هنا في بطرسبرج ليس بإمكانك أن تعتاد على الجو بسهولة, ثلاث درجات مئوية ليست جوًّا صعبًا على الروس القاطنين هنا. ذلك ما طرد التعجب من رأسي حينما رأيت مأدبة تقام في حديقة منزل جاري الروسي تمتد أطرافها ورائحة شوائها حتى نافذتي المغلقة.

كنت تلقيت دعوة لحضور تلك المأدبة لكنني سأجد نفسي حينها محاطًا بكؤوس الفودكا ومقبلات الكافيار, سأكون مضطرًا للدخول في مهاترة الإقناع بأن الخمر محرم في ديني. لست معتادًا على تلك الأجواء.

سأجلس بجوار المدفأة لأقرأ قصة الفتى المهاجر.. سوري هو بإمكانك تتبع حكايته من ستوكهولم إلى محطة السكك الحديدية في برلين.. قصة لها امتداد جذري لا يمكن إغفاله. والده الحاج الذي لقي حتفه في سجون حافظ الأسد كان رجلا متدينا لا يفوته فرض في بيت الله، كل يوم قارئًا في الكتب الدينية ذلك ما وضعه تحت أعين الأمن السياسي.. ولسوء الحظ كان ذلك في فترة يخشى كل أهل الشام سماع شيء عن المخابرات السورية أو الاعتقالات فيها.. ألقوا القبض على الحاج وخضع للتحقيق مدة أسبوع، وجدت جثته بعدها ملقاة في أحد شوارع حماة مغرقة بالحمض, مشوهة، أثارت الذعر والخوف في نفوس كل المتواجدين في تلك المنطقة وبعد ذلك دفن الرجل ولم يعلم أحد من أهله شيئًا عن كل تلك التفاصيل المفزعة.

لم تصل تلك الأخبار إلى عائلة الفتى إلا قبيل اشتعال فتيل الثورة السورية في وقت انشغل فيه الجميع بأخبار متداولة عن إعدام نظام بشار لأربعة أطفال كتبوا على حائط مدرستهم جملة سمعوها في التلفاز ولم يفهموا معناها “الشعب يريد إسقاط النظام”.

ازداد الجمع التواجد في حديقة جاري ألكسندر بافلوفتش.. يا الله لقد نسيت القهوة على النار, لن أعد غيرها.  فتحت النافذة لأستقبل عاصفة هوائية كادت تسقطني أرضًا لكنني أحببت أن أرى عن قرب ما يدور هناك.

صاح من بين الجمع الروسي ألكسندر بافلوفتش “دعونا نشرب نخب الاتفاق النووي الإيراني”.  فرد عليه آخر “لا بل دعونا نشرب نخب رجالنا في سوريا”. صاح الجميع ورفعوا كؤوسهم مهللين وشربوها ما عدا ماريا؛ وقفت من بينهم غاضبة لم تفعل شيئًا. تعجبوا جميعًا من ذلك وسألوها لماذا لا تشربين. قالت “أي نخب تشربون يا معشر الحمقى؟ نخب جثث الموتى السوريين التي تملأ الشوارع وتحت الأنقاض أم نخب اللاجئين أم نخب جنودنا الذين سيروا أيامًا بشعة في سوريا؟”.

تمتم الجميع بكلمات غير مفهومة فصاح أحدهم: رجالنا أقوياء عظام من يهزمهم. فردت ماريا “سيناريو أفغانستان بانتظار جنود فلاديمير.. ستكون الملحمة في سوريا دامية. سيندمون, سيندم فلاديمير وسنندم جميعًا”. تركتهم ماريا في حديث غير مفهوم ورحلت.

بادر أحدهم قائلا “مصيبة أن تكون ماريا قد صارت من أنصار المذهب العدمي. إنها تتحدث وكأنها ليست روسية، أراهن أنها ليست في وعيها.. أعطوها كأسين من الفودكا وستتوقف عن قول تلك الترهات”.

ما حدث بعد ذلك في قصة الفتى أن أمه زوَّجته من ابنة عمه زواجًا استمر خمسة شهور، تبعه مشاركة الفتى مع إحدى مجموعات المقاومة المسلحة ضد بشار، حتى يفاجأ بخبر ذات يوم أن مجموعات الشبيحة التابعة لبشار قد اقتحمت المنطقة التي تعيش فيها زوجته الحامل وأمه في بيت واحد.

 

 
وصل الفتى ليجد أمه قد قتلوها، وحكى له أحد الجيران أن زوجته قد تعرضت للاغتصاب على يد الشبيحة وأن أهالي الحي قد قتلوا ذلك المغتصب.. ازدادت النار المشتعلة في جسد الفتى وقلبه، فصار أكثر من يوقع عناصرَ من النظام قتلى وصرعى إلى أن استشهد في غارة روسية.

شعرت في داخلي أن ذكرى هؤلاء الشهداء ستظل نارًا تحرق الحمقى والقتلة في كل مكان وأنها ستظل لعنة عليهم.. “ما دام هناك ألف ماريا في شوارع موسكو ومليون أحمق مثل بوتين في الكرملين ستكون عاقبتهم وخيمة، أما عن الشهداء فالأمر ليس بكبير عليهم فالمصير واحد النصر أو الشهادة”.

أغلقت النافذة محاولا إنهاء كل ذلك العصف الذهني. خرجت وفتحت حاسوبي وكتبت “تحسس موضع قدمك فلربما وجدت نفسك تقف فوق قبر أحدهم”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

روسيا, سوريا
عرض التعليقات
تحميل المزيد