البحر يناجي الجامعة العربية.. كلنا أموات!

يبدو أن جدول أعمال قمة البحر الميت «غير الرسمي» كان مفعمًا ومكتملاً في آن واحد، فقد استمتع حكامنا العرب بالاستجمام على ضفاف البحر الميت، وبتناول ما لذ وطاب من الوجبات الأردنية اللذيذة.

ولعل حمام الطين الذي تنعم به أصحاب الفخامة والسعادة والسمو على جنبات البحر الميت كان له أثر بالغ، إذ تجد البعض منهم يغط في النوم العميق بعد إلقاء كلمته الافتتاحية، وربما قبل أن يأتي الدور عليه لإلقاء بعض من فيض كرمه في كيفية الحفاظ والدفاع والرعاية لمقدرات وطنه من شعب وأرض وسماء.

وكالعادة جاءت الكلمات الافتتاحية جلها أنهم لا ينامون الليل، ولا ينعمون بالراحة في النهار، من أجل الارتقاء بأوطانهم، وتوفير سبل الراحة لشعوبهم، عبر سيل من الإنجازات والمعجزات التي حدثت، والتي لم تحدث إلا في وجودهم، وفي ظل حكمهم الرشيد.

وطبيعي أن يواجه أصحاب السعادة والفخامة والجلالة والسمو قدرًا من العوائق والصعاب، لكن حكمتهم، وحنكتهم، كانت نبراسًا في تذليلها، وتحويلها من معول هدم إلى معول بناء وعطاء.

وربما يدور في الخلد لماذا نهتم بالجدول «غير الرسمي» للقمة العربية الثامنة والعشرين؟ والإجابة باختصار لأنه الجانب الذي لا نعرفه، أما «الجدول الرسمي» فالكل يعرف مكنونه، والكل على يقين أيضًا أنه لن يتغير كثيرًا عن القمم السابقة، وربما لن يتغير في القمم التالية.

فما زالت مشكلة القرن «القضية الفلسطينية» تتصدر – وستتصدر- كل مؤتمرات الجامعة العربية، وما زالت – وما تزال – هذه القضية دون حل، طالما أن أصحاب الفخامة والجلال والسمو قابعين على ذات الكراسي العربية.

وتأتي قضية «الإرهاب» في الترتيب الثاني من حيث أولويات القمم العربية، وهذه الإشكالية بالذات ستظل دليلاً على أن حكامنا العرب لديهم رغبة أكيدة في عدم تضافر الجهود في القضاء عليها.

أما الترتيب الثالث من حيث أولويات القمم العربية فهو محجوز للدولة العربية الأكثر معاناة وتضررًا، وقد نالت هذه القمة هذا الشرف، دولة «سوريا» الجرح النازف في الجسم العربي الآن، بعد أن كانت دولة «العراق» الضائعة متربعة على هذا العرش أزمنة كثيره، ثم خلفها في هذا المكان «ليبيا» الجريحة، واليمن المهزومة. وكالعادة بيانات الشجب والتنديد تملأ جنبات القاعة التي تزداد حسنًا وجمالاً بحكامنا الأفذاذ. ولا يسعنا أن ننسى أن وزراء الخارجية العرب قد حملوا – قبل حكامهم – أمانة إصدار سيل من بيانات الشحب والتنديد.

وأخيرًا يأتي الدور العربي المشترك، كأحد أهم الأولويات التي ينشغل بها ولاة أمرنا، وفي هذا الإطار تحديدًا حقق أصحاب الفخامة والجلالة والسعادة والسمو نجاحًا بالغًا، لم يتبق سوى بعض الخلافات، أو أن شئت الدقة بعض «الأخذ على الخاطر» بين بعض الحكام العرب، وحتى تنزاح هذه الغصة سوف نجد في «القريب البعيد» سوقًا مشتركًا، وتحالفًا عسكريًا مشتركًا، وربما اتحادًا عربيًّا على غرار الاتحاد الأوروبي.

من أجل ما سبق لم يشغلنا كثيرًا الجانب «الرسمي» للمؤتمر الثامن والعشرين للقمة العربية، وطبيعي أن ينصب جل اهتمامنا على الجانب «غير الرسمي»؛ فحياة حكامنا العرب، وراحتهم، ورفاهيتهم، هي أهم ما يشغلنا، فالشعوب العربية أقصد «الرعية» تكون في قمة السعادة والزهو حينما تتوفر سبل الراحة لحكامها، بل ما من سعادة تفوق ما يشعر به الرعية حينما تطمئن أن الراعي قد بدأ يومه في مملكته بممارسة الرياضة وتناول الإفطار وكوب من الشاي، ثم أخذ يعزف سيمفونية الإدارة الرشيدة لمملكة السعيدة.

وكالعادة انتهت القمة إلى لا شيء، فالقضية الفلسطينية – بمفرداتها من قدس ومستوطنات ومهجرين – من سيئ إلى أسوأ. وما زالت سوريا المكلومة شاهدة على انحطاط الإنسانية والعار الذي يغرق فيه الجميع، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ودليلاً دامغًا على الضعف العربي، إذ صارت سوريا بوصلة الصراع بين الدول الكبرى. وما زالت جل الدول العربية تعاني إما من ويلات الحرب والصراعات الداخلية وإما من شبح الانقسام، ناهيك عما تعانيه من فقر وجوع وإرهاب.

بالنهاية يقال إن للبحر الميت فوائد جمة؛ فإذا كان البحر الميت قد نجح في إزالة ترهلات الحكام العرب، فلم تنجح القمة في إزالة ترهلات الخلافات التي بين الحكام العرب.

وإذا كان البحر قد نجح في تنشيط الدورة الدموية لولاة أمرنا، فقد نجحت القمة العربية في تنشيط الدم السوري، فما برح لون الحمرة الذي ارتسم في وجوه أصحاب الفخامة والجلالة والسمو أن تتوارى، إلا وقد أبى النظام السوري أن يصبغ وجهه القبيح بلون الدم فسارع في قذف مدينة خان شيخون بالغاز الكيماوي، فترى الأطفال والنساء والرجال يتقلبون أمام أعينك، وكأنهم يحرقون أحياء، ولا تفلح فيهم رشات المياه على أجسادهم، فالموت لا محالة مصيرهم.

وبعد أن كان حلم الشعوب العربية أن تحقق الجامعة سوقًا عربية مشتركة، وتشكيل حلف عسكر كحلف الناتو، وتطور الحلم إلى إلغاء التأشيرة وإزالة كل العوائق والحواجز بين الدول العربية، وخلق اتحاد جامع كالاتحاد الأوروبي، أصبح أقصى أماني هذه الشعوب أن تفلح الجامعة العربية المبجلة في أن تلعب دور الوسيط بين بعض الحكام العرب على غرار دور المصلح بين المتخاصمين أو المرضي بين الزوج والزوجة. وإنه لدور لو تعلمون عظيم. فهل تفلح الجامعة في هذا الدور.

ولعل أبلغ تعبير عن القمة العربية عندما سأل أحد البسطاء عن توقعاته من قمة البحر الميت؟ أجاب، يا سيدي هذه قمة ميتة قبل البحر!

والحقيقة أن الجامعة العربية لا حراك لها، فهي والعدم سواء، ومعلوم أن العدم لا ينتج إلا عدمًا، فهل يبث البحر الميت الروح في قمة ولدت من عدم؟ يقيننا لا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد