«الإفراط في الوعي يقتلني».. جملة كثيرًا ما رأيناها على مواقع التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة، قد نشرها أناس ظنوا في نفوسهم الوعي والثقافة، بعدما أتموا قراءة أول كتاب بالنسبة إليهم، وعادة ما تكون رواية ركيكة الحكاية والبنية، تلك هي الحال في مصر والوطن العربي.

ولكن هل الإفراط في الوعي يقتل حقًّا؟ في الحقيقة الوعي يعلي الشأن ويرفع الهمم، ولكن ما يسمونه بالوعي المفرط فيه هو محض هراء، ولكن ما الوعي؟

لا يهمنا أن نعرف الوعي تعريفًا بحثيًّا، ولكن ما يهمنا هو محاولة تبين ما الوعي بصفة عامة، فالوعي هو أن يعرف الشخص ما حوله ويدركه بإحدى حواسه، وتبدأ الرغبة في الوعي عند الحاجة إلى معلومات عن الشيء، إذن الوعي لا يعني المعلومات العلمية أو البحثية فحسب، بل هي جزء منه والثقافة كذلك.

ولكن ما يقصد بالوعي في عبارة «الإفراط في الوعي يقتلني» – التي هي الإشكالية الأساس والمحور الرئيس في مقالتنا – قد يقصد الثقافة، وهذا يضطرنا إلى الحديث عن الثقافة.

الباحث عن ماهية الثقافة يجد أنها سلم الوعي أو الطريق المؤدية إليه، فالثقافة هي أن تعرف، والوعي هو أن تحلل ما تعرف، ولكن لماذا قلنا المقصود في العبارة المذكورة آنفًا ليس الوعي، بل الثقافة؟

القدرة الدماغية لأي كائن حي تختلف عن القدرة الدماغية لآخر، ولا سيما الإنسان، فالقدرة الدماغية عند ألبرت آينشتين تختلف عن القدرة الدماغية لي، سواء بالسلب أو بالإيجاب. والثقافة معرفة، والوعي تحليل المعرفة، والأخير يتطلب إعمال العقل لا مجرد الاطلاع، والقدرة على الوعي تختلف باختلاف القدرة الدماغية، وما يقرأ هو إثراء للمعرفة والثقافة، قد يتبعه وعي أو لا، إذن ما يؤخذ من الكتب هو ثقافة ومعرفة، وليس وعيًا!

لقد غدت القراءة موضوعًا متداولًا، وظن فيها البعض الوجاهة الاجتماعية، فما بدا واضحًا في الوقت الراهن من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة من هم دون السن، حين ينشرون اقتباسات من كتب أو روايات لم يمروا عليها مرور كرام، فقط ليحسبوا من زمرة المثقفين، فالحقيقة الباقية هو سعي وراء التميز، فهل حقًّا أنتجت لنا مواقع التواصل الاجتماعي مثقفين قادرين على الإدراك وتكوين الوعي؟

إن السعي الدائم وراء المعرفة الخاوية يجعل الإنسان يقع فيما يسمى – في علم المنطق – بالجهل المركب، أي إنه لا يعرف ولا يعرف أنه لا يعرف، ويتبعه الظن بأنه يعرف ويؤدي ذلك إلى قتل المعرفة بسكين بارد.

السبب في ذلك هو التدافع البشري الكامن في صلب كل إنسان، وهذا التدافع هو سر بقاء الأرض وسر إعمارها، ولكن الحياة الرقمية الراهنة جعلت الإنسان يسعى إلى الإتمام السريع، وكأنه يريد لو كان يومه يومين، وهذا أسفر عن المعرفة الخاوية؛ إذ الإنسان الراغب في تكوين ثقافة للارتقاء إلى مرتبة الوعي، عليه أن يدافع غيره بسرعة أعلى، فلن ينتظر حتى يكمل كتابًا أو مقالًا، ومؤدى ذلك النقص.

بيد أن القراءة عمل شاق ومرهق، وقد يكون ذا ملل وكلل عند من هم ليسوا من أهله، بالإضافة إلى غياب الرغبة في ذلك؛ لأن أصحاب هذه الظاهرة يسعون إلى تحسين صورهم والظهور في زمرة المثقفين فحسب، كالأمي الساعي وراء أخذ الدكتوراه الفخرية، قبل أن يتعلم كيف يكتب اسمه، فقط ليقال له اللقب.

تلك الحالات شكلت لنا في النهاية مجتمعًا غير متزن؛ إذ تفشت تلك الظاهرة في الجيل الواعد، وما زاد الطين بلة هو صفحات الفتوى الإلكترونية، ولا أقصد الفتاوى الدينية، بل رحبت أرض بأصحاب فتوى في علوم حياتية بجانب الدينية.

واحد من الناس لا نعلم إن كان ذا علم أم كالأنعام لا يفقه شيئًا، يعلن أنه سيفتي الناس في أمور الدين والدنيا، شخص قد لا يكون مر على مدرسة، ويدعي العلم، إلا من رحم ربي، وإن السعي له من جملة ما قد سبق وبدا من الناس لتكوين الثقافة أو لأخذ المصطلحات الجديدة لدسها في حديثهم.

أقسم لي زميل بأن مواقع التواصل الاجتماعي أفادته أعظم إفادة إذ شكلت معرفته، فنراه يجادلنا اليوم في أمور لم يكن له علم بها بالأمس، ومصدره هو «بوست» على «فيسبوك»، سواء أصاب «البوست» أو أخطأ، فإن صاحبنا قد أجرم في حق نفسه، إذ أغشى عينه وأعمى عقله، وأصبح يبتلع ويلتهم كل وجبة قدمت إليه من معلومات دون تفكير أو تحرًّ.

إن كان هذا المقصود بالوعي، فإنه حقًّا يقتل وينسف، ولكنه كالأمراض المعدية بطيئة الأعراض، الوعي والثقافة ليست مصطلحات تردد في جلسات المثقفين والساسة، بل أفعالًا وجهودًا، فلا بد من تكوين ثقافة ومعرفة، والسعي وراء تبلور الوعي في العقول، فالوعي يبدأ – عندي – بالوعي الخفي ثم الوعي المهجن، ولكن ما الوعي الخفي؟ وما الوعي المهجن؟

هذا ما سنستفيض في الحديث عنه لاحقًا، وذلك بعدما حللنا المشكلة الشائكة، فلزم الإفصاح عن الأدوار المجتمعية في تكوين الثقافة وتبلور الوعي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد