“في هذا المكان نفسه رأيت رأس الحسين موضوعًا على قدمي عبيد الله بن زياد، ثم رأيت رأس عبيد الله موضوعًا على قدمي المختار بن أبي عبيد، ثم رأس المختار أمام مصعب بن الزبير، والآن رأس مصعب أمام عبد الملك بن مروان”.

في العصور الكلاسيكية كان العالم ينقسم بين الشرق والغرب كما الحال في العصر الحديث، روما تمثل الغرب وفارس تمثل الشرق، مع انهيار الإمبراطورية الرومانية الغربية، حلت مكانها الدولة البيزنطية لمساندة أوروبا ضد دولة الفرس الآسيوية، دخلت الدولتان في صراع مستمر من أجل الزعامة الدولية، في عام 602 ميلادية نشبت حرب ضارية بين الدولتين استمرت لعشرات السنين، ليتم توطيد السلام أخيرًا ولكن بعد أن صارت الدولتان منهكتين ومدمرتين ومفلستين تمامًا، غربت شمس الإمبراطوريتين وجاء رسول الإسلام محمد (ص) ليُعلن إشراق شمس إمبراطورية جديدة، إنها إمبراطورية العرب.

كانت زعامة قريش متنازعًا عليها بين عشيرتين هما بنو هاشم وبنو أمية، وقد لاقى النبي محمد (ص) كثيرًا من الصعوبات أثناء دعوته، يعود جُلها إلى عشيرة بني أمية – الرسول (ص) من بني هاشم– بقيادة أبي سفيان بن حرب، حقق محمد (ص) نجاحًا باهرًا وتمكن من فتح مكة لتخضع بذلك رأس الجزيرة العربية لدعوته، كما اعتنق أبو سفيان الإسلام ليُكتب لنزاع العشيرتين اندثارًا طيلة عهد النبوة وما تلاه من خلافة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، لم تزدد شعلة الإمبراطورية إلا توهجًا وضياءً خلال حكم الصديق والفاروق، فتوسعت الفتوحات الإسلامية في شتى البقاع، وعندما حضرت الوفاة خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رشح خمسة زعماء كلجنة الحل والعقد لاختيار الخليفة الذي يليه، من بينهم سيدنا عثمان بن عفان “من بني أمية”، وسيدنا علي بن أبي طالب “من بني هاشم”، واستقر الأمر على عثمان خليفة ثالث لرسول الله (ص).

خلافة عثمان وبداية اضطراب الإمبراطورية:

استمرت الفتوحات العربية أثناء خلافة عثمان ولكن بطريقة أقل حماسة مما كانت عليه أيام عمر بن الخطاب، مع التباطؤ التدريجي للفتوحات أصاب الجنود حالة من الاسترخاء والانشغال الدنيوي، وبدأت المكائد السياسية تفوح رائحتها من بعض المعسكرات كالكوفة والبصرة في العراق، والجابية في سوريا، والفسطاط في مصر، اشتكت العديد من تلك الحاميات من قياداتها فعزلهم عثمان، رضوخ الخليفة لمطالب الجنود أدى إلى زيادة روح الغطرسة والسخط، وأضحوا يشتكون من حرص عثمان على تولية أقاربه من بني أمية كل المناصب الهامة والمريحة.

وصلت حالة التمرد إلى قمتها في معسكرات الكوفة والبصرة والفسطاط، بينما الجنود في سوريا ظلوا متمسكين بولائهم للخليفة، ولا ننسى التذكير بأن إقليم سوريا تولى ولايته منذ عهد الفاروق معاوية بن أبي سفيان “من بني أمية” والذي أرسل قوة لإنقاذ عثمان بعد حصاره، زحفت كتائب ثلاث من الحاميات المتمردة إلى المدينة المنورة وحاصرت عثمان في منزله، من بين لجنة الحل والعقد التي اختارها عمر بن الخطاب كان الإمام علي الأكثر تأثيرًا لوضع نهاية للأزمة، مع تأخر وصول دعم معاوية وإخفاق مجهودات علي اقتحم المتآمرون منزل الخليفة وقتلوه بسيوفهم أثناء تلاوته للقرآن، ودخلت بذلك الإمبراطورية سنوات من الاقتتال الأهلي وعادت أيام النزاع والطمع التي كانت قبل الإسلام مرة ثانية.

بنو أمية وبنو هاشم في الواجهة مرة أخرى:  

بويع علي بن أبي طالب “من بني هاشم” خليفة للمسلمين في المدينة، عقب توليه الخلافة عزل كافة الولاة – جميعهم من بني أمية– إلا أن معاوية بن أبي سفيان رفض قرار الخليفة ووقفت سوريا بجشها الموالي تمامًا لمعاوية خلفه، صعوبة تحديد قتلة عثمان أجبر الخليفة على التغاضي عن الأمر، مما أودعه حيز الاتهام بالتواطؤ مع قتلة عثمان، رحل طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام إلى البصرة ورفعوا شعار الثورة ضد علي لتخليه عن معاقبة قتلة عثمان، توجه علي بقواته إلى البصرة لإخماد الثورة ونشبت معركة تاريخية عُرفت بموقعة الجمل انتصر فيها علي وقتل طلحة والزبير.

توجه علي بن أبي طالب إلى الكوفة وأنشأ بها مقر قياداته، ثم أرسل إلى معاوية طالبًا منه الرضوخ تحت خلافته فوافق معاوية شريطة القصاص من قتلة عثمان، استمرت المفاوضات لبرهة من الزمن وسُرعان ما أعلنت فشلها ليتوجه علي إلى سوريا مُحاولًا إخضاع معاوية، وقعت موقعة صفين بين الفريقين ومع قُرب انتصار الخليفة خرج معاوية بخدعته الشهيرة، حيث رفع الجيش الأموي المصاحف على سِنان الرماح هاتفين “لنحكم كلام الله بيننا”، وبالفعل جرت هُدنة لم تفصل النزاع، وانقسمت الإمبراطورية إلى شقين، دولة تحكم سوريا وفلسطين ومصر بزعامة معاوية من مقر دمشق، وأخرى تحكم العراق وفارس بزعامة علي من مقر الكوفة.

استاء العديد من الجنود المسلمين وخاب أملهم جراء الخلاف الواقع بين الأميريين، فأعلن مجموعة منهم التمرد على أبطال النزاع رافعين شعار “لا حكم إلا لله” وهي تلك المجموعة التي عُرفت بالخوارج، وتم الاتفاق على اغتيال حاكم مصر عمرو بن العاص، وحاكم دمشق معاوية بن أبي سفيان، وحاكم الكوفة علي بن أبي طالب، نجا حاكم مصر من الاغتيال وقُتل بدلًا منه رجل آخر، بينما هاجم بوراق التميمي معاوية ولكنه جُرح بدلًا من أن يقتل، أما علي فقتله عبد الرحمن بن ملجم أثناء دخوله المسجد للصلاة، لتقع الإمبراطورية بأكملها عقب وفاة علي تحت سيطرة معاوية.

مأساة كربلاء:

مع غياب المعارضة ومبايعة أهل المدينة لمعاوية استقر الحكم على مدار سنوات عديدة واصلت خلالها الإمبراطورية العربية سلسلة الفتوحات، بعدما هَرم معاوية شرع في تأمين الخلافة لولده يزيد بضمان ولاء كافة الأقاليم، ساننًا بذلك سياسة توريثية عانت منها الإمبراطورية الأمرين، إلا أنه فشل في استمالة عاصمة الإمبراطورية خلال الفتوحات الكبرى – أي المدينة المنورة-، وعاد صوت المعارضة يعلو من جديد، فكيف يتولى خلافة رسول الله (ص) يزيد بن معاوية الموصومة حياته بالترف والبذخ، ويُستبعد رجال بمكانة الحسين بن علي حفيد رسول وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عمر!، ولو أضحى إسناد الخلافة وراثيًّا فمن وجهة نظر أهل المدينة لأحد هولاء الثلاثة أولى بها من يزيد العابث.

توُفي معاوية تاركًا وراءه النجاح في استعادة السلام الداخلي والنصر الخارجى عقب الحرب الأهلية التي تلت مقتل عثمان، وأيضًا الفشل في تأمين من يخلفه، لتنغمس الإمبراطورية مرة ثانية في بركة الدماء ودوامة الانقسام، فبعد تولي يزيد الحكم علم بمعارضة أهل المدينة، فأرسل للوالي طالبًا منه مبايعة أهلها ففعل الجميع إلا الحسين الذي خرج مسافرًا إلى مكة وكذلك عبد الله بن الزبير المعروف بعدائه الشديد لسياسة معاوية ومن بعده يزيد.

في خضم هذه الأحداث وصلت رسل من الكوفة إلى مكة طالبة من الحسين المجيء إلى الكوفة لقيادة حكم العراق ودعم ثورة أهلها ضد الوالي الأموي وحتى الوصول لاقتلاع يزيد من العاصمة دمشق، أرسل الحسين بن عمه مسلم بن عقيل إلى الكوفة للتيقن من الأمر ثم راسله مسلم بالمجيء، وما إن علم يزيد بثورة أهلها والإعداد للتمرد على واليها الضعيف حتى قام بعزله وولى بدلًا منه عبيد الله بن زياد والي البصرة، وعُرف عنه عنفوانه وشدة بأسه.

حكمة عبيد الله بن زياد مكنته من إطفاء جمرة الثورة، فبدلًا من اللجوء للعنف ضد أهل الكوفة، أرسل أتباعه لترهيب الثوار وإعلامهم بمدى خطورة معاداة الحكومة وأن جيشًا من دمشق سيأتي لمُساندة الوالي، وبالفعل انفض الثوار وعادوا إلى منازلهم، أما مسلم بن عُقيل فألقى القبض عليه وضُرب عنقه بالسيف هو وصاحب المنزل الذي كان يستضيفه.

علم الحسين أثناء سيره إلى الكوفة بركوع أهلها وتخليهم عن مناصرته، ورُغم ذلك لم يؤثر الهرب رافضًا التقليل من كرامة قائد قافلة آل بيت رسول الله، وأكمل طريقه مدعومًا ببعض القبائل البدوية، بعث عبيد الله بن زياد بعمر بن سعد بن أبي وقاص على رأس جيش قوامه أربعة آلاف جندي لقتل الحسين، رفض عمر في بادئ الأمر لكن بن زياد كان رجلًا عنيدًا، وما إن طالب الحسين بمقابلة عمر بن سعد فاتحًا المجال لحل سلمي حتى حمد عمر ربه أنه لن تُمرغ يداه بدماء حفيد الرسول.

سارع عمر بن سعد بإرسال اقتراحات الحسين إلى عبيد الله بن زياد والذي بدا عليه الموافقة لولا ذلك القائد العسكري المدعو شمر بن ذي الجوشن، فقد حث عبيد الله على إخضاع الحسين دون شروط ملمحًا إلى تواطؤ عمر بن سعد مع الحسين، واقتنع عبيد الله بذلك باعثًا برسالة إلى عمر بن سعد مع شمر آمرًا إياه بمهاجمة الحسين وقتله، انصاع عمر لما أمر به عبيد الله وهاجم رجاله قافلة الحسين مُردين كافة رجاله جثثًا هامدة، ثم شرع شمر بن ذي الجوشن في تقطيع رؤوسهم، أرسلت الرؤوس إلى عبيد الله بن زياد الذي أقام حفلًا كبيرًا منتشيًا بانتصاره، وحاز جائزة فعله من يزيد، حيث رُقي إلى درجة والي الكوفة والبصرة والفارس وليس الكوفة وحدها.

هذه المأساة العنيفة والمأساوية شقت عرا الإسلام ونتج عنها انشقاق لم يتم معالجته إلى اليوم، الدماء لن تقف عند هذا الحد، وكوارث الإمبراطورية ما زال الكثير منها لم يهبط على رأسها بعد، وعلى الأرجح يعود كل هذا إلى إشكالية نظام الحكم والخلافة وماهية إدارة الدولة داخل تلك الإمبراطورية العظيمة سالفًا المتقهقرة حاضرًا، وما يزال الأمر عالقًا حتى يومنا هذا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد