الرأسمالية، لعل هذه الكلمة هي الأشهر في عالم الاقتصاد، والتي تنطوي على العديد من المفاهيم والنظريات التي يرتكز عليها الاقتصاد العالمي، والتي يعود تاريخ بداياتها إلى القرن السادس عشر، حيث تطورت بشكل ملحوظ بالتزامن مع الثورة الصناعية في أوروبا. وخلال هذه الفترة الطويلة من حياة الرأسمالية، ساهمت في النهوض باقتصاد دول وتدمير أخرى، وشهد العالم العديد من الصراعات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المرتبطة بشكل أو بآخر بثقافة وسياسة الرأسمالية وما نجم عنها من إيجابيات وسلبيات في أنحاء العالم، ولكن هذه الصراعات لم تنجح بإلغائها أو إضعاف هيمنتها كما حدث للنظم الاقتصادية التي كانت قائمة – على سبيل المثال لا الحصر – على الفكر الاشتراكي.

وللرأسمالية أنواع عديدة تختلف فيما بينها من حيث منهجية تطبيقها ونوع السلع و الخدمات التي تشملها، إلا أنها تشترك جميعها بهدف واحد وهو تحقيق الربح الكبير لفئة تعتبر قلة مهما كبرت مقارنة مع الطرف المتأثر بها سواء مستهلكين أو أسواق نامية. وتعد الرأسمالية الصناعية؛ والتجارية؛ ونظام الكارتل؛ ونظام الترست من أبرز أنواعها، إلا أنه في بداية الألفية الجديدة، وبالتزامن مع التطور الرقمي المطرد خلال السنوات العشر الماضية، ظهر نظام رأسمالي جديد بدأ يلقي بظلاله على جميع جوانب حياتنا، سواء سياسيًا أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا، وهو «رأسمالية البيانات» Data Capitalism.

وهنا لا نقصد البيانات بمفهومها العام التقليدي، مثل معلومات قليلة تتضمن الاسم والعمر والجنس. بل هي تلك البيانات التي تتضمن أدق التفاصيل الشخصية والصحية وأنشطة التصفح على الشبكة العنكبوتية، وما هي المنتجات والفيديوهات والموسيقا التي تفضلها، والأخبار التي تجذب انتباهك، والصفحات والمواضيع التي تتابعها على منصات التواصل الاجتماعي، والكلمات التي تنتقيها لكتابة رسائلك، و.. و.. وغيرها الكثير من التفاصيل الدقيقة التي قد تراها سخيفة، إلا أنها تعتبر قيمة جدًا للشركات والجهات التي تستخدمها وتخزنها في بنوك بياناتها.

البيانات هي النفط الجديد والمحرك الأول للثورة الرقمية التي يشهدها العالم اليوم. فالكم الهائل المتدفق من البيانات يوميًا بدأ يتحول إلى قيمة مادية وأصول استثمارية لكبرى الشركات في العالم، أمثال «فيسبوك» و«جوجل» و«أمازون»، لا وبل تحولت إلى أداة هيمنة وقوة بيد الشركات، مما منحها اليد العليا في السيطرة على أسواق العالم. ويمكن ملاحظة مدى أهمية هذه الأصول الرقمية وخطورتها من خلال النزاع القائم بين الولايات المتحدة والصين على الصعيد التكنولوجي، حيث تحرص الأخيرة على تقييد تدفق معلومات وبيانات مواطنيها الرقمية عبر شبكة الإنترنت العالمية على عكس الولايات المتحدة التي تعرضت للعديد من عمليات قرصنة المعلومات والبيانات التي كبدت شركاتها خسائر ضخمة، مما عزز من احتمالية تقسيم شبكة الإنترنت العالمية إلى شبكتين أو ثلاث، ويعزى ذلك إلى وجود تباين كبير بين اللوائح التنظيمية الخاصة بحماية بيانات المعلومات الرقمية في الاتحاد الأوروبي، وتلك المطبقة في الولايات المتحدة، ونظام الرقابة الصارم على الوسائل التكنولوجية في الصين المعروف باسم «الجدار الناري العظيم».

ونرى أن الدول الكبرى وشركاتها باتت في سباق محموم نحو السيطرة على البيانات التي أثبتت في السنوات العشر الماضية أنها من أقوى الأصول والأدوات الاقتصادية والسياسية في العالم الرقمي، والتي رسمت ملامح النظام الاقتصادي الجديد الذي لا يمكن لأحد النجاح فيه دون امتلاك كميات ضخمة من البيانات ومعرفة كيفية استخدامها. وأثبتت شركة «أمازون» أنها الأقوى في هذا المجال على الصعيد الاقتصادي، و»فيسبوك» و»تويتر» على الصعيد السياسي والاجتماعي، وهناك شركات عديدة أخرى، حيث نجحت جميعها في معرفة كيفية تحويل بيانات مستخدميها إلى سلع يتم بيعها لحكومات أو شركات لتستخدمها بما يتناسب مع مصالحها.

ووفقًا لجهات ووسائل إعلامية أمريكية، قد يكون تدخل روسيا في الانتخابات الأمريكية أشهر حالة لدولة تستخدم بيانات ومعلومات رقمية سياسية واجتماعية حساسة لمهاجمة دولة أخرى، لكنها ليست بأي حال المثال الوحيد، ففي عام 2014 قام هاكرز صينيون بقرصنة بيانات ومعلومات حساسة لأكثر من 22 مليون شخص، من بينهم موظفين ومقاولين فدراليين على صلة بملفات أمنية أميركية، ولم يظهر هذا الانتهاك فقط ضعف البنية التحتية الرقمية للحكومة الأميركية أمام الجهات الفاعلة العدائية، بل زود الصين أيضًا بموارد هائلة، حيث يمكن أن تستخدم الصين البيانات المسروقة للتعرف إلى المسؤولين الأمريكيين وأسرهم واستهدافهم، كما يمكن أن تستخدم أيضًا البيانات النظيفة عالية التنظيم لتطوير الخوارزميات التي تعمل على تشغيل مشاريع الذكاء الاصطناعي، وبالتالي تعزيز قوة الصين الرقمية والتكنولوجية.

كما يعتقد مسؤولو الأمن أن عملية قرصنة البيانات في عام 2017 التي هزت شركة «إكويفاكس» الأمريكية الرائدة في مجال تقارير الائتمان والتي تتولى إدارة بيانات ومعلومات أكثر من 820 مليون شخص وملايين الشركات حول العالم، والتي تم فيها سرقة المعلومات المالية والشخصية لنحو 147 مليون أمريكي، مصدرها الصين. ونتيجة لذلك تكبدت الشركة خسائر كبيرة، فضلًا عن اهتزاز ثقة السوق والعملاء فيها، وتم تغريمها مؤخرًا ما يصل إلى 700 مليون دولار بسبب عملية الاختراق هذه.

وهنا نرى مدى حساسية البيانات وقوتها بالنسبة للشركات والدول، حيث هناك حرب كبرى خفية تحدث في الفضاء الرقمي، والبيانات هي الثروة الرئيسية المستهدفة في هذه الحرب، مما دفع العديد من الدول إلى اتخاذ تدابير احترازية لحماية بياناتها وبيانات مواطنيها. فعلى سبيل المثال، أجبرت لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة المستثمرين الصينيين على الانسحاب من شركة ناشئة للرعاية الصحية غنية بالبيانات، ومن تطبيق تعارف شهير، وسوف تُشدد اللوائح التنظيمية الجديدة قريبًا الرقابة على الاستثمارات الأجنبية في شركات التكنولوجيا المتطورة التي تمتلك مجموعة كبيرة من البيانات الحساسة.

أما على مستوى الشركات الكبرى، فإن الوصول إلى البيانات يحمي الشركات أيضًا من المنافسين. ولكن كيف ذلك؟ على سبيل المثال، قد تكون المنافسة القاضية في قطاع التكنولوجيا قادمة من إحدى الشركات الناشئة التي خطت بداياتها من كراج المنزل أو نجحت في ركوب رياح التغيير المستمر في عالم التكنولوجيا بشكل غير متوقع، وهذا ما اعتدنا سماعه حول قصص نجاح العديد من شركات وادي السيليكون. ولكن، اليوم وفي عصر رأسمالية البيانات، أصبح هذا الاحتمال ضئيلًا جدًا. ويعزى ذلك بشكل رئيسي إلى أنظمة المراقبة الرقمية التابعة لعمالقة التكنولوجيا في العالم والتي تغطي جميع جوانب الاقتصاد العالمي، بمعنى آخر، يمكن لشركة «جوجل» معرفة كل ما يبحث عنه الأشخاص عبر الإنترنت؛ و«فيسبوك» كل ما يشاركونه ويهتمون به؛ و»أمازون» كل ما يشترونه أو يرغبون بشرائه. فضلًا عن كونهم يمتلكون متاجر التطبيقات وأنظمة التشغيل للحواسيب والهواتف المحمولة وغيرها من الأجهزة الذكية، كما أنهم هم من يقدمون خدمات الحوسبة السحابية للشركات الناشئة. فهم قادرون على مراقبة ومعرفة كل ما يجول في الفضاء الرقمي من معلومات وبيانات في أسواقهم الخاصة وخارجها. وبالتالي فهم قادرون على معرفة متى يكتسب منتج أو خدمة ما اهتمامًا كبيرًا من قبل العملاء أو المستخدمين، مما يسمح لهم بنسخه وإطلاق إصدار محسن منه أو شرائه بكل بساطة قبل أن يشكل تهديدًا لهم. وهناك الكثيرون ممن يعتقدون أن شراء تطبيق المراسلة الشهير «واتس أب» WhatsApp – الذي كان يعمل عليه أقل من 60 موظفًا – من قبل «فيسبوك» بقيمة 22 مليار دولار أمريكي في عام 2014، يقع ضمن عمليات الاستحواذ الشاملة التي تقضي على أي منافسين محتملين. وهنا نرى كيف يمكن للبيانات أن تخدم الشركات الكبرى وتقضي على روح المنافسة في السوق.

وفي الختام، يمكننا القول إن الرأسمالية بمفهومها العام بلغت أبهى صورها، إلا أن أدواتها التقليدية تغيرت مسمياتها وأصبحت فيها البيانات من أقوى وأهم الأدوات والثروات في هذا العصر الرقمي الأخذ بالتطور المتسارع أكثر فأكثر كل يوم. كما نلاحظ أن التنافسية التي اعتدنا عليها في الأسواق التقليدية لم يعد لها وجود في ظل هذه السيطرة التامة على الفضاء الرقمي الذي أصبح يحيط بنا ويجذبنا إليه كثقب أسود لا يمكن مقاومته. فهل يا ترى سيواصل العالم مسيره بهذا الاتجاه الذي يمنح شركات محددة السيطرة التامة على كل شيء، أو قد يلوح في الأفق القريب ما يكسر هذه الحلقة من الاستبداد الرقمي.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد