في أول لقاء لهما في منتجعه الخاص في 7 أبريل الجاري بفلوريدا، فاجأ الرئيس الأمريكي ضيفه الصيني بإرسال 59 صاروخ توماهوك من بعض قطع الأسطول السادس المتمركز في البحر الأبيض المتوسط صوب قاعدة الشعيرات السورية، فوجه إهانة لضيفه وإظهار حنق الإدارة الأمريكية تجاه الصين الحليف الوحيد لبيونغ يانغ، في الوقت ذاته إهانةً لروسيا التي وقفت مع الأسد وتستعد لجمع الأطراف المتنازعة في عاصمة كازاخستان لإحلال السلام في سوريا، بعد أن فشل الغرب وعلى رأسهم الولايات المتحدة في إحلال السلام في سوريا، بدلًا عن نشر الفوضى مشابهة للنموذج العراقي الذي سبق وأن صنعوه منذ سنوات خلت. وربما تلكؤوا في إحلال السلام عمدًا.

يوم الخميس 13 أبريل أسقطت الولايات المتحدة أكبر قنبلة صنعها المجمع الصناعي العسكري على غرب أفغانستان.

هكذا ذكر الأمريكيون كوريا الشمالية والصين بقدرات الجيش الأمريكي المميزة، مع تحقيق أهداف وأغراض أخرى في المنطقتين اللتين تم استهدافهما.

أعلن ترامب أنه سيحل مشكلة كوريا الشمالية بدون الصين ملوحًا بالخيار العسكري، وفي وقت لاحق أمر بإرسال قوة بحرية ضاربة إلى السواحل الكورية، مهددًا بالحرب لمنع كوريا من إجراء التجربة النووية المفترضة ومنعًا من إطلاق الصاروخ البعيد المدى وهو الهدف الرئيسي الذي سعت الإدارة الأمريكية لمنع إطلاقه حتى لا تتمكن كوريا من صناعة صواريخ قادرة على الوصول إلى البر الأمريكي. كان موعد الإطلاق متوقعًا في يوم ذكرى احتفالات كوريا الشمالية بيوم مولد كيم إل سونغ الجد المؤسس بعد أن أعلنت كوريا الشمالية في وقت سابق للصحفيين بترقب حدث كبير.

تسارعت الأحداث، الصين تعلن حالة التأهب القصوى وترسل 150 ألف جندي بكامل عتادهم العسكري إلى الحدود الكورية الشمالية بذريعة منع تدفق اللاجئين الكوريين الشماليين إلى الصين في حالة نشوب نزاع مع الأمريكيين، وكما يبدو أن مهام هذه القوات أوسع مما أعلن عنه، فكوريا الشمالية هي المنطقة التي تعرضت من عبرها الصين لغزوات عدة عبر تاريخها والدفاع عنها مسألة تتعلق بالأمن القومي الصيني، كوريا الشمالية تأمر بإخلاء 600 ألف من سكان العاصمة، وتعلن عزمها على الرد النووي إذا ما هاجمها الأمريكيون، وضرب مقر الحكومة الكورية الجنوبية وجميع القواعد الأمريكية في كوريا الجنوبية واليابان، ومهاجمة جميع القطع البحرية الأمريكية قبالة السواحل الكورية بما فيها حاملة الطائرات المرسلة إلى المنطقة لغايات حربية.

حبس العالم أنفاسه وبات الوضع خطيرًا جدًا، قوة ضاربة غير مسبوقة في تاريخ البشر وعتاد عسكري ضخم منتشر في كل القواعد الأمريكية على كامل الكوكب البائس بهذا النوع من التسلح، وقدرة هجومية جبارة على مستوى البر والبحر والجو والفضاء تطول أي موقع في الكرة الأرضية على مستوى أمتار قليلة من دقة التصويب وعيون في الفضاء القريب والبعيد تجوب الكوكب ليل نهار لا يحجبها ظلام أو سحاب أو ساتر، كل هذا يديره جنرالات مبهورون بما تحت تصرفهم متحفزون في كل لحظة لاستخدامه، لا ينقصهم غير تصريح من مجنون قابع في المكتب البيضاوي، يحفزه تصرف (زعيم) أحمق لا يأبه لشيء مما ينتظره.

عززت كوريا عزمها على المواجهة باستعراضها طائفة كبيرة ومتنوعة من الصواريخ، ابتداءً من راجمات الصواريخ الصغيرة المحمولة على أركان المدرعات متدرجةً في أحجامها حتى الصواريخ الثقيلة المحمولة على عرباتها الخاصة التي يرجح أنها من فئة الصواريخ التي تجتاز آلاف الكيلومترات القليلة، في احتفالات ذكرى مولد (العزيز) كيم بتاريخ.

تدرك الدول الكبرى أن انزلاق الأمريكيين في حرب مع كوريا الشماليه قد يؤدي إلى انطلاق شبح حرب كونية لا يرغب فيها أحد ويخافها الكل حتى الأمريكيون أنفسهم لأنها قد تأتي على كل شيء وتؤذن بزوال الجنس البشري مع العديد جدًا من أجناس الحياة الحيوانية والنباتية في هذا الكوكب، حتى في حالة حرب مسيطر عليها ستكون الخسائر فادحة، فجوهرة المدن الكورية الجنوبية وقلبها الصناعي العلمي ومركز حكومتها ونخبها والتي يسكن منطقتها الحظرية نصف سكان كوريا الجنوبيه البالغ تعدادهم 50 مليونًا ستدكه الصواريخ والمدفعية الكورية الشمالية قبل أن يتمكن الأمريكيون من إسكاتها، قواعد الجيش الأمريكي في كوريا واليابان وربما قطعها البحرية الثمينة ستتعرض لأضرار بالغة، وأخطر من هذا كله يمكن أن تكون اليابان محرقة نووية مرة أخرى، فالذاكرة الكورية الشمالية مشحونة بذكريات الاحتلال الياباني الذي لا ينفك حضوره الدائم مؤرقًا للقادة والشعب الكوري وسائر بلدان شرق وجنوب شرق آسيا.

كان لغياب ممثلي القيادة الصينية في الاحتفالات بذكرى الجد المؤسس دلالة كبيرة على غضب بكين من القيادة الكورية الشمالية، دعمته بإعلانها على وقف الرحلات الجوية بين البلدين، وإغراء كوريا الشمالية بمنحها ضمانات الحماية مقابل تخليها عن أسلحتها النووية، لأن بكين أدركت يقين النوايا الأمريكية كما أنها تدرك المخاطر الكبرى لنزاع كبير على حدودها فضلًا عن احتمال توسع دائرة الحرب لتخرج على السيطرة البشرية من كل الأطراف.

ومع كل لحظات الجنون والجموح والحماقات السياسية البشرية في غالب الأحيان، تطل لحظة تعقل رصينة تنسج مخرجًا عبقريًا لأخطر أزمات البشر، فعلًا أطلقت كوريا الشمالية صاروخها بعيد المدى لينفجر على بعد 60 كيلومترًا من موقع الإطلاق، لتعلن الإدارة الأمريكية أن التجربة فشلت.

هل حقًا فشلت بانفجار الصاروخ بسبب خلل فني، أم فجره أصحابه بعد الإطلاق للحفاظ على ماء وجه جميع أطراف الأزمة؟

هنا تتجلى ملكات العقل البشري المتشبث بالحياة بعيدًا عن الموت والدمار!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد