوضع البيئي المُتقلب حدث التطور، والعكس صحيح.


1- الطفرة هي التغيرات في النوع الجيني في المجموعة الإحيائية، فيحدث إعادة تركيب داخل الحمض النووي، والذي يؤدي إلى تغيير في الكائنات الحية وأعضائها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد