تَسعى هذه المقالة إلى إعادة قراءة فكر أركون، وخاصة آخر مؤلفاته قبل رحيله عنا، تحرير الوعي الإسلامي. من خلال إبراز راهِنِيَتِهِ في قراءة وتفسير الأزمات الدينية والإجتماعية التي يعرفها العالم الإسلامي اليوم. من خلال محاولة تفكيك الانغلاقات المذهبية والسرديات الكبرى، ذات الطابع الأسطوري الوهمي. التي أقبرت إنجازات العصر الذهبي للمفكرين أمثال ابن مسكويه، وأبي حيان التوحيدي في القرن الرابع الهجري، وخلفت عقلًا إسلامويًا مغلقًا، تتحكم فيه سرديات واجتهادات فقهية مغلقة، هي في قطيعة مع ما يعرفه الواقع الاجتماعي والسياسي اليوم في بلداننا.

يُعد المفكر محمد أركون المثقف الذي انتجته صدمة الحداثة وواقع العالم الإسلامي المضطرب، الذي أراد أن ينهي أزماته عبر إعادة التفكير في الإسلام ومساره التاريخي. فقد كان هاجسه إخراج وتحرير وعي المسلمين من الانغلاقات اللاهوتية، التي أحدثت قطيعة مع فترةٍ ذهبيةٍ في التاريخ الإسلامي، والتي كانت فترة ازدهارٍ فكري والفلسفي في القرن الرابع الهجري.

شكلت معاصرة أركون خلال مساره الأكاديمي للعديد من المفكرين والفلاسفة، أمثال جاك ديريدا، ميشيل فوكو، ريني جيرار وآخرين. ذات وَقع فكري في الدراسات والابحاث التي أنتجها، من خلال تجديده لمناهج البحث في التراث الإسلامي واستخدامه لتعددية المناهج والمقاربات كعلم النفس التاريخي، علم الاجتماع التاريخي، علم الأديان المقارن في دراسة التراث الإسلامي، عكس ما كان يقوم به الاستشراق التي انتقده باكتفائه تطبيق المنهج الفيلولوجي[1] فقط.

اهتم أركون من خلال مؤلفاته بالعقل الإسلامي[2]، وحاول أن يفكك الظاهرة الدينية في العمق. محمد أركون أراد منا أن نفكر معه جليًا في تاريخ الإسلام، عبر تجديد فهمنا للتراث. هذا المبتغى جعله ينفتح على مواضيع ذات صلة بأزمة العقل الإسلامي، كالحداثة، التنوير، العنف، المقدس، وقد وضع صلة الوصل بين ما وصل إليه الغرب خلال فترة الازدهار مع عصر الأنوار، وما كنا عليه وأصبحنا فيه الآن.

ويأتي إشكال هذا الكتاب: كيف يمكن للوعي الإسلامي أو العربي المعاصر أن يخرج من الأقفاص والسجون العقائدية القديمة؟ والتي كبحت المشروع الحداثي في العالم الإسلامي، على غرار التنوير في أوروبا، يقر أركون أن المشكلة السياسية – أي المشروع التنويري الحداثي- لا يمكن أن تحل في العالم الإسلامي قبل حل المشكلة الفكرية والتي يجب الرجوع إلى أصولها الأولى.

هذا الكتاب هو تتمة لكتاب سابق للمفكر تحت عنوان (الهوامل والشوامل)، حول الإسلام المعاصر الصادر عام 2010 الذي حاول فيه أركون إعادة تفكيك الصورة النمطية الشائعة عن الإسلام في الغرب، عبر اتباعه للنقد التاريخي والفلسفي. وقد قدم الكتاب على شكل حوار يبرز فيه أركون مدى ضعف المعرفة العلمية حول الإسلام. وعلاقته بالأنسنة والعَلمانية. وقد استلهم الكاتب عنوان هذا الكتاب من كتاب الهوامل والشوامل لمسكويه، لكي يبرز للقارئ تلك الفترة المزدهرة من تاريخ الإسلام المفكر فيها حسب التعبير الأركوني.

كتاب تحرير الوعي الإسلامي: نحو الخروج من السياجات المغلقة، ترجمه إلى العربية المترجم السوري هاشم صالح، الطبعة الأولى لسنة 2011 من كتابه الأصلي Mohamed Arkoun: ABC de L’Islam Pour sortir des Clôtures dogmatiques Grancher – Paris 2007، وهو كتاب متوسط الحجم من 319 صفحة، تتضمن خمسة فصول، إضافة إلى تقديم المترجم.

لن نسعى في هذه المقالة فقط إلى تلخيص وإعادة قراءة ما أورده المفكر، بل سنتفاعل مع النص الأركوني انطلاقًا من عمق الأزمة الدينية والسياسية التي تتخبط فيها الدول الإسلامية في الوقت الراهن. وإن كان أركون قد قدم هذا المؤلف تفاعلًا مع أحداث 11 سبتمبر والحرب الأهلية في الجزائر، وما عرفه العالم الإسلامي من طائفية واقتتال. فهو لا زال في عمق الأزمة ولم يتخلص منها، بل تفاقمت في السنوات الأخيرة بعد ما يسمى إعلاميًا بالربيع العربي، وأعادت إلى سطح النقاش مفاهيم كالإسلاموفوبيا، الإرهاب الديني، إشكالية الحداثة والإسلام… إلخ.

وقد اخترت من بين العديد من المواضيع التي يعالجها الكتاب التي تصب في إشكالية الوعي لدى المسلمين ثلاثة أبعاد أساسية، والتي انتظر من خلالها الإحاطة ما أمكن بمحتوى مشروع أركون في هذا الكتاب.

  1. النقد الابستمولوجي في دراسة التراث الإسلامي

من خلال هذا البعد من الكتاب، أراد من خلاله أركون إعادة قراءة ليس فقط الإسلام كتراث، بل حتى المناهج الكلاسيكية التي اهتمت به في فترة من الفترات، وما يسمى بالإسلاميات الكلاسيكية (الاستشراق)، وهو الخطاب الغربي عن الإسلام، الذي ينظر إلى الظاهرة الإسلامية من الخارج، أي الإسلام المكتوب والرسمي، إسلام الأغلبية الأرثوذكسية الذي هيمن بفعل ارتباطه تاريخيًا بالسلطة التي فرضته منذ عهد الأموين إلى اليوم، متجاهلًا، أي الإستشراق، القراءة التاريخية العلمية التي تنظر إلى الإسلام بتعدده.

شكلت خلاصات الاستشراق صورة نمطية سجنت الغرب في رؤية واحدة حول الإسلام واعتبرته تراثًا فقيهًا جامدًا لا يتماهى مع الحداثة والأنسنة، عكس المسيحية التي برزت كديانة قريبة من العلمانية كما يقول مارسيل غوشيه.

يدعو محمد أركون إلى تجديد آليات التفكير في التراث الإسلامي، عبر استحداثه لما يسميه بالإسلاميات التطبيقية Islamologie Appliquer، وهو مصطلح أخذه عن عالم فرنسي يدعى روجيه باستيد، كان قد آلف كتابًا بعنوان (الأنثربولوجية التطبيقية)، وفيه يحدد العلاقة بين العلم النظري والممارسة العملية. وقد استحدث أركون هذا النموذج التحليلي لتصحيح واستدراك نواقص الاستشراق الكلاسيكي، عبر فهم الأدوار التي يعلبها الدين في المجتمعات الإسلامية من الداخل، أي قراءة اللا مفكر فيه من التراث، عبر دراسته انطلاقًا من[3]:

  1. من منظور علم الأديان المقارن وتحريره من السياج الدوجمائي المغلق. فهو أراد من الإسلام أن يتفاعل مع التراث الآخر.
  2. دراسة الظاهرة الإسلامية ضمن منظور الأنثربولوجيا الدينية، بمعنى أنه يريد أن يتوصل إلى فهم الظاهرة الدينية كلها من خلال دراسة تراث واحد، ولكن بعد مقارنته بالتراث الآخر فهو يعتبر المقدس ظاهرة أنثربولوجية إنسانية كونية.

 2. التفكير في اللا مفكر فيه

حاول محمد أركون إعادة التفكير مجددًا في المقولات الكبرى التي تتحكم في وعي المسلمين وتغذي انفعالاتهم ونظرتهم إلى الذات والآخر، وهو الذي يقول إننا يجب أن نقيم مسافة نقدية مع جميع القيم الموروثة، ينبغي أن نضعها في سياقاتها التاريخية، ونعود إلى أصولها الأولى، استخدام المناهج العلمية الحديثة ستمكننا من إلقاء نظرة موضوعية حول ماهية الفكر الديني من قبل[4]. فالدين كمتعال يقع بين زاويتين، زاوية المسلمات، والتي نعنى بالوحدانية والتوحيد، وبين زاوية أخرى ذات ارتباط بالمجال التنظيمي، والمشروط بالسياق التاريخي، والمجالي المنزول فيه، والذي أتاح مساحةً ومجالًا واسعًا للتفكير والاجتهاد.

تعد اللحظة التأسيسية – أي مرحلة تشكل الفكر العربي الإسلامي – لم تكن فيها المرجعية العقائدية منغلقة داخل قوالب جامدة، بل كانت بدايات تشكل فضاءً إسلاميًا أكثر انفتاحًا، وقد كانت أولى المطارحات الفكرية متجسدة في حوارات النبي محمد، الحامل لفكرة ثورية جديدة، ضد الفكر القائم أي الدين العربي الوثني. والتي استمرت حتى بعد وفاة النبي محمد، وخاصة في الفترة الذهبية في القرن الثالث والرابع هجرية مع مفكرين من أمثال ابن يعقوب الملقب بابن مسكويه وأبي حيان التوحيدي، وعلماء المنطق أمثال متى بن يونس وآخرين، التي كان فيها الفكر الإسلامي يربط الصلة بالفكر الكوني، خاصة الفلسفة اليونانية. ففصول كتاب الإمتاع والمؤانسة وكتاب الهوامل والشوامل تعبر عن فترة ازدهار أصبحت من تاريخ منسي في التراث الإسلامي، وأصبحت من اللا مفكر فيه بعد أن دخل العالم الإسلامي مرحلة العصور الوسطى السكولاتية، بعد رسالة الشافعي وموت الفلسفة، وانتهاء فترة الاجتهاد والتفكير، ودخول العقل الإسلامي مرحلة اجتهادات العلماء الأربعة، وتشكل الأرثدوكسية الإسلامية مع كتب أصول الفقه في القرن الخامس هجرية.

ظل المخيال الاجتماعي ما بعد القرن الخامس هجرية مرهونًا بتفاسير الفرق الإسلامية المنغلقة على بعضها البعض، والتي تحاول كل فرقة أن تبين أنها أكثر إسلامية من الأخرى، أنتج هذا مقولات كبرى تحكمت في الوعي الإسلامي ولا تزال، مفهوم الأمة، مفهوم المدينة، دين الحق، الفرقة الناجية، هذه المقولات الكبرى غَدتْ المِخيال الإسلامي الجمعي، وجعلت من سلطة التاريخ تتحكم في الحاضر وآفاق المستقبل.

يعتبر أركون هذه المقولات نتاج سيرورة اجتماعية وتاريخية[5]، بل حتى وهمية لارتباطها بتأويلات فقهية. أحدثت تلك القطيعة مع التاريخ الإسلامي المزدهر. فهذه المقولات كبحت التاريخ وأعادت إنتاج الطائفية والصراع والاقتتال، وإن بأسماء وسياقات ومجالات مختلفة. فتنظيم الدولة الإسلامية تحركه مقولات لاهوتية حركت في ما سبق العديد من التنظيمات، وستظهر أخرى ما دامت هذه السرديات الكبرى متأصلة في وعي المتدينين، وفي ضمور وغياب الحس التاريخي النقدي لديهم، والتي تجهض أي مشروع حداثي تنويري.

3. الحداثة بين الغرب والإسلام

سلط محمد أركون الضوء في هذا المحور على المسار التاريخي لتجربة الأنوار في الغرب [6]، والتجربة الذهبية للمسلمين في القرن الرابع الهجري. لطالما كانت أوجه التقابل بين الإسلام ومسار تطور المجتمع الأوروبي، مرتبطًا بالمقارنة الدينية بين النص القرآني والإنجيل، ورغم قيمة وضرورة هذا المنطلق، إلا أن أركون يعتقد أن من الضروري إعادة قراءة التاريخ الأوروبي، وربطه بمسارنا المتعثر نحو الحداثة، منتقدًا بعض المفكرين الغربيين على غرار روني جيرار ومارسيل غوشيه الذين وضعوا أسوارًا مغلقة بين الإسلام والطموح نحو الحداثة والعلمانية المنفتحة. مستدلين على ذلك بخلاصات الاستشراق الدي خص الإسلام بالفقه وبالشريعة الأرثوذكسية، عكس المسيحية التي كانت أقرب للعلمنة بحسبهم، استنادًا إلى المقولات الشهيرة للمسيح (مملكتي ليست من هذا العالم، ما لله لله وما قيصر لقيصر… إلا أن مسار التاريخ في العالم المسيحي كان تحت وطأة حكم الكهنوت المسيحي الدوجمائي الانغلاقي، قبل عصر الأنوار، وهو صورة طبق الأصل لما يعرفه العالم الإسلامي من أزمات اليوم.

نجد أركون في تناوله لفكرة العلمنة في الإسلام، يغير زاوية وأسلوب المعالجة لكي يزحزح تلك الفكرة الجامدة والثابتة التي تقول إن الإسلام لا يفصل الروحي عن الزمني أو الديني عن الدنيوي، في حين المسيحية تأسست على ذلك كما سبق ذكره. فالمسلمون والمستشرقون على حد سواء لا يملون من تكرار هذه المقولة في حين أن التاريخ الإسلامي قد عرف تجارب علمانية فعلية، ولكن لم ينظر لها ولم تتشكل على هيئة مبادئ وقوانين كما حصل في الغرب بدءًا من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

فحين كانت أوروبا تعيش في عصر سكولاتية الاجتراري تحت حكم الكهنوت. كانت فترة ازدهار العالم الإسلامي وانفتاحه على ثقافات وعلوم جديدة، أسس بها فضاءً تواصليًا حسب تعبير هابرماس، فكان وراء هذا الازدهار عاملان أساسيان:

  1.  فكر جديد مُعَلْمَنْ متفاعل ومتواصل يسعى لتغير الواقع.
  2.  حركة اجتماعية تتبنى الفكر الجديد وتفرضه على الواقع.

تبنت البرجوازية الغنية نسبيًا الازدهار الفكري في هذه المرحلة، وكانت وراء تيار حقيقي، من خلال جلسات المطارحات الفكرية والمناظرات من داخل قصور الأمراء التي نقلتها بعض الكتابات كما هو الحال لكتاب الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي. كما هو الشأن بالنسبة لعصر الأنوار الأوروبي، والذي يعود الفضل إلى إسهامات البرجوازية الصاعدة ونسفها للنظام الإقطاعي القائم وتبنيها لقيم التنوير، غير أن مسار التنوير في الغرب، وإن كانت بداياته متصلة بما كان في فترة الازدهار الإسلامي، إلا أن دخول المجتمعات الإسلامية إلى زمن الانحطاط ارتبط بإضعاف هذه البرجوازية التجارية ومصادرة الأموال والأراضي من أجل ملء خزينة الدولة، أفرزت اضطرابات اجتماعية وانتفاضات شعبية افقدت البرجوازية من مقدرتها على الدمج الاجتماعي والثقافي، هذا النكوص الاقتصادي، فتح المجال بدءًا من القرن الحادي عشر الميلادي أمام أرثدوكسية متحجرة تهيمن على الروحي والاقتصادي والسياسي، فانتصر الغزالي على ابن سينا والفارابي وهزمت الفلسفة شر هزيمة.

أركون يقر أن مسألة التنوير في العالم الإسلامي لا يزال مشوارًا بعيد المدى. ويحتاج إلى إعادة تفكيك التاريخ وسردياته المتحكمة في وعي المسلمين. وإخراجهم من هذا السياج الدوجمائي الذي يكبح أية فرصة لتشكل فضاءً مدنيًا منفتحًا يقبل التعددية والاختلاف.

————————-

[1] التحليل المقارن للغة، والدي يقوم على دراسة النصوص المكتوبة ومقارنتها باللغات والنصوص الاخرى وملاحظة التغرات التي تطرأ عبر الزمن ومقارنتها بالتغيرات التاريخية بين اللغات المتشابهة، ومن بين رواد هدا المنهج، عالم اللسانيات السويسري فردينالد دو سوسور من خلال مؤلفه Course in General Linguistics. تم الاطلاع على هدا الرابط يوم 23�72018 على الساعة التاسعة والرابعة والعشرين صباحا

[2] يقصد بها الطريقة التي يفكر فيها المسلمون ويأسسون عليه فعلهم الاجتماعي.

[3] محمد أركون تحرير الوعي الإسلامي: نحو الخروج من السياجات المغلقة، ترجمه إلى العربية المترجم السوري هاشم صالح، الطبعة الاولى لسنة2011 ص 32.

[4] محمد أركون تحرير الوعي الإسلامي مرجع سابق ص 161

[5] المرجع السابق نفسه ص 102

[6] المرجع السابق ص 200

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد