هذا حديث أمليته في بعض أوقات الفراغ لم أكن أريد أن يصدر في كتاب يقرؤه الناس، ولم أكن أريد أن أعيد قراءته بعد إملائه، وإنما أمليته لأتخلص بإملائه من بعض الهموم الثِّقال والخواطر المحزنة التي كثيرًا ما تعتري الناس بين حين وحين.
وللناس مذاهبهم المختلفة في التخفيف من الهموم والتخلص من الأحزان، فمنهم مَن يتسلَّى عنها بالرياضة، ومنهم من يتسلى عنها بالاستماع إلى الموسيقى والغناء، ومنهم من يذهب غير هذه المذاهب كلها لينسى نفسه ويفر من حياته الحاضرة وما تثقله من الأعباء. ولست أدري لماذا رجعت ذات يوم إلى ذكريات الصبا، أتحدث بها إلى نفسي لأنسى بهذا الحديث أثقال الشباب. ثم لم أكتف بالتحدُّثِ إلى نفسي في ما بيني وبينها، وإنما تحدثت إليها حديثًا مسموعًا، فأمليت هذا الحديث على صاحبي في رحلة من رحلات الصيف، ثم ألقيته جانبًا ونسيته أو كدت أنساه. ثم طلبت إليّ «مجلة الهلال» في عهدها الماضي طائفة من الأحاديث وألحّتْ في الطلب حتى لم أجد بُدًا من إجابتها، ولم أكن أملك الوقت الذي يتيح لي أن أكتب الأحاديث التي أرادتني عليها فعرضت هذا الكلام على أحد الأصدقاء ليقرأه ويشير عليَّ فيه، أيصلح للنشر أم لا يصلح؟ فقرأه الصديق وأشار عليَّ بألّا ألقي إليه بالًا. فاعتذرت إلى الهلال ولكنها أبتْ إلا الإلحاح، فدفعت إليها هذا الكلام على كرهٍ مني، وقد نشرته، فرضي عنه بعض الناس، ثم جمعه بعض الأصدقاء في سِفرٍ واحد.

الحديث عن الحياة العملية لطه حسين ودلالتها على حقيقة ملامحه الفكرية تستحق دراسة خاصة مفصلة لا يحتملها هذا المقال، وما الآتي سوى عرض طفيف لحياة طه حسين وفكره، لذلك اقرؤوا لطه حسين إن استطعتم ولن تندموا، فحياة طه حسين هي فكره، وحياته وفكره كانا وسيظلان مرجعًا مهمًا ومنهلًا لا ينضب للثقافة العربية، امتدّا لأكثر من نصف قرن، وسيظل الامتداد مستمرًا لأجيال قادمة.

طه حسين أديب شاعريّ تكاد تغنّي لغته ويرقص أسلوبه، ومفكر باحث تصل نظرته إلى ما وراء الظاهر دائمًا بعد التحليق بأفكاره، لكن مع الغوص في كتاباته والتحليق في ما وراء البادي من كلامه، سنجد أنه ليس أديبًا بالمعنى الحرفي المتداول وليس بالفيلسوف التجريدي المتعمق، وإنما هو في صميمه مفكر عملي بحت، حتى إن أدبه يغلب عليه هذا الطابع الفكري العملي، وما نستمتع به من شعر خالص وموسيقى غنية في أسلوبه إنما هو تجسيد خارجي لقضايا الفكر التي تسعى كي تصبح واقعًا حيًّا مؤثرًا.

لذلك نجده في موضع ما من الجزء الثاني من الأيام لا ينام رغم تعبه عندما سمع أحد فتيان الأزهر يقول إن الحق هو هدم الهدم، فظلت «هدم الهدم» مؤرقًا له، ليس لصعوبة التعريف، وإنما لمعناها الخاص الذي يربط بين الفكر والعمل، بين العقل والفعل، وبتدقيقٍ بسيط لبعض الأحداث بعد تلك الليلة، نجد أنه في أيامه الأولى تكاد تكون هذه الجملة هي خلاصة أفعاله وكل فكره، وليست مجرد جملة فَهِم معناها والسلام.

في كل ما نتعرض له من جوانب في حياة طه حسين نجد الفكر العملي، لا يقوم فصام بينه وبين الواقع، وإنما ملاءمة وفعل وتفاعل، فإن قامت عقبة فهي عقبة طريق، عقبة أوضاع، تتفجر من حولها معارك الفكر، معارك السياسية، ومعارك الثقافة العامة، ولذلك فقد قلت إن طه حسين ليس فيلسوفًا بالمعنى التقليدي لكلمة فيلسوف، لكننا قد نجد فيه الفيلسوف بالمعنى الذي حدده هو نفسه لهذه الكلمة عندما تحدث عن أبي العلاء المعري، فالفيلسوف هو الذي يجمع الحكمة عملًا وعلمًا، وتكون حياته موافقة لنتائج بحثه، وهو إلى جانب ذلك ليس أديبًا بالمعنى المتداول، لكن العبقرية التي رأيتها في الأيام تكمن في الخط الفاصل بين الاثنين. قد يكون المرء فيلسوفًا ممتازًا، أو أديبًا فريدًا، ولكن أن يجمع بين الاثنين فيكون الخط الفاصل بينهما شبه منعدم، فهذه مهارة فذة يجب الاعتراف بها.

مثال على ما أقول، يصف طه حسين في الجزء الأول من الأيام قناةً بجوار بيته وهو صغير:

كان مطمئنًا إلى أن الدنيا تنتهي عن يمينه بهذه القناة التي لم يكن بينه وبينها إلا خطوات معدودة.. ولِمَ لا وهو لم يكن يرى عرض هذه القناة، ولم يُقَدِّر أنَّ هذا العَرْض ضئيلٌ بحيث يستطيع الشاب النشيط أن يَثب من إحدى الحافتين فيبلغ الأخرى. ولم يكن يُقدِّر أنَّ حياة الناس والحيوان والنبات تتصل من وراء هذه القناة على نحو ما هي من دونها. ولم يكن يُقدر أن الرجل يستطيع أن يعبر هذه القناة ممتلئةً دون أن يبلغ الماء إبطيه. ولم يكن يُقدِّر أن الماء ينقطع من حين إلى حين عن هذه القناة، فإذا هي حفرةٌ مستطيلة يعبث فيها الصبيان، ويبحثون في أرضها الرخوة عما تخلف من صغار السمك فمات لانقطاع الماء عنه.
لم يكن يُقدِّر هذا كله، وإنما كان يعلم يقينًا لا يُخالطه الظن، أن هذه القناة عالمٌ آخر مستقل عن العالم الذي كان يعيش فيه.

وحقيقةً لو نقلنا هذه الفقرة من مجرد إدراك طه حسين لماهية القناة، كما قَصَدَ ظاهريًّا، إلى إدراك الإنسان للوجود؛ أعتقد أننا سنحصل على اختصار لكثير من الكلام حول كيفية تطور إدراك الإنسان للوجود، وهذا هو أفضل مثال لما أقصده باختفاء الخط الفاصل بين الأدب والفلسفة عند طه حسين.

الأيام ليست سيرة طه حسين الكاملة؛ بل تضم جزءًا من سيرته، بدايةً بفترة تعليمه النظامي، مرورًا بكُتّاب القرية في صعيد مصر، ووصوله إلى السوربون في باريس، واشتعال ثورة 1919 في مصر، حتى انتهاء الثورة وعودة طه حسين إلى مصر، لكن هذه المرة أستاذًا في الجامعة، ثم تنتهي الأيام بعدها. لذلك فالقول إنها سيرة جزئية هو الأدق، وبتجاوز تصنيفها سيرة ذاتية سنجد أنها كتاب فريد من نوعه، وتأريخ لتطور جدير بالاهتمام، وهو تطور أسلوب طه حسين على مدار 13 عامًا كُتبت ونُشرت على فترات متقطعة أثناءها، تظهر خلالها المراحل الأساسية لأسلوب طه حسين، بدءًا بالأسلوب الأدبي المتكامل، ثم الأسلوب التجريدي البحت للأشياء الناتج من عماه، ثم الأسلوب الفلسفي العملي الذي يضم فكر طه حسين الذي ذكرت خصائصه.

طه حسين لم يفتتح الأيام بذكرى ميلاده ولا بأي ذكرى، لكنه افتتحها بإدراكه للوجود بعد عماه، والذي أظهره من خلال سياج القصب كما وضحت، وموقف الطفل من سياج القصب كان معتمدًا على القلب، بادئًا من الظلام الدامس الذي يعيش فيه، إلى جانب تخيله للعالم بعيني قلبه وليس بعيني عقله، وساعده على هذه التخيل وجوده في الكتّاب، ودخوله حياة القرية ومعرفتها من خلال ذهابه وإيابه، وكانت هذه مراحل إدراكه للعالم في بُعد مكاني يُرى بقلبه، وقليل من مساعدة حواسه، وهو في ذلك يُظهر صورة مبهمة شديدة التردد لما أدركه. ثم يتطور هذا الإدراك من الناحية القلبية والحسية بعد مرحلتين مهمتين هما: حفظ القرآن في الكُتّاب، والحياة الثقافية في القرية بصفة عامة، وهو فيهما يقرأ ويتعلم ويتأمل ويقبل ويرفض ويجرب، هو كما يصف نفسه: «كان من أول أمره طلعة لا يحفل بما يلقى من الأمر في سبيل أن يكتشف ما لا يعلم»، فكانت هذه المرحلة مرحلة شحذ للحواس لاستكشاف البيئة وتفسير مصطلحاتها الرمزية بالنسبة له، فهو لم يكن يعرف شكل الكثير من الأشياء، اللهم إلا القليل الذي رآه قبل إصابته بالعمى، ثم تنتهي هذه المرحلة بتكوين صورة متكاملة عن الحياة، بعد الاستعصاء الإدراكي للبيئة الذي واجه طه حسين، والمصاعب التي واجهته في سبيل الوصول إلى إدراكه الخاص، من خلال ما كان يُثار في نفسه من اضطراب وقلق.

وتبلغ الرحلة غايتها بوصول الصبي إلى بحر العلم، فهو لا يكاد يصل إلى صحن الأزهر حتى يشعر أنه ترك الغربة وراءه في مكانه ذاك من غرفته، وتخلص من القلق والاضطراب في طريقه تلك من البيت إلى الأزهر. فطَلبُ العلمِ لطه حسين لم يكن نشاطًا أكاديميًا بحتًا، بل هو إشباع حب الاستطلاع لبلوغ اليقين النظري، وهذا هو أهم دوافع طه حسين للعلم مما لاحظته، وكان هذا الدافع موجَّهًا لكسر السياج الذي أحاط بإدراكه للوجود، والتخلص من الوحشة والوجود في العالم والانتماء إلى دنيا الناس، والتحليق بعدها في سماء إدراكه الخاص، ومن هنا اقترن علمه بجو من النسمات الرقيقة، وكان بمثابة عودة النفس إلى الجسد.

ثم تكتمل الحركة التي بدأت أمام سياج القصب، وانبعثت من ذاك الإطراق المهموم بالعالم النازع إليه، بالاهتداء إلى أن العقل هو طريقه النافذ من الحاجز، فلا يجد طه حسين في صحن الأزهر ما يسد جوعه للعلم، ليبدأ بعدها التمرد على القيود، واختراق القوانين. وهناك ملاحظة مهمة هي أن كل ما سبق يظل صورة مبهمة في الجزء الأول، ولا تتحدد إلا في الجزء الثاني.

يبدأ الجزء الثاني مجليًا بينةَ القصة، وهي حب طه حسين للعلم لإشباع حب الاستطلاع وبلوغ اليقين، طه حسين اهتمَّ هنا بتحديد كل شيء ووصف المعالم الحسية وصفًا تجريديًّا بسيطًا بسبب عماه، فيبدأ هذا الجزء بحياة الطفل وقد أصبح صبيًا يطلب العلم في الأزهر بالقاهرة، «لا يسأم ولا يمل، ولا يعرف الفتور ولا يخاف الإخفاق، ولكن يُلِح.. حتى يظفر». هذا هو قانون حياة طه حسين بعد هذه المرحلة، وأهم شيء واجهه طه حسين في هذا الجزء بعد توضيح الإبهام هو ترويضه لليأس، طه حسين لم يكن متفائلًا كما يُقال عنه، بل إنه كان متأثرًا بأبي العلاء حتى في تشاؤمه، يقول طه حسين في الجزء الثالث من الأيام:

لم يذكر الفتى كم مرة قرأ شعر أبي العلاء ونثره مع صديقه ذاك، ولكنه عرف أنه قرأه مرات كثيرة وتأثر به أعمق التأثر، وآمن به أشد الإيمان. واستيقن أن حياة أبي العلاء تلك هي الحياة التي يجب عليه أن يحياها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.

ولكنه نجح في ترويض اليأس بعد ذلك، ومن خلال توقعه لأقل القليل، والبدء من الحضيض، وصل إلى ما وصل إليه. ثم تستمر الأحداث حتى يتم طه حسين ثمانية أعوام بالأزهر، وبعدها يلتحق بالجامعة الأزهرية، والجامعة المصرية معًا.

يبدأ الجزء الثالث بالحياة المشركة لطه حسين في الجامعتين المصرية والأزهرية، وصراعه الداخلي بين قديم الأزهر في ذلك الحي العتيق بين الباطنية وكفر الطماعين، وجديد الجامعة في ذلك الحي الأنيق من شارع القصر العيني. وهنا يتمرد طه حسين على الأسلوب الأدبي؛ فنجده في نزول شديد حينًا وطفيف أحيانًا، لكنه يحشو كتابته بالتجارب الحياتية، والمواقف الإنسانية المؤثرة، حتى إن القارئ لن تمر عليه صفحة دون أن يجد شيئًا يلمسه، وبالنسبة لي فالجزء الثالث هو من أفضل ما قرأت في حياتي.

وتستمر التجارب بالظهور شيئًا فشيئًا، حتى نصل إلى شعور طه حسين بالحب لأول مرة عندما قابل سوزان، ولهذا حديث منفرد في مقال آخر لكي لا يطول الموضوع. وفي هذا الجزء نجد طه حسين يعيش حياة الناسك المعزول الزاهد أكثر من حياة الطالب الشغوف بالعلم، لكن لا يستمر هذا الحال طويلًا بعد لقائه بسوزان التي غيرت حياته تمامًا، حتى إنه يقول عنها:

وكان هذا الشخص الحبيب إليه الكريم عليه هو الذي أخرجه من عزلته تلك المنكرة. فألغى في رفق وفي جهد متصل أيضًا ما كان مضروبًا بينه وبين الحياة والأحياء والأشياء من الحجب والأستار! كان يحدثه عن الناس فيلقى في روعه أنه يراهم وينفذ إلى أعماقهم. وكان يحدثه عن الطبيعة فيشعره بها شعور من يعرفها من قرب. كان يحدثه عن الشمس حين تملأ الأرض نورًا. وعن الليل حين يملأ الأرض ظلمة، وعن مصابيح السماء حين ترسل سهامها المضيئة إلى الأرض، وعن الجبال حين تتخذ من الجليد تيجانها الناصعة، وعن الشجر حين ينشر من حوله الظل والروح والجمال، وعن الأنهار حين تجري عنيفة والجداول حين تسعى رشيقة، وعن غير ذلك من مظاهر الجمال والروعة ومن مظاهر القبح والبشاعة فيمن كان يحيط به من الناس، وفيما كان يحيط به من الأشياء.

وينتهي الجزء الثالث باشتعال الثورة في مصر، ومعاناة طه حسين في الغربة بسبب ذلك، ثم بعد هدوء الأوضاع يعود هذه المرة أستاذًا في الجامعة.

إن أصدق الكتابات وأشدها تأثيرًا في النفس ونفعًا غالبًا ما تُكتب لكي لا تُقرأ، وهذا ما حدث مع الأيام، ولا أجد خاتمة مناسبة للمقال غير هذا القول البسيط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد