«ابنة الحظ» هي إحدى روايات الكاتبة «إيزابيل الليندي»، وهي كاتبة تشيلية ولدت في بيرو في الثاني من أغسطس (آب) عام 1942؛ حيث كان والدها توماس الليندي سفيرًا، انفصل والدها وعادت مع والدتها وإخوتها إلى تشيلي، ثم تنقلت بين عدة بلدان بعد زواج من والدتها من سفير أيضًا، وهذا كان له طيب الأثر في شحذ ذاكرتها بذكريات مميزة، وبعد الانقلاب العسكري على الرئيس «سلفادور الليندي» تم نفيها إلى البرازيل لصلة قرابتها به، وقد أثر ذلك عليها بشكل عميق.

تزوجت بعمر العشرين وأنجبت طفلين، وعملت بالصحافة، كتبت العديد من الروايات التي ترجمت للغات مختلفة حول العالم.

نظرة على الرواية

تدور الرواية حول حياة إلزا الفتاة التي لها ذاكرة استثنائية وحاسة شم قوية، وقد بلغا بها حد تذكر يوم ولادتها، والذي ظل يتردد صداه في ذهنها أعوامًا عديدة، وبالرغم من ذلك فقد ظلت حقيقتها مخفية عنها لوقت طويل، لإلزا ملامح تشيلية وشعر أسود طويل، وقد عكفت مس روز – أمها بالتبني – على تربيتها تربية حسنة وإكسابها المعارف اللازمة لفتاة من عائلة محترمة.

كان خالها الصامت والكتوم «جيرمي سوميرز» يوفر لهما حياة كريمة في بيت جيد، وتمضي الأيام وتحاول «مس روز» تأهيل الفتاة للحصول على زوج مناسب يحترمها ويكون كفؤًا لها، لكن حبائل الحب أوقعت الفتاة في طريق آخر، إذ إنها أحبت فتى معدم يدعي «خواكين أنديتتا»، وبالرغم من أن الفتى ذو ثقافة عالية، ورغبة قوية في نصرة الحق وسيادة العدل والمساواة في بلاده، إلا أن حمى الذهب قد فعلت أفاعيلها في عقله وروحه، وجذبته نحوها كالمجنون، وهناك في أرض الذهب سيكون لهما شأن آخر.

وقد ربطت الكاتبة بين عدة أحداث تاريخية بذكاء في روايتها، وفي هذا المقال سنلقي الضوء على أهم الأحداث.

الوجود البريطاني في تشيلي

«ترعرت إلزا وهي تتطلع إلى البحر الباسفيكي من شرفة منزل ذويها بالتبني، المعلق على سفح رابية في ميناء بالبارايسو، وكان البيت يحاول تقليد الطراز الشائع آنذاك في لندن، ولكن متطلبات أرض الموقع والمناخ والحياة في تشيلي اضطرتهم إلى إجراء بعض التعديلات الجوهرية، فكانت النتيجة مسخًا قبيحًا. وراحت تولد في أقصى الفناء، مثل أورام عضوية، عدة غرف بلا نوافذ وبأبواب كبوابات السجن، حيث كان جيرمي سوميرز يخزن أثمن شحنات الشركة التي يمكن لها أن تختفي في مستودعات المرفأ».

مسرح الرواية الأول ومهد بطلة الرواية دولة تشيلي، فماذا تعرف عن تشيلي؟

تشيلي بلد ضيق يمتد طوليًا على الساحل الغربي لأمريكا الجنوبية، كانت قبل استعمار إسبانيا لها جزء من إمبراطورية الإنكا الهندية الأمريكية، احتلتها أسبانيا في سنة 1540 وظلت تحت حكمها لثلاثة قرون تقريبًا، لكن بعد الإطاحة بملك إسبانيا «فرديناند السابع» على «يد نابليون» عام 1808، بدأت حركة الدعوة للاستقلال حتى انتصرت، وتم الاستقلال عام 1818.

بعد الاستقلال سهلت تشيلي الهجرة إليها وقدم الكثير من البريطانيين واشتغلوا بالتجارة فكانت هناك الكثير من شركات التجارة البريطانية، وتركزت في فالباريسو – ذات الموقع الممتاز على المحيط – حتى إنها أصبحت وكأنها مستعمرة بريطانية، وكان للبحارة البريطانيين دور بارز في تطوير البحرية التشيلية والانتصار في الحروب فيما بعد.

حرب الأفيون

«كان تاو تشين في السادسة عشرة من عمره عام 1839، عندما اندلعت حرب الأفيون بين الصين وبريطانيا العظمى. وكانت جموع المتسولين قد غزت البلاد آنذاك.حشود بشرية كانت تهجر الحقول وتظهر بأسمالها وبثورها في المدن، حيث كان يجري صدهم بالقوة، وإجبارهم على الهيام على وجوههم، مثل قطعان كلاب جائعة على دروب الإمبراطورية. عصابات لصوص ومتمردين تتصارع مع قوات الحكومة في حرب كمائن لا تنتهي. كان زمن الدمار والسلب».

تاو تشين وهو أحد أبطال الرواية كان رجلًا صينيًا ومن خلال شخصيته، ألقت الكاتبة الضوء على أحداث كثيرة حدثت في الصين، وأهمها حرب الأفيون، لنستعرض معًا هذا الحدث إلهام.

كانت الصين مطمعًا للعديد من القوى الاستعمارية الأوروبية منذ القرن السادس عشر فهي دولة ذات إرث حضاري قديم، وإمبراطورية واسعة ذات معالم جغرافية مميزة.

وبعد تولي أسرة «المانشو» حكم البلاد 1644 – 1911 انغلقت الصين على نفسها، ولم تول التجارة مع الأجانب أي اهتمام؛ إذ يتنافى هذا مع كرامة الصينيين والرؤية الكونفوشية للصين، وقد أثار هذا حنق بريطانيا – سيدة البحار والمحيطات في هذا الوقت – التي خرجت منتصرة من حروب نابليون، وقامت بها الثورة الصناعية، فحاولت منذ نهاية القرن الثامن عشر عرض التبادل التجاري على القيادة الصينية دون جدوى، فقررت شركة الهند البريطانية الشرقية زراعة الأفيون في إحدى أراضيها عام 1773.

وفي عام 1781 تم تصدير أول شحنة أفيون إلى الصين، وظلت واردات الصين من الأفيون بشكل غير قانوني في ازدياد مطرد، وبعدما أحس الإمبراطور بخطورة الأمر، أرسل مندوبًا عنه إلى ميناء كانتون عام 1838، ومن خلال صلاحيات المندوب الواسعة قام بمصادرة أطنان من الأفيون مخزنة لدى التجار، وأحرقها وأجبر التجار الأجانب على توقيع تعهدات بعدم الإتجار في الأفيون مجددًا، وبعد عدة أسابيع اندلعت «حرب الأفيون الأولى» إثر رفض المسؤول عن الرعايا البريطانيين تسليم متورطين في قتل رجل صيني، وانتهت الحرب عام 1842م بخسارة الصين ورضوخها للمطالب البريطانية التي تضمنتها معاهدة تاكنج وأهمها: دفع الصين تعويضًا عما حُرق من الأفيون وخسائر الحرب، وتسليم هونج كونج للبريطانيين، وفتح خمس موانىء أمام التجارة البريطانية.

وفي عام 1854 حاولت بريطانيا مع دول أخرى إجراء مفاوضات مع الحكومة الصينية للحصول على امتيازات أكثر، وأهمها إباحة تجارة الأفيون والعمال الصينيين الذين أطلقوا عليهم بشكل مهين كلمة الخنازير.

وبالطبع رفضت الصين، مما حدا ببريطانيا إلى تحيُّن فرصة لشن هجوم آخر، وبالفعل واتتها الفرصة عام 1856 بعد استيلاء نائب الإمبراطور على سفينة يملكها صيني تحت الحماية البريطانية؛ لكنها تحمل مطلوبين للعدالة.

وهذه المرة شنت بريطانيا وفرنسا وبجانبهما روسيا وأمريكا حربًا أعنف على الصين، عُرفت بـ«حرب الأفيون الثانية»، وانتهت عام 1860 باستجابة الصين لمطالبهم جميعًا.

حمى الذهب

«وصل خبر اكتشاف الذهب في كاليفورنيا إلى تشيلي في شهر أغسطس. وكان أول الأمر مجرد إشاعة غائمة على أفواه البحارة السكارى في مواخير حي المندرال، ولكن قبطان السفينة آديلايدا أعلن بعد أيام أن نصف بحارته قد انشقوا في سان فرانسيسكو. وروى وهو يختنق بالحماس:

– هناك ذهب في كل الأنحاء، يمكن حمعه بالرفوش، وقد شوهدت كتل تبر بحجم حبات البرتقال! يمكن لأي شخص بشيء من المهارة أن يصبح مليونيرًا»

بدأت حمى الذهب في عام 1848 عندما عثر النجار «جيمس مارشال» على رقائق من الذهب في مجرى النهر الأمريكي، أثناء عمله على مشروع منشرة تعمل بالطاقة المائية لـ«جون ساتر»، وهو سويسري ولد بألمانيا عام 1803، وبعد هربه من الإفلاس في سويسرا ووصوله لكاليفورنيا عام 1839، تمكن من الحصول على قطعة أرض تطل على تقاطع نهر سكارامنتو مع النهر الأمريكي، وجعلها مستعمرة، وكان له مطلق السلطة فيها، وبنى بها قلعة، وكانت تضم أراضي زراعية شاسعة.

وبالرغم من اتفاق مارشال وساتر على التكتم على الأمر، إلا أن الخبر انتشر بسرعة، وتصدر عناوين إحدى الصحف المحلية، واندفع الناس من كل مكان أملًا في الثروة، متحملين في ذلك المشاق الجسام، وقد كانت هذه أكبر هجرة في تاريخ أمريكا.

وقد انتهت حمى الذهب عام 1855، وتم الاعتراف بكاليفورنيا ولاية أمريكية عام 1850 بعد تخلي المكسيك عنها عام 1848، قبل اكتشاف الذهب بتسعة أيام فقط!

خواكين موريتا روبين هود الدرادو

«وكانت تجمع كل ما ينشر عن خواكين مورييتا وتحفظه عن ظهر قلب، مثلما كانت تفعل في طفولتها بقصائد مس روز، ولكنها تفضل أن تتجاهل الإشارة إلى خطيبة قاطع الطريق، وتوضح ذلك لتاو تشين بالقول: «لقد ابتدعوا تلك الفتاة لكي يبيعوا الصحف، وأنت تعرف كيف يُفتن الجمهور بالقصص الرومانسية». وكانت تلاحق على خريطة مهلهلة تنقلات موريتا بإصرار ملاح، ولكن المعلومات المتوفرة كانت غامضة ومتناقضة، والدروب تتشابك مثل نسيج عنكبوت مزعزع، دون أن تؤدي إلى أي مكان محدد».

ترجح الكاتبة هنا كبقية التشيليين كون خواكين موريتا تشيليًا – وهو شخصية معروفة أثناء حمى الذهب – فقامت بخلق شخصية حبيب البطلة خواكين أنديتتا، لكن من هو خواكين موريتا والأساطير المثارة حوله؟

حتى الآن اختلفت الأقوال بشأن «خواكين موريتا» فهناك من جزم بأنه مكسيكي وآخرون أصروا على كونه تشيلي، ومن اتهمه بالخروج عن القانون، ومن رآه بطلًا شجاعًا وقف في وجه ظلم الأمريكيين البيض.

يرُجح أنه ولد في المكسيك عام 1830، وتوجه إلى كاليفورنيا أثناء حمى الذهب والتقوا هناك بأفراد من عائلتيهما، وأثناء عملهم في جمع الذهب بهدوء، إذ اعترضهم أمريكيون بيض وطالبوهم بالذهب، وإثر رفضهم اعتدوا على زوجته فماتت، وشنقوا أخاه الصغير، وعندئذ أصر خواكين على الانتقام.

وبعد بضعة أيام وُجد أحد المهاجمين أشلاء، وتلى ذلك عدة هجمات على الأمريكيين البيض، حتى سمي بـ«روبين هود الغرب»، إلا أن الانتقام تعدى إلى شهوة في القتل والسطو فطال ذلك من يُفترض أنهم مواطنوه، وكذلك الصينيون الذين كانوا يخشونه بشدة، ونُسبت إليه تعديات كثيرة، إلى أن أعلن حاكم كاليفورنيا عن مكافأة لمن يأتي بخواكين موريتا حيًا أو ميتًا، وقام الضابط هاري لوف مع فرقته بإيقاف عصابة وقتلوا زعيمها دون التأكد من كونه المطلوب بسبب الغموض الذي اكتنف لف شخصيته، لكنهم رجحوا نجاح مهمتهم بسبب وجود ساعده الأيمن جاك «ذو الثلاثة أصابع» ضمن القتلى، ولذا فقد احتفظوا باليد، وكذلك برأس مورييتا في انائين مملوئين بالخمر لتسلم المكافأة.

كتب «جون رولين ريدج» وهو صحافي من السكان الأصليين في أمريكا أول كتاب عن خواكين مورييتا بعد وفاته بعام، أي عام 1854.

وبعدها بسنوات قليلة طور كاتب في جريدة بشرطة كاليفورنيا الرواية إلى أن أصبحت ذات شعبية كبيرة، ثم ظهر الكتاب في فرنسا، ثم انتقل إلى فرنسا، ثم تشيلي، وظلت الرواية يُضاف إليها، إلى أن كتب «جون ماكيلي» عام 1924 روايته قناع زورو، وتم تناولها في أعمال تلفزيونية وسينمائية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ابنة, الحظ

المصادر

تحميل المزيد