جاءت اللحظة التي أعلن فيها «داوود أوغلو» تخليه عن منصبه في حزبه؛ لكي لا يتهدم الحزب، ويتحول إلى جماعات متناحرة.

وشرع العرب أو أغلبهم في التصفيق للرجل، وانهالوا بالمدح عليه، وعلى شجاعته، وحسن أخلاقه، ونبله السياسي، وتحدث أآخرون عن أن السياسة لا تناسب أولئك الذين يتم وصفهم بالطيبين أو ما شابه، بينما على الجانب الآخر لم يشر أي أحد إلى أنه برحيل داوود أوغلو رحل الجيل الأول من مؤسسي حزب العدالة والتنمية، وبقي فقط أردوغان الذي من المفترض أنه تنازل عن رئاسته في الحزب؛ ليكون رئيسًا للجمهورية.

ربما لم أتفاجئ على المستوى الشخصي من رحيل داوود أوغلو؛ فالرجل كان يتحرك وفقًا لقناعته، وخارج عباءة أردوغان، والمتابع للشأن التركي يعلم جيدًا شخصية  أردوغان المتسلطة، وحبه للتحكم في كل شيء بمفرده، وهذا ما لم يعجبه. أردوغان الذي عمل من قبل على تحجيم أو إقصاء «عبد الله جول» هو اليوم يقوم بنفس الدور، ولكن الذي أقصي هذه المرة هو رئيس الوزراء، ورئيس الحزب، داوود أوغلو، الرجل الذي وصف بـ«الفيلسوف والداهية والخبير».

ألم يكن الأولى لأردوغان أن يحتفظ بهذا الرجل إلى جانبه؛ على الأقل ليشد أزره في مواجهة التحديات والمكائد التي تحاك لتركيا، فضلًا عن الاستفادة من كفاءته التي شهد له الجميع بها، ومتعلمًا أيضًا من نبي الله موسى عليه السلام «وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي. هَارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي».

أليس رحيل رجل بحجم داوود أوغلو خسارة كبيرة للشعب التركي، وكذلك للحزب، وأشبه بتفريغ الحزب من القيادات؛ لصالح شخص واحد، أو ليست هذه بفعلة ديكتاتورية تنم عن شخصية متسلطة، ترغب في خضوع الكل تحت جناحها، وإلا فمصير المخالف الإقصاء، حتى ولو كان من أقرب المقربين إليه، ومن أصدقائه الشخصيين، ورفقاء العمر.

 

كما هو معلوم للجميع، وشائع في الأوساط التركية، أن الشخصية القادمة في رئاسة الحزب لن تكون بالحجم الذي يسمح لها باتخاذ قرارات مصيرية، بل كل القرارات ستكون بأمر وتوجيه من أردوغان، أليس هذا الأمر بمثابة كارثة سياسية، أن تكون كل السلطات والقرارات في يد شخص واحد؟

التغيير القادم في الحزب، يعني استحواذ أردوغان على رئاسة الجمهورية، وكذلك رئاسه الوزراء، وأيضًا الحزب، بينما أشخاص، كعبد الله جول، وداوود أوغلو، تركوا المناصب القيادية، وإن كان الآخير قال بأنه سيظل في الحزب.

عما قريب ستتضح المعالم الجديدة للسياسة التركية، والتي ـ ربما ـ لن تكون جيدة ـ ولا أتمنى ذلك ـ لأن أردوغان وحده لن يستطيع الصمود في وجه التيار، فينما الاتحاد قوة، فالبحث عن التفرد بالسلطات، والتحكم في كل شيء يؤدي إلى فقدان كل شيء.

أتمنى أن نرى داوود أوغلو في الحياة السياسية من جديد، وبرفقته عبد الله جول، الرئيس السابق، كما أتمنى أن يعدل أردوغان عن تلك التصرفات التي تؤدي إلى تدمير مسيرة طويلة من النجاحات.

ربما كان من الأفضل لتركيا في الوقت الحالي وجود شخص كداوود أوغلو، خصوصًا بعد دخول أردوغان في صراعات مع الكثير، سياسيين وصحفيين، وكذلك التعقيد الأخير مع الاتحاد الأوروبي، بعد انفراجة في المفاوضات لدخول تركيا أخيرًا للاتحاد الأوروبي، والذي لا يخفى على أحد جهد تركيا الحثيث لدخولها الاتحاد منذ أمد بعيد، لكن الموقف الآخير ـ ربما ـ عقد من مسألة دخول تركيا للاتحاد نهائيًا.

أتمنى أن يترك الجميع، والمتصدرون للشأن العام بالأحرى، التحرك وفقًا للمشاعر، وأن يعملوا العقل قبل إصدار الأحكام؛ فرحيل داوود أوغلو، ليس علامة خير للحزب، ولا لتركيا، والأيام القادمة حبلى بالكثير.

أتمنى التقدم والنهضة لتركيا، وهذا لا يمنع من النقد والتعليق، ولكني أعتبر سياسات أردوغان الحالية مؤدية بتركيا والحزب إلى الهاوية سريعًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد