تغمرني المنافسة، لا أرغب بنجاح أحد غيري وأكره معظم الناس، أنظر للناس أحيانًا فلا أرى ما يستحق الإعجاب. دانيال دي لويس بدور دانيال بلينفيو من فيلم ستسيل الدماء.

لطالما كانت السينما مرآة للحياة ولطالما قدم الكتاب والمخرجون من مختلف المدارس السينمائية أعمالهم مستندين على التجارب الحياتية اليومية التي يمرون بها أو التي يطلعون عليها خلال مسيرتهم الفنية وهناك أيضًا حالات أخرى قدم فيها بعض المخرجين والممثلين الكبار تحفًا فنية مستندين فيها على وقائع سياسية حقيقية أو متخيلة ليعرضوا لنا خفايا السياسة ودهاليزها بأسلوب فني راقٍ يلخص لنا الكثير مما قد لا نفهمه من أفواه المنافقين السياسيين لتستحق السينما لقب مرآة الحياة عن جدارة واستحقاق.

أما أن نقف على تحفة فنية تعرض لنا مجموعة من الحقائق المتفردة بحد ذاتها في عمل واحد وتلقى نجاحًا على مختلف المستويات فهو أمر نادر.

في عام 2007 انضمّ العملاق الإنكليزي دانيال دي لويس إلى طاقم العمل السينمائي الكبير There will be blood الذي كتبه وأخرجه الأمريكي بول توماس أندرسون حيث لعب دي لويس دور رجل كان يعمل في التنقيب عن الفضة ثم غير مهنته لمنقب عن النفط لأنه وجد أن العمل بالنفط (وذلك في عزّ ثورة التنقيب عن النفط في أمريكا مع بداية القرن الماضي) ذو مردود مادي أكبر بكثير. ليجسد لنا دور ذلك الرجل الجشع الذي لن يهمه شيء سوى الوصول لأهدافه مهما كلفه الثمن معتمدًا على عدة مبادئ وشعارات شكلت الأساس لطريقة تعامله مع الحياة يمكن تلخيصها كلها في المبدأ الماكيفيلي الشهير  «الغاية تبرر الوسيلة».

وحيث إنني هنا لست بصدد تقديم نقد أو تحليل فني لدور دي لويس في فيلم «ستسيل الدماء» ولكنني وبعد مشاهدة الفيلم لأكثر من مرة ومحاولتي للوقوف على كل تفاصيل شخصية دانيال بلينفيو التي جسدها دي لويس ببراعة قلّ نظيرها  فلا يمكن للمشاهد المتذوق للسياسة إلا أن يلاحظ حجم الشبه بين شخصية بلينفيو والرموز التي تقدمها لنا وبين السياسة الأمريكية منذ بدء تحولها إلى قوة عالمية إلى اليوم فارضةً أجندتها وإرادتها على العالم بكل غرور متناسيةً أي حقوق ومصالح للغير.

لقد استطاع دي لويس وبكل بساطة أن يعرض لنا وبشكل غير مباشر الشخصية الاعتبارية الأمريكية والطبيعة النفسية التي جبلت عليها من جشع وغرور ونزق مقرف من كل من يمكن أن يقف بطريقها ضاربةً بعرض الحائط كل المعايير الأخلاقية للإنسان حتى الأصيلة منها في النفس البشرية وكأن هذا العالم لا يوجد فيه إلا بلينفيو وأنه بكل ما فيه هو ملك له وكأنه يقول لنا أنا في عام 1927 أمثل نظرة أمريكا نفسها منذ تأسيسها إلى هذا اليوم، أمريكا التي قد تفعل أي شيء من أجل مصالحها مهما بدت الطريقة حقيرة وقذرة فهذه هي السياسة فهي بغائيّتها تبرر وسيلتها.

وهذا ما نراه خاصة في الفكرة التي عرضها الكاتب والمخرج والتي تمثلت بقيام بلينفيو بتبني طفل صغير لا يشوب وجهه إلا طلاسم من البراءة والطفولة وقام بتربيته على أنه ابنه الشرعي من دمه ولحمه، وأنه في يوم من الأيام سوف يرث هذه الإمبراطورية النفطية بعد أن يتعلم من والده أساليب بناء الإنسان الطماع الجشع الذي لن يوقفه أي شيء عن الوصول لأهدافه ومستغلًا براءته ليظهر للفلاحين البسطاء الذين يشتري منهم أراضيهم الغنية بالنفط وهم مطمئنون له كونه يبدو رجل العائلة الذي يشبههم في كل شيء والذي فيه من المثالية ما يكفيه حتى يقنعهم أنه مختلف عن شركات النفط العملاقة التي تتربص بهم وبنفطهم.

ولكنه عندما شعر بأن ابنه قد بدأ يفكر بالانفصال عن والده محتجًا على طريقة عمله واجهه وبكل صراحة لا بل حتى بكل حقارة ولؤم بأن ابنه هو ابن حرام بكل ما يحمله المصطلح من معانٍ ممكنة وغير ممكنة، وأنه قد قام بتبنيه من أجل دور معين لا غير ضاربًا بعرض الحائط كل ما جمعه بابنه خلال السنوات الفائتة وكأنه لم يكن إلا مجرد لعبة بلا مشاعر أو روح نفذت ما عليها ولا مانع الآن من التخلص منها بأي طريقة في حال رغبت بالوقوف في وجه قطار بلينفيو الذي سيدهس الجميع من غير تردد للوصول لمحطته الرابضة على قمة صناعة استخراج النفط في أمريكا وربما العالم من وجهة نظر بلينفيو.

وهذا ما تحاول اليوم الولايات المتحدة الأمريكية أن تسوقه لنا من خلال آلتها الدبلوماسية والإعلامية الضخمة، فقد نصبت نفسها الإله الراعي لكل ما هو سامٍ وعظيم من المثل الإنسانية والحامي الوحيد للقيم الديمقراطية وشعارات الحرية في العالم وفي ذات الوقت تقوم وبكل وقاحة بنشر الخراب والدمار وبحياكة المؤامرات بما يضمن لها السير الصحيح لمصالحها حول العالم وهو أمر ليس بخفي عن المغفل قبل الراشد المدرك. فتراها تارة تتبنى دولة أو جماعة أو أفرادًا وتقوم بدعمهم بكل أشكال الدعم السياسي أو حتى الاقتصادي ثم تقوم برميهم والتخلي عنهم عندما تنتهي مهمتهم ويتحولون إلى عبء عليها وتارة أخرى تشن الحروب المباشرة وتمارس الإحتلال العسكري بدون اي إهتمام بما تدعيه من إلتزامتجاه الإنسان والقانون والحريات والمبادىء.

كذلك نلاحظ في مسيرة الفيلم المأخوذ من الرواية الأمريكية oil ما يمكن إسقاطه على المنظومة الثقافية للأمة الأمريكية ككل هو ظهور دي لويس وقد تجرد تمامًا من كل إنسانيته مشهرًا بشكل من أشكال الإلحاد المبطن وغير معترف بوجود الله حتى، من باب رغبته في التخلص من أي مؤثرات قد تحاول منعه من الوصول لأهدافه وهذا ما رأيناه في نهاية الفيلم الذي انتشرت فيه دماء رجل الدين المنافق والذي لعب دوره ببراعة أيضًا الشاب باول دانو، والذي حاول أن يستغل طمع بلينفيو للوصول لمآرب مادية بحتة أيضًا والتي تخالف أي تعاليم لكنيسته التي يرعاها وكأنه يثبت لبلينفيو وفي آخر مشهد أن الله وعقابه غير موجودين، وأن من حق بلينفيو أن يصل لهذه المرحلة من نكران أي حق كان للغير عليه حتى ولو كان الرب ذاته فشخصية دارو التي أداها بعد أن ظهر فيها خلال الفيلم برجل الدين التقي الورع الذي كانت كل مآربه في الظاهر أن يكسب بلينفيو للكنيسة وهو في الحقيقة مجرد ممثل بارع يمكن أن يبيع أي شيء حتى ربه من أجل المال.

يمكن لمن شاهد هذه التحفة السينمائية أن يلحظ وبكل سهولة دي لويس ودارو وهما يقومان بعرض بسيط لطريقة عمل الإدارات الأمريكية فيما يخص سياستها الخارجية والداخلية على السواء، هذه السياسة التي اعتنقت الداروينية الاجتماعية بكل دلالتها ومكنوناتها والتي حملت الشعارات الماكيفلية على ظهرها وراحت تغزو العالم بكل جحود ونكران لأي قوة أو أي حق آخر قد يدعيه الغير.

لقد لخص دي لويس لنا قبح الإنسان عندما يتعرى من القيم الأخلاقية ويصبح عبارة عن آلة لا تفكر إلا بجمع المال حتى وإن كان هذا المال قد غطته دماء الغير. وعرض في ذات الوقت لنا صورة جلية للوجه المشوه للحضارة الأمريكية التي قامت على نفس المبادئ التي اعتنقها بلينفيو وأصبحت تشكل شخصيته بكل وضوح.

أنصح بهذا الفيلم لكل متذوق للدراما السينمائية ولكل راغب في فهم طريقة عمل الآلة الأمريكية والحضارة الغربية بشكل عام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد