أحيانًا ما يستيقظ الإنسان من عالمه الخاص، ويخرج إلى الشوارع والميادين والأبنية ليلتقي بعوالم الآخرين، وفي لحظة ما قد يمعن النظر فيجد أن الفوضى تعج من حوله أو الفساد ينتشر أمامه أو الانحطاط يتفشى عن جنبيه، ويصيبه الاستياء والضجر من الآخرين؛ يحسب بذلك أن الحياة تسوء من حوله بسببهم، وهو لا يدرك أنه منهم. كلنا منهم. كلنا نشكل هذا المجتمع – إن جاز التعبير عنه كذلك- وهذا المجتمع كالجسد  المريض ونحن أعضاؤه، العليلة التي إن صحّت صحّ، وإن تخوّنها السقم وتمكّن منها المرض فقد أصابه ما أصابها.

وإني لأرى أننا نعيش الآن في اللحظات الأخيرة من الطور الأخير للدورة الحضارية (التي أشار إليها ابن نبي)، حيث زوال وأفول الحضارة التي ولدت منذ قرون، وميلاد حضارة جديدة تبدأ دورتها كسائر الحضارات، أشعر أننا على وشك أن نشهد فجر الدورة الحضارية وهو يشق ظلام الدورة السابقة، التي عتمها الجهل والاستبداد والاستعمار، ليعلن هذا الفجر عن ميلاد مجتمع جديد قبل أن يعلن عن ميلاد حضارة.

والمجتمع بحسب ما جاء في حدِّه في علم الاجتماع: هو تجمع بشري في نظام شبه مغلق (semi-closed) تشكله مجموعة من الناس، بحيث إن معظم التفاعلات والتأثيرات تأتي من أفراد من نفس المجموعة البشرية، والتي فيما بينها تشكل شبكة العلاقات بين الناس. حيث تعيش هذه الأفراد وفق أسس وقوانين متفق عليها، وتجمعهم عادات متحدة، ولهم فيما بينهم مصالح مشتركة.

وجاء الأستاذ مالك بن نبي في القرن الماضي فأضاف إلى ذلك الحدِّ أو التوصيف عنصر (الزمن). وأشار إلى ضرورة تحديد (المجتمع) في نطاق (الزمن) «فإن كل جماعة لا تتطور ولا يعتريها تغيير في حدود الزمن، تخرج بذلك من التحديد الجدلي لكلمة (مجتمع)» (1)، واصفًا إياها بالمجتمعات البدائية – كما عبر عنها لوسيان ليفي بريل – التي لا تتغير صورة حياتها، كما لا تتغير مستعمرات النمل خلال آلاف السنين، فهذه الجماعات عند مالك بن نبي خارجة عن نطاق التحديد.

وكما أشار ابن نبي في كتاباته إلى أن تشخيص المجتمع – أيّ مجتمع – من حيث المرض أو الصحة يعود إلى حالة شبكة علاقاته الاجتماعية، فإن كل تقدم يحرزه المجتمع يكون مسجلًا كمًّا وكيفًا في شبكة علاقاته، وكذلك كل إخفاق يقع فيه، «فعندما يرتخي التوتر في خيوط الشبكة، فتصبح عاجزة عن القيام بالنشاط المشترك بطريقة فعالة، فذلك أمارة على أن المجتمع مريض، وأنه ماض إلى نهايته.»، وبطريقة أو بأخرى أود أن أتسلل داخل هذه الشبكة وأفصل مكوناتها الأساسية محاولًا تحليلها لعناصرها الأولية كما يحدث في عالم الكيمياء، ومن ثم الكشف عن حالة كل عنصر حتى نمتلك صورة كاملة عن حالة شبكة العلاقات هذه.

ولو وصّفنا المجتمع توصيفًا مجازيًا على أنه جسد مكوّن من عدة أعضاء تقوم بوظائف مختلفة (زعمًا بأنها تتعاون معًا لضمان الحياة لهذا الجسد) فإننا من الممكن أن نعتبر الأفراد بوظائفهم المتعددة وفي مواقعهم المختلفة هم من يشكلون تلك الأعضاء. وقد ارتأيت أن أقسم جسد المجتمع إلى ثلاثة أعضاء رئيسية، والتي عن طريق تشخيص أمراضها كل على حدة، ثم تصحيحها وعلاجها، فإن الجسد يتعافى ويعود ليمارس دوره المنشود في الحياة.

أما الأعضاء الثلاثة، والتي لم أتخيل أن يخلو منها جسد أي مجتمع بالمعنى المذكور أعلاه، فهم:

1- العضو الإداري

2- العضو الإرشادي (التوجيهي)

3- العضو المفرد (العامل)

وفي السطور القليلة القادمة، نسرد بعض أمراض المجتمع وفقًا لكل عضو على حدة.

أولًا: أمراض متعلقة بالعضو الإداري الحاكم والمهيمن على سلطة القرارات التي يسير وفقها بقية الأعضاء.

ولا أعني بالضرورة أن هذا العضو يتثمل في الحكومات، باعتبار الدولة تمثل شكلًا من أشكال المجتمع، وإن كان كذلك، لكني أريد أن أطلق هذا التوصيف بشكل أعم وأشمل؛ كي نتمكن من إسقاطه على أي من أشكال المجتمع، سواء أكان في صورة مصغرة كالأسرة، أو المدرسة، أو بلدية صغيرة، أو شركة عملاقة أو دولة… إلخ.
ففي الأسرة مثلًا نجد الأب هو من يجسد هذا التوصيف، فهو العضو الإداري الذي يمتلك سلطة القرارات التي تسير الأسرة وفقها.

والأمراض التي قد تصيب هذا العضو هي كالآتي:

1. التفرّد في سن القوانين ووضع اللوائح التي يسير وفقها المجتمع، وبذلك ينخلع المجتمع من وصفه ويخرج عن نطاق تحديده، إذ أن تعريف المجتمع يوجب أن تكون القوانين متفقًا عليها، والإخلال بهذا الشرط يُخرِج هذا التجمع البشري من نطاق المجتمع إلى نطاق آخر أشبه بما يحدث في المجتمعات البدائية أو أشد وطأة. وهذا المرض إذا أصاب مجتمعًا فإنه يعلن إعلانًا حتميًّا بهلاكه، اللهم إلا إذا استطاعت بقية الأعضاء أن تستأصل هذا الورم وتنجو بجسد المجتمع.

2. الانحدار بعقول الآخرين نحو معاملة طفولية ساذجة، فتجد الرئيس يتعامل مع المرؤوس ويتخذ تجاهه قرارات وإجراءات كما لو أنه يتعامل مع طفل صغير، ينصحه كما ينصح طفلًا صغيرًا، ويؤدبه كما يؤدب طفلًا صغيرًا، وهذا يؤول لواحد من أمرين خطيرين:

أولهما: أن تُهدم العلاقةُ بين الطرفين؛ لإصرار المستقبِل على الاحتفاظ بنضجه ورشده، ورفضه أن يُستدرج إلى تلك الساحات الطفولية.

وثانيهما: أن يستجيب الطرفُ المستقبِلُ لأفعال الآخر فيلبس سراويل الأطفال، ويقابل الأوامر والأفعال الموجهة لطفل بأسلوبٍ وردةِ فعلٍ نابعة من طفل، فتُمسَخ العلاقة وينحدر السلوك إلى سذاجة وحمق ورقاعة، وشيئًا فشيئًا يهبط مستوى التواصل الاجتماعي بين الناس، وتتشوه هوية الفرد والمجتمع بمرور الوقت، ويُرى أثر ذلك على قيمتهما الإنتاجية.

وبالرجوع إلى المجتمع المسلم في عهد النبوة، ستصيبنا الدهشة من صحة وسلامة جسد هذا المجتمع ومناعته القوية تجاه هذا المرض. وتكاد تفطن لذلك في كلمات النبي لما أقبل سعد بن أبي وقاص من بعيد، فقال النبي متباهيًا به: «هذا خالي، فليرني امرؤ خاله»، وكان سعد يصغر النبي بأكثر من عشرين عامًا، والنبي هو النبي وسعد هو سعد.

ويومًا آخر لما أتي النبي بشراب فشرب منه وكان عن يمينه عبد الله بن عباس وكان غلامًا حديث السن وقت إذٍ، وعن يساره أشياخ كبار (يُروى أن فيهم أبا بكر وعمر)، وكانت العادة أن يُبدأ باليمين، فلم يهمل النبيُّ الغلامَ رغم صغر سنه وعظم قدر الأشياخ، ولكنه أعطاه قدره في المجلس كما لو أنه رجل رشيد، وقال له: إن أذنت لي أعطيتُ هؤلاء، وحينها رفض ابن عباس قائلًا: ما كنت أوثر بنصيبي منك أحدًا يا رسول الله، فأعطاه الرسول الشراب، فشرب أولًا ثم شرب الأشياخ.

وأيامًا أخرى حين كان يخرج فيلتقي بأخي أنس بن مالك وكان فطيمًا يدعى عُميرًا، فيقول له النبي: يا أبا عُمَير، ما فعل النغير؟ (النغير: طائر صغير كان يلعب به عُمَير)
وقد أخرج الفقهاء وعلماء اللغة من هذه القصة – فقط – ستين وجهًا من أوجه الحكمة، منها تكنية النبي للطفل الصغير حين قال له «يا أبا عمير» وفي هذه التكنية إشعار لإخوانه وأهله بأن ابنهم كأنه أصبح في مصاف الشباب، كما تظهر قيمته في المجتمع، وتعزز معنى وجوده في الحياة، وتعطي له ولمن في مثل سنه أهمية واهتمامًا واجبين، وأضاف إلى ذلك علماء اللغة أن تكنية الولد تكسر الميوعة في النداء.
فكان تعامل الرسول مع صغار السن فيه قدر من اللين والمزاح لا يصل إلى الميوعة، وكذلك فيه قدر كبير من الإكبار بهم والنضج بعقولهم لا يصل إلى الفظاظة، فما كان للصحابة إلا أن قابلوا هذا الإكبار والتعزيز بكِبَر ورشد ونضج ملائم، وكأنها تطبيق حي للنظرية الإجرائية (السلوكية) التي وضعها (جون واطسون) في القرن الماضي.
والمتأمّل في أعمار الصحابة، سيعلم النكبة الثقافية والاجتماعية التي وقعنا فيها بعد سنوات طوال من عهد النبوة. وهو ليس بالأمر الجديد على البشرية، سمعت عن الأستاذ إبراهيم السكران يقول: «التحقير من أعمار المصلحين، وأنهم مجرد شباب طائشين متحمسين ذريعة قديمة، يقول الله: (قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم)». فمن يدقق النظر ويتأمل تفاصيل المجتمع المسلم على عهد النبوة والخلافة الراشدة، يمكنه أن يستنبط كيف تشكّل هذا المجتمع الذي نعدّه الأفضل في تاريخ الإنسانية.

3. الاهتمام بالمادّة وإهمال الفكرة وفقدان النظرة البعيدة والصورة الكاملة، فتجده (أي العضو الإداري) موجّهًا جُلّ قواه نحو الإنشاء المادّي، ساعيًا لإيجاد حلول لمشاكله في عالم الأشياء فقط – كما أطلق عليه ابن نبي- فإذا تبين له مثلًا أن هناك مشكلة في العملية التعليمية، سارع في بناء المدارس وتجهيزها بأحدث الأدوات متخذًا في ذلك موقف الزبون، ومتبعًا طرائق التقليد ومناهج المحاكاة، كابحًا بهنّ جماح عقله وأفكاره. ولو أنه وقف أمام تطور الغرب موقف التلميذ، وصرف ذهنه عن أساليب التقليد، وأمعن النظر في تراثه، وتتبّع ثقافته الحقيقية، واستنبط من طيّات المجتمع ما يستدل به على حلولٍ حقيقية للمشاكل التي تواجهه والمسائل التي تعترضه لكان خيرًا له.

هذه هي الأمراض التي رمقتها عن كثب، فيما يتعلق بالعضو الإداري، وفي مقالٍ آخر نستكمل الحديث عن بقية الأعضاء، طِبتُم وطابَ ثَراكم، ودُمتُم ودامَ سَناكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد