عاصفة الفجر.. وصف إعلامي جدير بما قرره الملك سلمان بن عبد العزيز، الملك السعودي، منذ ثلاثة أيام، بتعيين ابن أخيه الأمير محمد بن نايف، وليًا لعهده، ونجله محمد بن سلمان وليًا لولي العهد، حيث كانت العاصفة في توقيتها وأهميتها للمستقبل السياسي للمملكة.

هذه القرارات ترسم مستقبل المملكة لعشرين عامًا قادمة على الأقل – إن لم يحدث شيء يغيرها – وأنهت جدلًا استمر أكثر من عشر سنوات على الأقل، حول كيف يمكن نقل الحكم من أبناء الملك عبد العزيز، إلى أحفاده دون أن تتعرض الأسرة أو المملكة نفسها لأي هزات سياسية.

إجمالًا فإن هناك ثلاثة أسباب – برأيي – وراء تمكّن الملك سلمان بن عبد العزيز من تمرير قراراته الجريئة والقوية دون مشاكل كبيرة، في الأسرة المالكة الكبيرة والمتشعبة والواسعة، وتكمن هذه الأسباب في مراكز القوى وتوازنات الأسرة المالكة، وغياب الكفاءات المنافسة، والحاجة إلى القرار نفسه.

فكون الملك سلمان والأمير محمد بن نايف ونجله محمد بن سلمان ينتمون إلى السديريين، فهذا مركز قوة بحد ذاته يمكن لهم تمرير هذا القرار، إلا أن هذا ليس كل شيء؛ فالملك نفسه وإخوانه، خاصة أحمد وفهد وسلطان وأنجالهم لهم علاقات واسعة في الأسرة المالكة، نسب ومصاهرة وتجارة، فضلًا عن كونهم لهم علاقات كبيرة ومتينة ومؤثرة مع العائلات والقبائل السعودية المختلفة، خاصة الملك سلمان الذي حكم الرياض خمسين عامًا متصلة.

والحقيقة التي ربما تبدو للعيان أن السديريين، سواء السبعة أبناء الملك عبد العزيز، وأبناؤهم، يخططون لتلك اللحظة منذ زمن بعيد، ليس فقط منذ مرض الملك عبد الله أو حتى منذ ضعف قبضته على السلطة، بل وحتى منذ عهد الملك فهد نفسه، حيث يمكن فهم سيطرتهم على منافذ السلطة والوزارات المهمة، وتصعيدهم لأبنائهم في مراكز صنع القرار، كلها تخدم في اتجاه توريث الحكم بين السديريين.

هذا التخطيط يقودنا للسبب الثاني الذي مكن للملك وولي عهده وولي ولي العهد تمرير تلك القرارات، وهو غياب الكفاءات المنافسة من أبناء أشقاء الملك، فالغالبية الأكبر من أحفاد الملك عبد العزيز، لا يوجد بينهم من يعمل بالسياسة أو يقرب لها من قريب أو بعيد، ومن تمت تجربتهم منهم لم يثبتوا كفاءة كتلك التي أبداها أبناء السديريين.

الملك عبد الله – الراحل نفسه، يمكن القول أنه لم يكن على هذا المستوى من الكفاءة الإدارية التي تجعله رجل دولة في نظر أبناء الأسرة المالكة، رغم دهائه الفطري وحسن تخطيط من حوله الذي جعله يصل لمنصب الملك، ولكنه لم يثبت قدرة على أن يكون الملك صاحب الإدارة الحسنة؛ فمنذ توليه الحكم رسميًا، وقبل توليه الحكم خلال إدارته للدولة باسم أخيه الملك فهد، كان هناك كثير من المشاكل التي ظهرت حتى على المستوى الشعبي، ساعد في تطورها انتشار تقنيات الاتصال الرقمي، وهو ما يفسر جزءًا من سرعة قرارات الملك سلمان في نقض آثار عهد أخيه الراحل.

يمكن القول – في اعتقادي – أن عهد الملك عبد الله كرجل لم يكن أهلًا لمنصب الملك، رغم شدته وقوته التي تركت أثرًا كبيرًا لدى المؤثرين في اتخاذ قرار ولاية العهد في الأسرة المالكة، حيث عمدوا إلى اختيار من أثبتوا كفاءتهم كرجال دولة، وهو ما قد يفسر أيضًا سرعة إعفاء الأمير مقرن من منصبه، حيث كانت الأيام المائة الماضية كافية ليثبت محمد بن نايف ومحمد بن سلمان كفاءتهما – ظاهريًا – كرجال دولة أمام الأسرة والشعب على حد سواء.

وليس خافيًا على أحد أن الأسرة السعودية كانت في حاجة إلى اتخاذ قرار نقل سلسلة الحكم، من أبناء الملك عبد العزيز إلى أحفاده، وهو ما يفسر اتخاذ الملك سلمان لقرار تولية محمد بن نايف وليًّا لولي العهد في أول يوم في حكمه، ليعطي تلك الرسالة، رغم أن هذه الخطوة ربما واجهت بعض المعارضة باعتبارها متسرعة نوعًا ما، حيث كان ينتظر أن يقوم الملك بالتريّث في اتخاذ مثل ذلك القرار.

من جهة أخرى، لا يبدو أن تعيين محمد بن نايف وليًا للعهد مرَّ بدون تنازلات من قبله، فالرجل – الذي ليس له أولاد ذكور – لم تعطه الأسرة المالكة الصلاحيات الكاملة كولي للعهد، وهو ما قد يبدو ظاهرًا من قرار ضم ديوان ولي العهد إلى الديوان الملكي، لفرض نوع من السيطرة على الأمير محمد بن نايف، ولعل السبب في هذا تجربة الملك عبد الله الذي تفرد بديوان ولي العهد أكثر من 25 عامًا، مما جعله قادرًا على أن يجعله جيبا داخل الأسرة المالكة، ومستقلًا بشكل كبير عن الديوان الملكي في التخطيط لمستقبله السياسي، وهو ما يفسر – غالبًا – تخوف الأسرة من أن يتحول بن نايف لنفس ما كان عليه عمه الملك الراحل.

ختامًا، لا زالت الأيام مليئة بقرارات مؤثرة في المستقبل السياسي للمملكة، ولأسرة آل سعود، وباعتقادي سيعمل الملك وولي عهده وولي ولي العهد على وضع إطار تنظيمي وقانوني لانتقال السلطة حتى يتم الانتهاء بشكل نهائي من تلك المشكلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد