ثماني صفحات بيضاء تمامًا هو الشكل الذي خرجت به أحد أهم الصحف في العالم العربي، كان الحدث المحوري صباح الخميس 11 أكتوبر(تشرين الأول) في لبنان هو صدور صحيفة النهار اللبنانية في ثماني صفحات بيضاء، وكذلك اكتساء موقعها الإلكتروني وصفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي باللون الأبيض، صمت مطبق ولون أبيض خيم على وسائل نشر الصحيفة العريقة صاحبة الـ85 عامًا، فلماذا اتخذت إدارة صحيفة النهار هذا القرار؟ وما دوافعه المعلنة والكامنة؟ وهل يحدث أثرًا وينجح في الحلحلة؟

أسباب القرار

استمر صمت النهار الأبيض منذ الصباح حتى الثانية عشر ظهرًا عندما خرجت رئيسة تحرير الصحيفة في مؤتمر صحفي بمبنى الجريدة وسط بيروت أمام كاميرات ومراسلي وسائل إعلام لبنانية وعالمية، لتعلن عن أسباب هذا الحدث.

بخلاف ما توقعه البعض من أن صفحات النهار البيضاء احتجاج وتعبير عن أزمة الصحافة الورقية في احتمال أن تلحق بسابقتيها «السفير» و«الأنوار» فإن رد تويني كان واضحًا بأن «النهار» قادرة على أن تستمر ولن تستسلم وستستمر ورقيًا وإلكترونيًا في إطار من الدمج بين الورق والموقع الإلكتروني، لإعطاء طريقة جديدة للإعلام وإبقاء صوت الناس.

«نهار أبيض في وجه الظلمة» كان الشعار الذي اختارته نايلة تويني لتلخيص موقف الجريدة الاحتجاجي، فوفقًا لما صرحت به تويني فإن صفحات النهار البيضاء هي لحظة تعبير عن دور أخلاقي وشعور بالمسؤولية بوصفها مؤسسة إعلامية تجاه الوضع الكارثي في لبنان.

السبب الرئيسي لاحتجاج صحيفة «آل تويني» هو الأزمة السياسية التي تعانيها لبنان منذ خمسة أشهر وهي تأخر تشكيل الحكومة التي كلف الحريري بتشكيلها في مايو (أيار) الماضي وهي الأزمة التي تلقي بظلالها على الوضع الاقتصادي ومختلف جوانب الحياة في لبنان، بوضوح قالت رئيس مجلس إدارة الصحيفة: «تعبت النهار وهي تكتب عن الوعود والذرائع المكرّرة والفارغة. انتظرنا سنتين لتعيدوا إلى الشعب حقّ انتخاب نوابه، وأشهرًا لانتخاب رئيس الجمهورية، ولا نزال ننتظر ولادة الحكومة منذ خمسة أشهر، فإذا بها لعبة تقاسم الحصص».

أبعاد التأثير

هل نجحت الصحيفة في إيصال رسالتها وتحقيق بعض أهدافها؟ الإجابة عن هذا السؤال يمكن استنتاجها من رد الفعل والاهتمام المحلي والعالمي الذي جذبته الصحيفة التي كانت بؤرة اهتمام ومتابعة هامة صباح الخميس ونقلت عبر مؤتمرها الصحفي هذا الاهتمام إلى أزمة تشكيل الحكومة اللبنانية، وأطلقت دعوة مسموعة للمواطنين وللسياسيين ووصل صداها إلى خارج لبنان.

فقد نقلت الصحف والمواقع الإخبارية اللبنانية والعربية والعالمية الحدث بتفاصيله، ومن أبرزها «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز» و«دايلي ميل» و«فرانس24» و«ذا نيوز تريبيون» و«لا ريبوبليكا» الإيطالية، بالإضافة إلى تعليقات الشارع اللبناني والصدى الذي تركته في الشارع العربي، فقد نجحت «النهار» في لفت أنظار المنطقة والعالم نحو أزمة لبنان، في محاولة للضغط من أجل إنجاح تشكيل الحكومة وإحراج القوى المعرقلة والضغط عليها من أجل القبول بما يطرح وإلا ستكون في موقف حرج بوصفها المعطل.

احتجاج محايد!

سؤال هام حول موضع احتجاج النهار على الخريطة في لبنان، هل هو احتجاج محايد أم إنه محاولة للضغط على طرف ما وفي مصلحة طرف آخر، وهل رسالة النهار موجهة لكافة الفرقاء السياسيين في لبنان أم إنها لفصيل ترى الصحيفة أنه المعطل لتأليف الحكومة؟

تقول رئيس مجلس إدارة الصحيفة نايلة تويني: «صرختنا اليوم ليست مع طرف ضد آخر، هي صرخة لنتكلم عن الوجع ولنقول إن الوضع غير محمول. اليوم نتوجه بالصفحات البيض إلى الناس لنقول يكفي، ولندعوهم لكي لا يخسروا إيمانهم بالبلد رغم كل شيء، ولندعو المسؤولين إلى وقفة ضمير ليجعلوا المصلحة الوطنية أهم من أي مصلحة أخرى ولإعلان تشكيل حكومة في أسرع وقت قادرة على التصدي للمخاطر».

لكن على الجانب الآخر فإن الأمر لا يبدو هكذا تمامًا، فهناك مؤشرات تشير إلى أن الصحيفة وصاحبتها هي الفعل بدرجة ما مع طرف ضد طرف آخر.

رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير صحيفة النهار الأسبق جبران تويني الذي اغتيل عام 2005 كان منتميًّا لتيار المستقبل وكان نائبًا على قائمة التيار البرلمانية، وابنته نايلة تويني التي تولت إدارة الصحيفة من بعده دخلت مجلس النواب ضمن تحالف 14 آذار الذي يعد تيار المستقبل المكون الرئيسي فيه، ولا تخفي تويني قربها من الحريري حسبما أكدت في أحد حواراتها سابقًا.

ولم تخف تويني موقفها في هذه الأزمة فقد كتبت مطلع هذا الشهر في افتتاحية صحيفة النهار أن «كثيرين في فريق 8 آذار أصبحوا يرددون أن فريقهم انتصر، وأنه لا يمكن للحكومة الجديدة أن تعيد عقربي الساعة إلى الوراء، ومن ثم يولد استنتاج أن تشكيل حكومة ائتلافية وحكومة وحدة وطنية، ليستا إلا نموذجًا شكليًّا، في حين يراد للحكومة أن تكون بغالب ومغلوب.»

وحول دور رئيس الجمهورية ميشال عون في الأزمة كتبت بوضوح في ذات الافتتاحية أن «التسويات تتطلب تنازلات دائمة، والتنازلات لا تكون من طرف واحد، وكان من الأجدر بالرئيس عون، أن يوفر الغطاء لتنازلات متبادلة بدلًا من أن يكون طرفًا»، مشيرة إلى أنه إذا كان عون على مسافة واحدة من الجميع وفرض على الجميع تنازلات، فحينها ستكون حصة الرئيس الوزارية داخل الحكومة حقًّا له لدعم مسيرته كحكم ووسيط بين كل الفرقاء السياسيين، بينما يشهد الوضع الحالي أن لرئيس الجمهورية فريقه السياسي، ومن ثم فإنه طرف وله من يمثله في الحكومة، وبالتالي لا حاجة له إلى حصة رئاسية تزعج الحلفاء قبل الخصوم، مضيفة أن هذا الأمر يمثل نقطة انطلاق بتنازلات تنقذ لبنان من حال التخبط والتقهقر والتأخر في تأليف الحكومة.

تويني –في المؤتمر الصحفي- أشارت إلى أن هذا الاحتجاج هو البداية في حملة للضغط من أجل إنهاء أزمة تشكيل الحكومة، فبخلاف دعوتها للصحف والمواطنين إلى الانضمام لدعوة الصحيفة، ودعوة السياسيين إلى تغليب المصلحة الوطنية، فقد أكدت تويني في إجابتها عن سؤال حول خطوة النهار القادمة أن «قلم النهار الذي أخاف الكثيرين هو أقوى سلاح»، فهل يمكن فهم احتجاج النهار على أنه يأتي في إطار الضغط الذي يمارسه الحريري للإسراع بتشكيل الحكومة تارة عبر التهديد بكشف أسماء المعرقلين للتوافق صراحة ومواجهة الرأي العام رسميًّا بما يدور من مشاورات، وتارة أخرى عبر التهديد بالانسحاب من تكليف رئاسة الحكومة دون رجعة وضرب التوافق المنشود؟

 

خـــلاصــة القول أنه يمكن فهم احتجاج النهار الأبيض على أنه محاولة لدعم الحريري والضغط على الأطراف الأخرى للقبول بالصيغ المطروحة، خاصة في ظل الخلاف والتصريحات المتبادلة بين جبران باسيل زعيم التيار الوطني الحر وسعد الحريري زعيم تيار المستقبل، فمع الحديث عن التوصل إلى صيغة لحل العقدة الدرزية فيبدو أن العقدة المسيحية هي العنوان الأبرز لتعثر تشكيل الحكومة الآن، وهي العقدة التي طرفاها التيار الوطني الحر من جهة والقوات اللبنانية من جهة أخرى، وبشكل ما فهي جزء من الخلاف الأكبر بين تياري 8 و 14 آذار.

وكانت نتائج الانتخابات البرلمانية التي جرت في مايو (أيار) أسفرت عن تفوق حزب الله وحلفائه السياسيين ومن بينهم التيار الوطني الحر وحركة أمل، وبالمقابل كان هناك تراجعًا ملحوظًا لتيار المستقبل الذي يتزعمه الحريري فيما حقق حزب القوات اللبنانية المناهض لتحالف حزب الله تقدمًا ملحوظًا بمضاعفة عدد مقاعده.

 

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

صحافة
عرض التعليقات
تحميل المزيد