يقضي الكثير منّا الكثير من أوقاتهم في أحلام اليقظة والخيالات، وتراودنا الكثير من الصور والأماني بين الفيّنة والأخرى، ولا تخلو حياتنا اليومية من شطحاتٍ في عالم الخيال، إنّ هذه الخطرات والصور والأفكار التي تلازمنا في حياتنا هي جزء من طبيعتنا البشريّة، وليست عيبًا أو شرًّا يجب مكافحته والتخلّص منه، بل يجب تقبّله والتّعامل معه والاستفادة منه، فمثلًا بعضنا يكون في واقعه أنه يعمل موظفًا بسيطًا في شركة ما، فتَعرِضُ له مخيلته العديد من الأحلام والمشاريع يكون هو مالكها فيضع الخطط، ويأخذ في تخيل التفاصيل ويضع السيناريوهات، ويحدد ردّات فعله، وكيف سيتصرف وغيرها… إلخ، فهل الاسترسال في مثل هذا الفعل نافع أم ضار؟ وما هو الحدُّ الفاصل بين النفع والضرر؟

بداية علينا أن نفرّق بين أمرين هما: التمنّي والأمل وكلاهما يندرج تحت مسمّى أحلام اليقظة، فالتمنّي: من الأمنيات والتي لا يلجأ إليها صاحبها إلا إذا فقد الأسباب التي توصله إلى غاياته وطموحاته فهو مقطوعُ الصلةِ عن الواقع، وغالبًا ما يكون التمّني خارجًا عن قدرات صاحبه ويفوق إمكانياته، وأما الأمل: فهو طلب ما هو ليس موجودًا مع السعي وبذل الأسباب والمحاولات لتحصيله، فصاحبه مرتبط بواقعه. وما يحلمُ به يقعُ ضمن إمكانياته وقدراته. وعليه فالانسياق وراء التمنّي ضارٌ جدًا بعكس الأمل، وأمرٌ آخرٌ وهو ما مقدار العلاقة بين ما أنا عليّه الآن وما أطمح إليّه؟ وما هي الخطوات العمليّة التي تسدّ وتقلّصُ الفجوة بينهما؟ فكلّما كانت العلاقة ذات صلة فأنا بخير وكلما كان هناك خطوات وأفعال تقلل الفجوة ولو كانت بسيطة فأنا أيضًا بخير، وأما عكس ذلك فهو كل الشر.

ذكر د. عبد الرّحمن ذاكر الهاشمي في أحد دروسه مصطلحًا لفت نظري وهو (قابليّة الوهم) أي ما مقدار أو استعداد النفس لتشرب والتشبع بكل ما هو غير حقيقي، ومن ثم الانشغال بكل ما هو وهمي، وعلى رأس ذلك (أحلام اليقظة) الاسترسال معها، وقابليّة الوهم تعني الهشاشة والضعف والخفّة والسطحيّة.

وهنالك عوامل عديدة وممارسات يوميّة، تساهم في قابليّة الوهم لدينا، وللحق فإن عالمنا اليوم وما يعتمد عليه من تطور وتقنيات تساعد كثيرًا على الوهم فصَدَقَ عليّه مسمّى (العالم الافتراضيّ)، فعليّنا أن ندرك ذلك لنحافظ على نفوسنا من الإنسياق وراء هذا العالم الوهمي، ومن الأمور التي أنتجها هذا العالم وكان لها أثر عكسيّ على النّفس البشريّة، فاسْتحالتْ إلى ممارسات وعادات؛ مشاهدة التلفاز وما يعرض فيه من مسلسلات وأفلام وإعلانات لا تمت إلى الواقع بصلة، وألعاب: (الفيديو جيمز والبلاي ستيشن) والتي تحوي على كثير من الأفكار والأفعال المخالفة للفطرة الإنسانية، ومن قبل ذلك الانغماس في قراءة القصص والروايات الحالمة والخيالية، ناهيك عن الأنشغال لحد الهوس بمواقع التواصل الاجتماعي. وليس معنى قولي اعتزال ما سبق لكن لكل شيءٍ حقه، وذلك دون أن يؤثر على حياتي وذاتي أو أن يشكّلها، وكلما قلّلنا من حيّز عالم الوهم في حياتنا زاد حيّز عالم الحقيقة، وكلّما زدنا من جرعة عالم الخيال ابتعدنا عن عالم الحقيقة.

ومن الأضرار التي سأجنيها جرّاء انسياقي وراء عالم الوهم، الاهتمام كثيرًا بكلام الناس والانشغال بهم، تعارض الرّغبات وضياع الأولويّات لديّ، الانشغال الزائد بأمور ليس لي تأثير عليها ذلك مقابل إهمال أمور أستطيع التحكم بها والتأثير عليها، كل هذا لأنّي لا أعرف من أنا حقيقةً؟ وما هي أهدافي واقعًا؟ وبالتّالي ما هي خططي؟ وكيف تنفيذي؟ فالإجابة ستكون: ها ها لا أعرف.

لكن ما الذي يمنع (الموهوم أو الذي يفضل عالم الوهم وأحلام اليقظة) من العيش في الواقع؟ في الحقيقة أن لأحلام اليقظة لذّة، ولكن مؤقّتة وإن طالت، ولأن طبيعة الحياة تأبى إلا أن تزعجك ولو لم تزعجها – أعجبتني مقالة أحدهم حيث يقول: ابتسم للحياة؛ فإنها لن تكف عن إزعاجك – فمهما سافرت وطِرت لعوالم وفضاءات بعيدة، فإنك ستقع وسترتطم بالواقع فطبْعُها الجاذبيّة، ولكن حينها سيكون ألمك أشدُّ ممّن يعيش واقعه، لأنك أنت حلّقتَ بعيدًا جدًا، وغاب عنك الواقع بتشابكاته وتفاعلاته، لذلك لن يزيدك العيش في الخيال إلا اغترابًا وألمًا، ولن يعود عليك إلا بمزيدٍ من الجهل بأبجديّات الحياة وطبيعة الناس، نعود للسؤال ما الذي يمنع صاحب الوهم من العيش في الواقع؟ عند التمحيص والتدقيق، سنجد أن هنالك أمورًا معينة في حياته وواقعه تزعجه وغير راض عنها وغير متقبل لها ويتمنى زوالها، فلما وجد ذلك مستحيلًا لجأ للهرب للخيال وأحلام اليقظة واتسعت قابليته للوهم شيئًا فشيئًا مع مرور الوقت؛ ذلك لأنه اعتقد أنه صانع حياته فلما عجز عن صناعتها واقعًا انسحب وصنعها خيالًا، فجنى بذلك على نفسه.

وأخيرًا هل من عودة إلى عالم الحقيقة والواقع؟ وكيف ذلك؟ أولًا: علينا أن ندرك أن في حياتنا أمور قدريّة لا حكم لنا عليها، فنحن نأتي إلى الدنيا وهي ملازمة لنا مثل: أصلنا وأهلنا ولون بشرتنا… إلخ، وهناك أمور ستحدث لنا وستنتهي وستخرج عن إرادتنا، كل هذه أمور علينا أن لا نرفضها؛ لأن الرفض سيعوقنا وسيبعدنا عن السواء النفسي، ثانيًا: علينا أن نعلم أن كل شيء في حياتنا يمكن التعامل معه والتكيف بوجوده ولا يشترط زواله، بل يمكن أن يكون هذا الذي يزعجنا وجوده هو السبب والدافع للتقدم والنجاح والإنجاز، ثالثًا: علينا أن نتقبل كل أمر فينا حتى عيوبنا تقبلًا إيجابيًا بنيّة التحسين والتغيير للأفضل، رابعًا: وأن نقلّل من حيّز عالم الوهم في حياتنا، والتّوقف عن قتل الوقت بالبقاء والعيش في العالم الافتراضيّ، ويجب أن لا نسمح له بأن يصوغنا ويشكّلنا، خامسًا: علينا أن نخفف أو حتى نستبدل كل الأمور الوهمية بأخرى حقيقية، فمثلًا قراءة القصص الروايات الخيالية نحولها إلى قراءة الكتب المفيدة؛ التي يترتب عليها فعل – أو تغيير عادات معينة أو خلق عادات معينة – وكذلك مشاهدة الأفلام التي تثري الفكر والفعل. سادسًا: تحويل التواصل الافتراضي إلى اتصال حقيقي؛ بالتواصل المباشر مع الآخرين والمشاركة في الأنشطة والأندية المختلفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد