منذ انطلاق الحراك الديمقراطي مطلع سنة 2011، لم تتوانَ الأنظمة التي أحست بناره تشب في عروشها، في إشهار ورقة الترهيب والتخويف في وجه المنتفضين والثوار، فتارة نبشت في أحفوريات «سايكس بيكو» عن التقسيم والتجزيء، وتارة هددت بعودة الاستعمار إنْ في صورته القديمة، أو على هيئة احتلال «الصومال والعراق«، وتارات أخرى لوحت بحروب أهلية من عهد داحس والغبراء، ومع اشتداد الثورات واتساع رقعتها مضى الحكام نحو تنفيذ معتقدهم الأزلي الراسخ «نحن أو الفوضى» لتتحقق «بشارة السوء» على يد «بشار» سوريا و«معمر» ليبيا، فتستحيل الثورات حروبًا، ويجد الفاعل الأجنبي موطئ قدم جديدًا في البلاد العربية.

التقطت بقية الأنظمة النموذجين السوري والليبي كما يتلقف الملهوف حبل نجاة بعد طول قنوط، فحولتهما إلى بعبع تخيف وتُخوّف به شعوبها، فأطلقت إذ ذاك إعلامها وأعلامَها على تردد واحد للعزف على أثير التهديد والوعيد، ليبزغ المنظرون والمحللون الذين غدا شغلهم الشاغل إسقاط أسباب السورنة على المجتمع، وتفاصيل الليبنة على الأحداث.

وفي المغرب، لم يخفت صوت التخويف، إبان الاحتجاجات التي اجتاحت البلاد ذات فبراير، ولم تختفِ فزاعة التهديد ذات الخيارين: الصمت والاستقرار أو الصدع والطوفان، ولم يراعِ النظام والمتحدثون باسمه، دُنوّ سقف المطالب ومناداة المحتجين بإصلاح النظام لا بتصفيته، وانجروا نحو المقارنة المؤذية والإسقاط الضار، فانطلقت الأصوات المحذرة من أن التنوع العرقي سيفتح بابًا مشرعًا على الانقسام والتفرقة، وأن «الاستثناء» المغربي يفرض الابتعاد عن الشارع، والقبول بعِلاّت النظام ذي «الحساد» و«الأعداء» الكثر.

اليوم ومع تجدد الحراك في الشارع عقب مقتل بائع السمك «الشهيد محسن فكري» طحنًا بشاحنة لجمع القمامة، بعد مصادرة السلطات العمومية لكميات من السمك في ملكيته وإتلافها أمام عينيه، عادت من جديد ذات الأصوات المحذرة من الفتنة النائمة الملعون موقظها، لتردد «الأدلة» نفسها و«الشواهد» الدالة على استهداف الوحدة الترابية للبلد والطعن في استقراره، في نسق مؤامراتي مثير للسخرية والقرف.

غير أن إعادة النظر في فصول هذه المؤامرة المحاكة تكشف بالملموس زيف أدلتها وضعف تبريراتها، وتظهر أن الدولة وأعوانها -مجيشين ومضللين ومستفيدين- إنما يلوكونها لتعويم النقاش ومس العواطف وقبرِ المطالب وتأليب العامة ضد الرافضين. ويسقط بعبع التخويف أمام أكثر من حجة:

أولاً: إن من يهدد ويحذر المحتجين والمطالبين بالانتفاضات الشعبية بالسورنة والصوملة والعرقنة والليبنة، يسيء إلى نظام بلده وهو يقصد الدفاع عنه، فمعارضو النظام المغربي ينتقدون سلوكياته وسياساته لكنهم لا يقارنون ـ ولو من باب المبالغةـ بينه وبين النظام السوري، من حيث الدموية والطيش والتعطش للدماء. ولا ينبغي هنا إغفال حقيقة مسؤولية النظامين السوري والليبي الكاملة عن عسكرة الصراع وتحويل الثورة إلى حرب، بمواجهة الصدع بالمدفع ومظاهرات الشارع بالبراميل المتفجرة، ألم يقصف بشار عزل درعا ودوما بالطائرات والدبابات؟ ألم يكن تشكيل الجيش الحر رد فعل قصده الدفاع لا الهجوم؟ ألم يقابل ثوار درنة وبنغازي بالأسلحة الثقيلة ومضادات الطائرات من قبل مرتزقة القذافي الأجانب؟.

فأي الفريقين يسيء للنظام ورأسه، من يطالبه بالصلاح والإصلاح أم من يساويه بالأنظمة الساقطة، والرموز الدموية وقوافل الانقلابيين والقتلة ومصاصي الدماء والمطلوبين جنائيًا؟ وأيهما أحق بالاتهام بالمس بالاستقرار وبعث الفتن؟ أم أن «المواطنين الشرفاء» يرون أن من حق النظام مواجهة معارضيه بالدبابات والمدافع والقتل والحرق والطحن دفاعًا عن الاستقرار ودفعًا للتقسيم والانفصال؟.

ثانيًا: بَنَت الدول التي انجرت إلى الحروب الأهلية تركيبتها النظامية والمجتمعية على القبلية والطائفية، ولا غُرو أن يشبه المفكر السوري خالص جلبي، نظام البعث المؤسَّس على الطائفية والمحرض عليها، بوحش «فرانكنشتاين» الذي قام بتركيبه طبيب غريب الأطوار في القرن التاسع عشر بجمع بقايا رهط من الناس ماتوا في حادث، فأخذ رأس هذا وساق ذاك وفخذ ثالث وصدر رابع، ثم ضرب الجسد الجديد بالكهرباء فانتفض من موت وقام يمشي ليتحول بعدها إلى كائن خبيث مدمر، ولا يحتاج نظام «معمر» ليبيا إلى كثير سردٍ للتدليل على اعتماد بقائه على تغذية القبلية وإذكائها، كما تظهر معالم التفريق جلية في نموذج النظام العسكري المصري الذي أنتج أطروحة  «أنتم شعب ونحن شعب« لضمان إطالة عمر انقلابه، ورغم إقرارنا بوجود معالم التنوع العرقي بالمغرب إلا أنه يشكل عنصر قوة لا نقطة ضعف ووهن، كما أن اللعب على وتر الطائفية لم «يبرع» النظام المغربي فيه، ومنكر ذلك يسقط من جديد، في إدانة النظام عوض الدفاع عنه.

ثالثـًا: وتنبني هذه النقطة على الرجوع إلى السببين الرئيسَيْن اللذيْن جنبا بلاد المغرب الانجرار إلى سيناريو العنف والحرب والتطاحن في 2011:

أولاً: التعامل المرن للسلطات المغربية مع المظاهرات على المستويين السياسي والأمني، فعلى المستوى السياسي خرج الملك/ رئيس الدولة بخطاب فضفاض في تاسع مارس أي بعد أقل من عشرين يومًا من بدء الحراك، وعد فيه بخطوط عامة وإصلاحات غير محددة ووعود غير محصورة، هذه العمومية التي اتسم بها الخطاب جعلت سقف التوقعات يرتفع وحجم الآمال يكبر، ولن نخوض هنا في مسألة صواب رد فعل النخب السياسية والمجتمعية تجاه الخطاب من عدمه.

وعلى المستوى الأمني عمدت السلطة إلى التعامل مع المظاهرات بما يمكن تسميته بالقمع المعقلن، فقد شحذت العصي والهراوات لا البنادق والمسدسات، وسلاح الإعلام لا مشانق الإعدام، فتارة سمحت بتنظيم الأشكال الاحتجاجية وتارة منعتها واعتقلت بعض المشاركين فيها، حتى صار من الصعب التكهن بردة فعلها تجاه المظاهرات المرتقبة.

ثانيًا: سلمية المظاهرات والتزامها بالسقف المحدد سلفـًا، ولا أحد من المتابعين، حتى المنحازين للسلطة منهم، استطاع أن يتهم -بدليل- الداعين إلى الاحتجاجات والمشاركين فيها بتكدير السلم أو الإضرار بالممتلكات الخاصة والعامة أو مواجهة قوات الأمن بالعنف المضاد، وجل الانفلاتات التي حصل فيها خرق للسلمية كانت إما بعيدة عن مراكز التظاهر أو محصلة للحياد السلبي الذي انتهجته القوات العمومية، كما سُجل التزام الحركات الاحتجاجية بشعار إسقاط الفساد والاستبداد، ولم يرتفع إلى ما يفوق ذلك إلا في ظرفيات مؤقتة ومحدودة.

ولم يكن لأحد الطرفين «السلطة والشعب/ المحتج» فضل، في معزل عن الآخر، في تجنيب البلاد من السقوط بمستنقع العنف أو مأزق الحرب الأهلية.

فما الذي تغير ما بين 20 فبراير 2011، و30 أكتوبر 2016 حتى يطفو من جديد بُعبُع التخويف من كابوس الانفصال والتقسيم، والتحذير من السقوط في فخ مؤامرات ما يصطلح عليه بـ«الأعداء»، وإشهار أوهام الحرب الأهلية وانفراط العِقد التي دحض الواقع إمكانية حصولها، وتبين بالملموس أنها فزاعات زائفة لا تستحق حتى التصديق فكيف إعادة الإنتاج والعرض.

إن دعوات الانفصال ينبغي ويجب أن تواجه بالتضامن المطلق واللامشروط مع كل حادث بأية بقعة جغرافية داخل الوطن من الماء إلى الصحراء، لا بالتخوين والتجريح وإطلاق أحكام القيمة، فلو أن بقية المغاربية لم يخرجوا للاحتجاج على طحن «محسن» لظل أهل الريف وحدهم في الشوارع، ولأحسوا حينها حقـًّا بأنهم يعيشون في «وطن» منفصل يكابد الجراح وحيدًا، وتخوين حامل راية «جمهورية الريف» ونزع رداء الوطنية عنه لن يزيده إلا إصرارًا على الموقف وثباتـًا على رأي الانفصال، فكيف تقصيه من لائحة الوطن/ المملكة، وتطلب منه أن يحبه، وكيف تجرده من لقب المواطن وتنتظر منه أن لا يرتمي في حضن فكرة «الجمهورية» القديمة؟.

كما أن التلويح بلازمة الفتنة النائمة، غدا أمرًا مكررًا حد الابتذال، سئم منه السامع ولم يسأم القائل، ومن يسعى ـ حقًا ـ لبعث الفتنة هو من يقسم المغاربة إلى رعية وأوباش، إلى مواطنين صالحين يملؤون جدرانهم الحقيقية والافتراضية بصور «جلالة الحاكم» وينسبون له كل إحسان ولغيره كل إساءة. وخونة يشيدون بفعل «رئيس الدولة» إن أحسن وينتقدون عمله إن أخطأ، من يسقط الشعوب في الفتنة هو من ينشر الريع والتضبيع والتجويع والتطبيع، ثم يستغل الضعفاء والمجَهّلين ويشحنهم في المقطورات والصفحات ليخوض بهم معارك لا يعلمون لها عنوانًا، من يسعى لخلق الفتنة هو من يقرأ شعار المملكة من يساره ويفهم التقدم من أسفله ويسأل الحكم والسياسة بمنطق الحب والبغض، والذل مقابل الغذاء.

على هؤلاء أن يعوا أن الفتنة ميتة ومن أحياها فكأنما قتل الناس جميعًا، وعليه لعنة الله والتاريخ والناس أجمعين.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الفتنة
عرض التعليقات
تحميل المزيد