هو سؤال مشروع، نواجه به أنفسنا، نسأله لنواجه الواقع، لا دعوة للتيئيس أو التثبيط: هل الشعب الآن على استعداد لتطبيق شرع الله؟ هل هو أهل أصلا لتطبيق شرع الله؟ لنجب أولا عن:

كم عدد هؤلاء الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون؟! كم عدد هؤلاء الذين يرفعون السلاح على العزل المسالمين، يقتلونهم ويصيبونهم ويعتقلونهم ويعذبونهم ويسومونهم سوء العذاب؟! كم عدد هؤلاء الذين يندمون على عدم امتلاكهم السلاح حتى يشاركوا في تلك المجازر؟! كم عدد هؤلاء الذين يبررون شتى أنواع الظلم في كل حين، جهلا أو حقدًا أو غلا في نفوسهم؟!

كم عدد هؤلاء الفاسدين الذين يعيشون ويقتاتون من الرشوة والإتاوة والسرقة والنهب والنصب والاحتيال؟! كم عدد هؤلاء الذين يعيشون في سكر وعربدة، ولا يحد من تصرفاتهم دين ولا عرف؟! كم عدد هؤلاء الذين يتلذذون بالحرام وينغمسون فيه، بداية من الدعارة وتجارة الشرف، ومرورًا بنهش لحوم النساء والفتيات تحرشًا أو اغتصابًا، وانتهاء بإدمان المواقع الإباحية والعادة السرية والتحرش؟!

كم عدد هؤلاء الذين لا يعلمون من دينهم إلا القشور، ويسبحون في مستنقعات من الجهالات عن دينهم تصل بهم أحيانًا إلى اعتقادات كفرية وشركية وبدعية؟!

كم عدد هؤلاء الذين قد يتقيدون بالعيب، لكنهم لا يرون غضاضة أو أدنى حرج في فعل حرام أو مكروه؟! كم عدد هؤلاء الذين يحاربون الإسلام وعقائده ودعاته، جهلا حينًا، وبغضًا لأهل الحق حينًا، وخوفًا دفينًا من سطوة الإسلام على مناحي حياتهم أحيانًا؟!

كم عدد هؤلاء المأجورين الذين يبيعون دينهم وشرفهم ورجولتهم ونخوتهم وإنسانيتهم مقابل حفنة من الجنيهات، والتي لا تسمن ولا تغني من جوع؟! كم عدد هؤلاء الذين يسخرون آذانهم وعقولهم أوعية يملؤها الكفار والمشركون والملحدون والمنافقون والجهلاء والرويبضة بقذارتهم ودنسهم ورجسهم وعفن أفكارهم وخبيث معتقداتهم؟!

كم عدد هؤلاء الشيوخ ظاهرًا، المنافقين باطنًا، الذين يدينون بالولاء لكل ظالم فاسق مرتد، لكنهم يحاربون كل حاكم عادل طاهر صادق، يشرعنون للظلم والفسق والبدعة والضلالة، بل ويمهدون الطريق – بفتاوى مسبقة الدفع – لمحاربة الشريعة الإسلامية؟!

كم عدد هؤلاء الذين يعبدون بطونهم، فلا يهمهم في الحياة سوى لقمة العيش، دون اهتمام يذكر بشرع أو دين، أو حتى مراعاة لآدمية أو إنسانية، فهم يرحبون بالعبودية والذلة والمهانة مقابل لقمة عيش يقتاتون عليها؟! كم عدد هؤلاء الذين تشوهت في فكرهم ووجدانهم صورة الإسلام من خلال تشوه متعمد لدعاته وحملة رسالته وشريعته؟! فراحوا يعادون عن جهل مقيت ثوابت الدين وأصوله!

كم وكم وكم؟! أليست أغلب الإجابات بالملايين وأدناها بعشرات أو بمئات الآلاف؟! أليس كل عدد منهم مرعبًا لهول حجمه؟! أليست كل طائفة من هؤلاء تملأ كل شارع، بل لا يكاد شارع يخلو من كثير منها؟!

هل ندرك إذن حجم المصيبة؟ هل ندرك إذن كم نحتاج من الجهد لحل كل تلك المعضلات؟ نعم، رحمة الله وهدايته فوق كل إرادة، لكننا نتعامل مع الأسباب ونكل الأمر كله إلى الله بعد ذلك.

أعجبني تعبير «جحيم ما بعد الانقلاب» جدًا. إنه أدق تعبير عما نحن فيه من كارثة! حتى إذا سقط الانقلاب قريبًا، فلن يكون الحال أسعد مما نحن فيه بكثير!!! سيكون علينا مواجهة مجتمع يكاد يقارب مجتمع الجاهلية الأولى! إنه مجتمع به الملايين من كارهي الحق، به الملايين من الجهال دينا وعلمًا، به الملايين من عبيد لقمة العيش مهما كانت الوسيلة، به الملايين من سيئي الظن ومغفلي الذهن، به الملايين ممن تلوثت ألسنتهم بالخوض في الأعراض والشماتة في الدماء وتبرير الظلم والقهر، به الملايين من ضعفاء الإيمان والعقيدة والذين يسهل خداعهم واستمالتهم نحو الباطل وتزيينه إليهم، به الملايين من أصحاب الكبائر الذين يرون في الشريعة تضييقًًا عليهم، به الملايين من الذين تشوهت عقولهم وخربت ضمائرهم وساءت أخلاقهم، به الملايين ممن يفهمون الدين فهمًا مشوهًا مغلوطًا من كثرة أخذ دينهم من الرويبضة أو علماء السلاطين وشيوخ الفتنة ودعاة التيك أواي!

إن أرض المعركة بعد سقوط الانقلاب لن تكون أقل ضراوة وشدة. بل أزعم أنه سوف يحمى وطيسها وتنهش مخالبها في لحوم المصلحين حتى تصل إلى نخاع العظام تهشم فيه وتنهيه! قد يسترد المسار الثوري الحقوق، قد يعيد كرامة المستضعفين، قد يضع أمور العامة وشئونهم في نصابها، قد يضع بعض الفاسدين والمجرمين في السجون وفوق أعواد المشانق، قد تتحسن أسباب الحياة الكريمة نوعا ما، لكن الجحيم آت حينها لا محالة!

سيأتي جحيم التعامل مع أخيك الذي أبلغ عنك أمن الانقلاب، سيحل جحيم التعامل مع أختك التي صدقت حديث الإفك في زوجتك وابنتك، ستعيش جحيم التعامل مع جارك الذي ألقاك بالحجارة والقاذورات في مسيرتك ومظاهرتك، ستحيا جحيم التعامل مع قريبك الذي مشى بين الناس يبغضك إليهم ويحاربك كأنما يحارب عدوا، سترى جحيم التعامل مع صديق اختلق عنك الشائعات وأذاع عنك الكذب والزور والبهتان، ستضطر لعيش جحيم التعامل مع من كنت يوما عمه أو خاله وقد كان يسب لك الدين ويتهمك في دينك ويسفه عقلك ويتطاول عليك، ستكون في خضم الجحيم حين ترى بأم عينيك نفاق بعض هؤلاء وتزلفهم وإظهارهم غير ما ذكرت آنفًا أمامك، فتذهب بك الشكوك والظنون أبعد مدى، حتى تظن أنهم يبيتون لك سوءًا ويمكرون بك في ظلماتهم وخلواتهم بأنفسهم!

جحيم دعوة مشوهي القلب والعقل والبصيرة، بينما يجلدون ظهرك بطلباتهم لرغد العيش لا مجرد اللقمة التي كانوا يتسولونها على موائد اللئام من قبل! مقرنين ذلك بتباطؤ عن الكسب ورغبة عن الجد والكد، استجابة لدعوات المنافقين والمرجفين، لمسنا نماذج لذلك طوال عام كامل!

جحيم إصلاح فساد «للركب» كما سماه أحد أقطابه يومًا قبل أن يغرق الآن الرقاب والرؤوس! جحيم محاربة رذيلة طلت برأسها اللعين في كل بيت على كل شاشة! جحيم تصحيح مفاهيم تآمرت كل الوسائل على تشويهها وتزييفها! جحيم إعادة سرد تاريخ تم تزويره بشكل مقيت ليصدق فيه الكاذب ويكذب فيه الصادق، ويؤتمن فيه الخائن ويخون فيه الآمين، بكل ما يحمل ذلك التعبير من معنى!

جحيم محاربة عدو محلي، وآخر إقليمي، وثالث عالمي، وليس أحدهم أقل خطرًا ورجسًا ونجسًا من أخيه! فالأول يدعمه الثاني ويحمي كليهما الثالث! ولا يجتمع هذا المثلث إلا لمحاربة راية الحق أين كانت! جحيم محاربة أفاعي هذا المثلث تزداد صعوبتها في وجود جهلاء مغيبين في الداخل يرون العدو حليفًا ويحسبون الأخ عدوًا لدودًا!

هذا الجحيم وذاك وغيرهما لا بد لهم من استعداد وكثير جهاد، لا يتوهمن واهم أن الأزمة الحالية سيورث حلها نعيما ورخاء! بل حين يسقط الانقلاب، إن عاجلا أو آجلا، حينذاك فقط ستكون أولى خطوات الجحيم الذي لا بد منه قبل النصر الأخير، الانقلاب هو أولى المعارك ليس إلا!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد