طالما تحدث العلماء والدعاة عن عدم ممانعة الغرب لانتشار الإسلام المستأنس؛ ذلك الإسلام في المساجد فقط دون غيره، ذلك الإسلام الذي لا شأن له بالسياسة، ولا دخل له في الاقتصاد، ولا علاقة له بتنظيم شئون المجتمع والأفراد، إلا ما كان من مواريث ومراسم دفن وغيره من قشور الإسلام دون لبه وجوهره. وكم أوضح هؤلاء الدعاة خوف الغرب وزبانيته وأذياله من انتشار الإسلام الحقيقي بشموله وكماله، وثبات فهمه الصحيح ورسوخه في عقول المسلمين عامة، والشباب على وجه الخصوص. وكم بذل هؤلاء من جهد ووقت ومال للحيلولة دون إيمان الناس بهذه الشمولية، التي تجعلهم على يقين بأن الإسلام ينتظم أمور الحياة جميعًا، بداية من آداب الخلاء، وحتى نظام الحكم.

لم يكن ذلك التخوف إلا لعلمهم بأن شبابًا يؤمنون بهذا الإسلام الصحيح لن يرضوا لبلادهم بالذل أو الاستكانة، وأنهم لن يسكتوا على العمالة والخيانة، وأنهم سيحاربون التبعية والضعف، وأنهم سيبذلون الغالي والنفيس ليقودوا العالم كله بدلًا من البقاء في ذيل الأمم. ولخشيتهم على عروشهم وخزائنهم وسلطانهم؛ فهم يمكرون الليل والنهار ليحولوا دون استقرار مفاهيم الدين الأصيلة في نفوس أهله.

وهذه سنة تجري على غيرهم، لكن كلًّا يغني على ليلاه! فالأغنياء يمكرون وينفقون من أموالهم ليشيعوا بين الفقراء معاني الزهد والرضا بالقليل، بل يتجاوز اللصوص المدى فيوحون إلى شياطينهم من الإنس أن يحببوا إلى الفقراء فقرهم، ويبغضوا إليهم الدنيا وزخارفها وزينتها، مستعينين بآيات وأحاديث وسير وقصص يلوون أعناقها لتخدم أهدافهم الخبيثة! وأهل السياسة ينشرون بين العامة أن السياسة نجاسة، وأن العاقل من برأ لدينه وعرضه وخلقه وفر من دهاليزها، وسعوا جاهدين لإقناع الناس أن يكتفوا بتفويض هذا أو ذاك ليقيهم شر الدخول في معاركها الشرسة! فترى الآن شعوبًا كاملة ترضى بالفقر عن قناعة، عن تخلقها بالزهد والقناعة والرضا بالقليل، ولا يطرقون بابًا من أبواب السياسة وإدارة الأمور في البلاد عن قناعة بالترفع عن الخبائث والتبرؤ من الخسة والدناءة، والوقيعة بين المختلفين في الرأي! ليتم بذلك المراد لأهل المال والسلطة؛ فينعمون بمقدرات الشعوب وحدهم دون غيرهم، بل بمباركة من العوام المضللين الموهومين وتأييدهم ودعمهم!

كل هذا وذاك قد يكون مستساغًا أو مقبولًا إن كان صادرًا من أعداء أو طغاة، لكن أن تكون ليلى أخرى يغني عليها الدعاة والعلماء فهذا ما لا يجب أن يكون! لكننا ولغاية الأسف الذي لا يوصف نرى مثل ذلك بين الدعاة أنفسهم! لكنها كما قلنا ليلى أخرى غير هذه وتلك. إنها ليلى القيادة والزعامة، ليلى التشريف بالمسئولية والادعاء بالتكليف، ليلى السلطة والجاه بين الدعاة، ليلى التشوف إلى سطر التاريخ بأسماء معينة دون غيرها! ليلى احتكار الحكمة والحنكة والخبرة والدراية بالأمور على القيادة دون الجنود! وشواهد ذلك أكثر مما يحصيه العدد! نختار منها بعضًا من أخطرها وأكثرها شيوعًا بين صفوف الدعاة عمومًا، والحركة الإسلامية خصوصًا. ونقدم لذلك بمقدمة ذات أهمية كبيرة لا غنى عنها لمن يريد الفهم العميق للأزمة الحاصلة.

يتربى الأفراد في الدعوة على الجندية، بكل ما يلزمها من معان وضوابط. يتربى الفرد على الطاعة التامة فيما أحب وكره، في المنشط والمكره. ولا غضاضة في ذلك ما دامت الطاعة في معروف. ويتربى على الثقة في القيادة دون شك أو ريبة، وتقديم حسن الظن على سواه. ولا غرابة في ذلك فالقادة فعلًا نحسبهم على خير جميعًا. ويتربى على حب الجندية والهروب من القيادة وتكاليفها وتبعاتها أمام الناس في الدنيا، وأمام الله في الآخرة. وهذا خلق محمود لا غبار عليه. ويتربى على مبدأ «لا نوليها من طلبها» فيفر من المسئولية إلا إذا حملت إليه قسرًا، وعن غير رغبة ولا تشوف منه. وهذا ضابط رائع لزرع الإخلاص في القلوب. ويتربى على الشورى والنزول على رأيها حتى إذا خالفت هواه. وهذا ما لا ينكر فضله أحد. ويتربى على أن تحمل المهام التربوية والإدارية والقيادية يقتصر على أبناء المستويات التربوية العليا دون التمهيدية منها. وهذا أيضًا ضابط يقي الصف شر الاختراق والخلل الحاصل به.

قلنا إن كل ما سبق جميل ورائع، وسلمنا به وأقررنا بصوابه، لكن الخلل الحقيقي يقع في التنفيذ لا في التنظير. ولنبدأ من رأس الهرم الذي ذكرناه آنفًا. من يتولى المسئولية الإدارية والتربوية والقيادية؟ ومن له حق التصويت والمشاركة في الشورى؟ أبناء المستويات التربوية العليا؟ لا اعتراض على المبدأ، لكن لماذا يضيق مجال الشورى يومًا بعد يوم؟ لماذا تختنق دائرة صلاحية الشورى رغم اتساع دائرة عدد الأفراد؟ أليس حريًّا بدعوة تزداد عددًا أن يزداد تبعًا لذلك عدد المصرح لهم بالمشاركة في الشورى؟ فلماذا يحدث العكس تمامًا؟ ومن المسئول عن ضعف تصعيد الأفراد من المستويات التمهيدية إلى المستويات العليا حتى تتسع رقعة اختيار المسئولين، وحتى يتوقف المسئولون الحاليون عن التذمر المزعوم والشكوى الزائفة من كثرة التبعات وضخامة التكليفات؟! بينما يشكو الشباب من البطالة الدعوية من ناحية، ومن حرمانهم من الوجود في دوائر اتخاذ القرار أو حتى الاطلاع عليها من ناحية أخرى؟ بل السؤال الأكثر حرجًا لكل قيادة في كل مستوى: هل تحترمون الشورى فعلًا؟ هل تلتزمون برأي الشورى إذا خالفت ما ترونه حقًّا أو توجهًا من مستوى أعلى؟ هل تتجنبون البحث عن مخرج ينجيكم من المسئولية حين تقررون مخالفة الشورى؟ هل تحترمون رأي الأفراد وترفعون اختيارهم فوق اختياركم؟ قطعًا لا! إن التفسير ببساطة شديدة يكمن في سلطة وشهوة القيادة في الحقيقة، مغلفة بالخوف على الدعوة في الظاهر!

ثم نثني بالثقة التي طالما كانت عائقًا أمام التطوير بدلًا من أن تكون حافزًا مهمًّا لاستكمال البناء وتكاتف الجهود! إن التنظير كما قلنا من قبل هو رائع بمعنى الكلمة، أما التنفيذ والإسقاط على حالات معينة فهو المرض بعينه! إن ثقة الأفراد في قيادتهم تعني الاطمئنان إلى كفاءتهم وإخلاصهم، لكنها لا تعني أبدًا التسليم لهم باحتكار الحق وامتلاك الحكمة والخبرة دون غيرهم، حتى ساد بين عموم الصف مصطلح «حكمة الشيوخ» و«حماسة الشباب»، وهي عبارات حق يراد بها باطل! فليست الحكمة حكرًا على الشيوخ ولا الحماسة متلازمة للشباب! والسؤال المهم: هل مراجعة قرارات القادة تتنافى مع الثقة فيهم؟ هل الاعتراض على سياساتهم ووسائلهم تشكيك في إخلاصهم؟ هل تقديم النصح لهم إهدار لمكانتهم وسبقهم وإنكار لجهادهم وتضحياتهم؟ وهل يجوز أصلًا أن تمن القيادات على الشباب بأعمار قضوها في السجون والمعتقلات؟ وهل تعد سنوات المحنة مؤهلًا للقيادة؟ إذن فلينتظر الشباب أن يقضوا أعمارهم في غياهب السجون والمعتقلات حتى يستأهلوا شرف القيادة! بئس معيار الكفاءة هو!

ولما كانت الثقة أحد الأعمدة اهتزازًا في الأزمة الداخلية (والتي هي على وشك الانتهاء تمامًا عن قريب بإذن الله) وجهت نصيحتي للأفراد في الفريقين، والتي جاء فيها: «كل يؤخذ من كلامه ويترك، إلا المعصوم – صلى الله عليه وسلم- لا تغرنك مكانة من يحدثك في خصومة وهو طرف فيها دون سماع الطرف الآخر! ربما لا يكذبك الحديث، لكنه يغفل شيئًا! ربما يصدقك القول لكن بألفاظ واسعة المعنى! ربما يمزج في شهادته بين الحقائق والآراء فيلتبس الأمر عليك! ربما هو صافي النية مخلص الوجهة، لكنه أخطأ في اجتهاده! التروي منك ليس شكًّا فيه! والتحقق مما يقول ليس تكذيبًا له! وعدم قناعتك بحجته ليست قدحًا ولا ذمًّا! اسأل الله التوفيق في الحكم، لكن خذ بأسباب التحري أولًا»، وما أردت بكلامي هذا إلا أن يتحرى الفرد البحث عن الصواب بآدابه، ورفع الحرج عنه إن رأى في بحثه وتدقيقه طعنًا في ثقته بقيادته.

ونختم بالطاعة التي هي الركن الركين في بناء الحركة الإسلامية، والتي طالما كانت حصنًا منيعًا يقيها من الضعف وتشتت الآراء. الأصل أن الطاعة وقاية من تضارب القرارات والأعمال، وحماية من شق الصف وتوهين البنيان. لكنها ليست أبدًا مسوغًا للاستبداد بالرأي وتكميم الأفواه. وليست دعوى لإهدار الإرادة بدعوى الطاعة. وليست الطاعة في كل صغيرة وكبيرة ودقائق الأمور. إن إسقاط مفهوم ركن الطاعة وحيثياته يتطلب من القائد فقهًا دعويًّا وتربويًّا وإداريًّا يقيه شر الزلل في تطبيق الركن، ويوفر على الفرد عناء الشعور بالذنب إن هو أخفق، أو بالكبت والتذمر إن هو أطاع الأمر مرغمًا. والطاعة فيما لا شورى فيها نظر ومراجعة، والشورى بغير ضوابطها تطعن في صلاحية الطاعة المبنية عليها. فالطاعة إذن ليست سلاحًا مسلطًا على رقاب الأفراد؛ يلزمون بها إلزامًا أو تسجل في سجل تقييمهم نقطة سوداء يرجع إليها حين التوثيق والتضعيف.

إن هذا المثلث «الثقة والشورى والطاعة» لهو أشبه بطوق النجاة إن تركز الضوء عليه مراجعة وتقييمًا وتقويمًا، أو بمثلث برمودا يذهب من أخفق فيه إلى غير رجعة! هي دعوتنا التي تربينا عليها وعشقنا الحياة فيها، وعشناها كالماء للسمك لا يحيا خارجه إلا قليلًا، فلتعد كما كانت صافية نقية من تلك الشوائب التي شابتها فشيبتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد