أنا أعرف تلك الرائحة جيدًا، من المستحيل أن يخطئ أنفي تلك الرائحة، شممتها من قبل حين دفنت أحد أقاربي، رائحة القبور؟ قبر جماعي تحت مركز للشرطة! سكان المدينة المحترقة من بضع سنوات قليلة اعتادوا أن يكون القتل في أي مكان، في الشوارع، في الطرقات، في منزلك، لم يعد هناك ما يخشاه جنود الزعيم حتي يتخفى أحدهم وهو يقتل فلانًا أو علانًا. جارنا القديم قتله أحد جنود الزعيم لأنه أراد زوجته، شاهدها فأعجب بها فقتل زوجها ليظفر بها، سكان الحي عرفوا ذلك فلم يحرك أحد ساكنًا، سمعنا أحدهم يومها يقول إن هذا هو القدر، وأن القصة تحدث في كل مكان، وأن هناك أشياء على المرء أن يهتم أكثر لها من تلك الحوادث!

وجود الكشاف في يدي كان مفيدًا، يبدو أن وجوده لم يكن مصادفة في مكتب التحقيقات، الرائحة تزداد قوة وبشاعة كلما هبطت إلى الأسفل.

هياكل عظمية متناثرة في عدة أركان من تلك الغرفة الفسيحة، هذا ما رأيته حينما أشعلت الكشاف في يدي، هناك على اليمين سوط معلق على الحائط، بعده بقليل آلة حديدية كبيرة يتدلى منها حبل ملطخ بالدماء، وعلى اليسار كرسي حديدي يمتلئ مكان الجلوس فيه بالمسامير، هناك بين ذلك كله صورة تزين الحائط في إطار ذهبي يحيط بوجه الزعيم.

هناك صوت دوي شديد للرصاص بالخارج، انفجار تبع ذلك، ارتدت على إثره جدران المكان فأصابتني إحدى صخورها.

شكل المكان تغير فجأة، هذه ليست الجدران التي رأيتها حينما نزلت، رأسي ينزف ويداي مخضبتان بالدماء، أنا في شارع ليس بالواسع وليس بالضيق، هناك في أقصى النهايات جنود متشحون بالسواد قادمون وبيدهم أسلحة عملاقة، اهتزازها على أكتافهم وبين أيديهم يثير الكثير في القلب، على الأرض صف كامل من الجثث المخضبة بالدماء، بدأ الجنود في إطلاق النيران بضراوة على الجثث! يتأكدون أن جميعهم صاروا شهداء، من لم تنته حياته الدنيوية يتكفلون هم بإنهائها، لحظة واحدة هناك بين الجثث صوت همس خفيف، لا إنه بكاء يشبه النحيب، الجنود يقتربون وصوت الرصاص ما زال مستمرًا يملأ الأرجاء وكأن الدنيا كلها صارت هنا وكلها تسمع ذلك، اقتربت لأرى! إنها فتاة ملابسها ملطخة بالدماء لكنها ليست مصابة على ما يبدو، ليس هناك إضاءة لكن هناك القمر، سيقتلها حينما يصل إليها، ركضت نحوها لكنني أركض في الفراغ، أنا شفاف، لا أنتمي لهذا المشهد! أنا أشاهد وحسب.

غلب على الفتاة خوفها، وقامت تركض لكنهم شاهدوها، انطلق رصاصهم نحوها وارتقت نحو السماء سريعًا.

رأسي تؤلمني والنزيف مستمر، هناك طائرة يملأ صوتها الأفق، هناك قذائف تتدافع نحو أكثر من اتجاه، سوى تجاهي.

كان كابوسًا حقيقيًّا، النزيف استمر وصوت القذائف كما هو، نهضت متثاقلاً نحو الدور العلوي، الأب والأم وابنتهما قد ماتوا، الرصاص مزق أجسادهم.

عند بوابة الخروج كانت هناك امرأة في الشارع تمسك بطفل صغير مسجى على الأرض يغطي جسده الدماء، تبكي كما لم يبك إنسان من قبل، وكأن قلبها معبأ بحزن يكفي أهل الأرض، قامت من الأرض وجهها محمر وعينها تطلقان غضبًا يزعزع كيان الأرض واستقرارها المنشود، يزعزع الاتفاقيات والمعاهدات والمواءمات والتخاذل، ركضت نحو وجهه لا أعرفها، نظرت لأجد جمعًا من الجنود يحملون السلاح ويتحدثون، نظر أحدهم نحوها وهي تركض بنظرة استخفاف، في اللحظة التي وصلت عندهم وصوتها يملأ الأفق صياحًا سقطت قذيفة من طائرة بعثرت أشلاءهم في الهواء.

ركضت نحو المنزل وأنا محمل بشظايا تملأ أنحاء جسدي ونزيف لا يتوقف، ثمة سلاح على الأرض أمام بوابة منزلي، قد يكون ذلك مفيدًا رغم أني لا أعرف طريقة استخدامه.

نافذتي محطمة بالكلية، والرصاص يملأ الجدران، نظرت للمرة الأخيرة نحو الشارع، هناك سيارة جنود قادمة، هناك في الناحية الأخرى من الشارع امرأة تحمل طفلها، هناك قدر في انتظار كل من يعيشون في المدينة المحترقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد